زمن الطيبين …

IMG_2587.JPG

(1)

يمقت حياته جداً، يكره كل ما فيها، الفساد والنفاق وأنانية البشر، حتى في هدوئه لم يرحموه، تمنى بشدة لو أتيحت له الفرصة للانتقال لزمن مختلف ..
لطالما كان شغوفا بفترتي الستينات والسبعينات، يراها جمعت حضارة العصر الحالي وبساطة وجمال الأولين، حتى الموسيقى والموضة في تلك الأيام – كما يراها في الأفلام الأجنبية والمصرية – فاقت كل العصور التي سبقتها أو لحقتها ..
تحسّر قليلا وهو يقضم أظافره كعادته حين يتوتر وفكر في أنه كم كان رائعا لو أن هناك بوابة زمنية يعود منها للزمن الأجمل ، زمن الطيبين ..

(2)

” هذه هي الهبة التي أعرضها عليك ..
كل ما عليك هو اختيار ثلاث نقاط زمنية للانتقال لها ويجب أن يفصل بينها عقدين على الأقل، ستظهر لك على شكل عدة أبواب ، افتحها وقيّم وضعك ثم ادخل من الباب الذي يناسبك ”
نظر للأبواب متحمسا وفكر في ثلاثة احتمالات

***
(قبل ثلاثة أيام)

طرح تساؤله عن البوابات الزمنية في أحد صفحات الفيسبوك المهتمة بالظواهر العلمية الميتافيزيقية أو ما وراء الطبيعة، تلقى ردا من أحد الشباب وهو يعرض عليه تجربة لبوابة زمنية قد تؤدي الهدف من تساؤله ..
لم يصدقه بدءا لكن الشاب ضغط عليه وأرسل له مرارا وتكرارا لتجربة البوابة، “غريب أمر هذا الشاب الوسيم” قالها في نفسه وقرر أن يجرب فلعلها دجل على أية حال ..
” أين نلتقي إذاً ؟؟ ”
” أعطني عنوانك وأنا سآتي إليك .. المهم أن تكون الغرفة خالية تماما ”
وافق على طلب الشاب واتفقا على أن يلتقيا خلال ثلاثة أيام سينهي فيها بعض ارتباطاته ويحول سيولته النقدية لعملات ذهبية، من حسن الحظ أنه ليس متزوجا، قد يجد توأم روحه في ذلك الزمن الذي سينتقل إليه، ستكون جميلة جدا فذلك الزمن شهير بالحسناوات، يشعر بالحماس منذ الآن ..

(3)

” زمن السبعينات :
تألق آل باتشينو ودينيرو وموسيقى الروك وأنغام فيروز، زمان الطيبة والنقاء وبداية التلفزيون الملون ورومانسيات محمود ياسين ونجلاء فتحي وعباقرة الكوميديا عادل إمام وفؤاد المهندس وحسين عبدالرضا ومشقاص، أيام الكدش وسعيد غراب ودابو و سيارات الكاديلاك وبساطة مدينته وتقارب البيوت والحارات .. ”
اتسعت ابتسامته وهو يتخيل، مر اللقاء بسلاسة بينهما وهما الآن في منزله وفي أتم استعداده للرحيل من هذا الزمن الأغبر، احتار في الخيارين الباقيين، خياراته محدودة فإما أن يفكر أيضا في التسعينات والخمسينات أو الخمسينات والثلاثينات وللأسف لا يعرف عنها الكثير ولا يريد أن يتورط في زمن لا يناسبه ..
” الأقدم أفضل ”
استقر على الخمسينات والثلاثينات ، ستساوي عملاته الذهبية الكثير في تلك الحقب وسيصبح حتما من الأعيان والأثرياء ولكونه يعرف المستقبل فسيستغله أيما استغلال ..

أخبر الشاب الوسيم بخياراته فتألقت عينا الأخير جذلا، وخلال لحظات فتحت البوابات الثلاث ويا لهول ما رأى ..

(4)

” من هذه اللحظة لا يوجد تراجع، ولن تتحكم بالمكان أو التاريخ أو حتى الجنسية، ستنتقل للزمن الذي تريد بدون عودة، والثمن الذي سأقبضه هو فرق السنين الذي ستختاره ليضاف إلى عمري المديد ”
ضحك الشاب الوسيم بصخب وبدا وكأن عينيه تشتعلان ..
” لقد أضفت لي 40-80 عاما بحسب الزمن الذي ستنتقل إليه، حظا موفقا سوف تحتاج إليه ”
أُسقط في يديه وهو يرى البوابات الثلاث التي اختارها واعتصر قلبه ألما ..
البوابة الأولى في السبعينات :
يرى نفسه اسرائيليا في سيناء المحتلة في الجهة الأخرى من خط بارليف والمصريون البواسل يهجمون عليه وعلى رفاقه …
البوابة الثانية في الخمسينات :
يرى ذاته كوريا في تلك الحرب الدامية التي قسمتها لدولتين ..
البوابة الثالثة في الثلاثينات :
يرى أنه صار عضوا في الجبهة الشعبية التي قاتلت فرانكو في الحرب الأهلية الأسبانية ..
” هيا لا وقت لدي، اختر وانطلق، وإلا دفعتك بنفسي ”
ذرف دمعة يتحسر فيها على ذاته، قضم أظافره بتوتر ثم استجمع قواه وقرر أن يقاتل من أجل هذه الفرصة الأخيرة وذهب إلى زمن …………

3 thoughts on “زمن الطيبين …

  1. خطوآت ملكَةة ♚♔ كتب:

    استاذي وليد
    لا احب نهايات هكذا
    تجعلني افقد صوابي
    تجعلني اتشوق و اتحمس ل م تخبي في جعبتك من نهايات
    ب انتظارك 😊

  2. Sourman كتب:

    رائعة من روائعك ابو خالد ..
    اتوقع ذهب الى السبعينات … *ــ^

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s