صندوق …

FullSizeRender
(1)
مشى بتثاقل تجاه باب شقته المتواضعة، لا يوجد الكثير فيها لنصفه، أثاث مهتريء هنا وهناك، هو كما نطلق عليه بالعامية (مقطوع من شجرة)، فلا عائلة ولا زوجة ولا أصدقاء، شكله عادي كأي شخص قد تراه في الشارع ولا تميزه، يعمل في وظيفة عادية للغاية بأجرٍ شبه متدنٍ ويقضي جل أوقاته وحيدا، ربما هو انطوائي لكن رغما عنه فهو لا يملك أي مهارات اجتماعية في الواقع الفعلي، لكنه تغلب على ذلك العيب في الواقع الافتراضي باسمه المستعار ونقاشاته الصاخبة الساخنة وجرأته الفجّة ..
عندما سمع صوت جرس الباب لم يستوعب ذلك لعدة ثوانٍ، ترى من ذا الذي بالباب ؟! لا أحد يعرفه خارج مواقع التواصل باسمه الحقيقي والذي يخفيه حتى لا يصطدموا بشخصيته غير المميزة من وجهة نظره ..
فتح الباب بعد جهد وتردد، لا أحد هناك ..
ليس سوى صندوق كبير أشبه بالصناديق التي شاهدها صغيرا في أفلام القراصنة الكرتونية في دار الرعاية مثل جزيرة الكنز، لكن القفل الذي عليه غريب جدا ولا يوجد هناك مفتاح، دنا على ركبتيه ليرى إن كان يستطيع فتحه لكنه لم يستطع، رفع الصندق الذي يبدو أنه لا يحوي الكثير نظرا لخفة وزنه، لمح ظرفا تحت الصندوق فانحنى والتقطه بين اصبعين ودخل إلى شقته مجددا ..
حاول فتح الصندوق بلا فائدة، تذكر الظرف، وجد بداخله رسالة عليها صورة مفتاح قديم ..

هل هذه مزحة أو مقلب من أي نوع، هز كتفيه باستهتار وقرر أن يعود لعالمه الافتراضي وينشغل به إلى أن يأتي ذلك المفتاح المزعوم ليعرف قصة هذا الصندوق العجيب، لعل في صبره وانتظاره فرجا بثروة تنتظره بداخله ..

(2)
قضى أوقاتا ممتعة في الفترة الأخيرة مع صديقته الافتراضية (رونا)، تعلق بها كثيرا وبمداخلاتها الشقية الناعمة، يقضيان معا الساعات الطوال يتحدثان عن كل شيء تقريبا، هي ليست من دولته بل من قطرٍ مجاورٍ، يندب حظه بأنهما ليسا قريبين من بعض فهي تمتلك كل المواصفات التي يريدها في زوجة المستقبل، تفهمه كثيرا وألمحت له باستمرار بأنها تعرف أن وراء شخصيته الافتراضية الطاغية شخصية أخرى حنونة هادئة تحتاج فقط لمن يطلق العنان لها، هو ينكر هذا بالطبع لكنها تصر على ذلك حتى كاد يشك أنها تعرفه من صغره ..
فاجأته الليلة برغبتها في لقائه وجها لوجه، وافق على الفور وكاد أن يحكي لها قصة الصندوق الذي وجده عند عتبة بابه هذا اليوم، قرر بسرعة أن يؤجل إخبارها حتى يعرف على الأقل ما الذي بداخله حالما يُرسل إليه المفتاح ..
بحث عن أقرب حجز لمدينتها، سيأخذ إجازته السنوية التي تراكمت منذ ثلاثة أعوام وينطلق للقياها، يشعر بحماس شديد منذ الآن ..
(3)
انتهت إجازته بالأمس، ثلاثة أشهر قضاها في نعيم، زارها وزارته وانبهر بجمالها ورقتها وشخصيتها الجذابة وابتسامتها التي تخلب اللب  ووقع أسير روحها العذبة الطيبة الحنونة التي تعطر الأجواء وترسم الألوان أينما حلّت، هل هي جزاء صبره السنين الطوال على حاله البائس، صارحته بوحدتها وسعدت عندما علمت بأنه وحيد مثلها، فكر في الزواج منها لكنه خائف من صدودها، “ربما تريد صداقتي لا غير، يجب أن أصارحها بحبي قبل أن يفوت الأوان”، حدّث نفسه المترددة في اتخاذ أهم قرارات حياته ..
كانت ترفض المجيء معه لمنزله بحجة أنه لا يليق لهما الاجتماع قبل الزواج وهي تخاف على سمعتها وسمعته، هذا من حسن حظي فلا أودها أن ترى شقتي المتواضعة وأثاثي القديم، سيحاول جاهدا أن يأخذ مبلغا من المال من البنك بضمان راتبه ليبحث عن منزل آخر أو يجدد هذا المنزل ويشتري أثاثا جديدا، حتى الجدران تحتاج لإعادة دهان، وقع نظره على الصندوق الذي نسي أمره تماما، هل جاء المفتاح في فترة غيابه، بحث في بريده ولم يجد شيئا، لقد طال انتظاره، سيتخلص منه صباحا وهو ذاهب لعمله في أول يوم بعد عودته ..
(4)
استيقظ نشيطا على غير عادته، تجهز للخروج، حمل الصندوق معه وفتح الباب، استغرب حينما وجد ظرفا مشابها للظرف القديم عند بابه، وضع الصندوق على الأرض وفتح الظرف ليجده خاليا إلا من مفتاحٍ قديم يشبه الذي رآه في الصورة  ..
عاد في لهفة للداخل حاملا الصندوق والمفتاح، فتحه على عجل، يود بشدة معرفة ما بداخله كي يخبر (رونا) عن كل شيء ..
أحبط عندما لم يجد بداخله سوى كتاب يبدو بأنه جديد، يحمل عنوان (العشق القاتل – الجزء الرابع)، أوراقه ناصعة البياض ولا يوجد في الأمام والخلف أي إشارة لدار نشر أو مؤلف، فقط العنوان وتاريخ هذا العام، فتح أول صفحة ولا يوجد فيها سوى كلمة ( أنت … )، واصل قراءته السريعة لبداية الصفحة التي تحكي عن قصة (س) ذلك الغريب اليتيم الانطوائي الذي واجه صعوبة كبيرة في حياته وتذكر بعضا من المواقف المؤثرة، مهلا ؟!
ما هذا ؟! هل يتحدث هذا الكتاب عنه ؟!
أعاد القراءة من البداية على مهل، لا شك في ذلك !، هذا الكتاب يحكي قصة حياته، استمر في قراءته من فصل لفصل في فضول عجيب ليعرف نهاية هذا اللغز المحير، من ذا الذي يعرفه ليكتب عنه كل ذلك ، في منتصف الكتاب تبدأ قصة استلامه للصندوق !، وتتوالى أحداث تعارفه ولقاءاته مع (رونا) بأدق التفاصيل، قلبه ينبض بسرعة هائلة، هذا الكتاب يتحدث عن فترة وقعت أحداثها بعد أن وجد الصندوق أمام بابه ! كيف ؟! كيف عرف الكاتب كل هذه الأحداث وهي بالتأكيد وبدون أدنى جدال وقعت بعد أن كتبها ؟! كيف يعقل ذلك ؟! يكاد يجنّ وهو يقرأ وفي نفس الوقت لا يقدر على التوقف فالفضول يدفعه دفعا لمعرفة النهاية !
تستمر الأحداث في التسارع إلى ما قبل الفصل الأخير وبالتحديد الصفحة الأخيرة من هذا الفصل والتي تصف كل ما حصل له من البارحة إلى هذه اللحظة وتصف مشاعره وأفكاره وهو يقرأ الكتاب بعدما أخرجه من الصندوق ..
مد اصبعه المرتجف كي يقلب الصفحة ليقرأ الفصل الأخير فتفاجأ بأن الصفحات بيضاء ناصعة حتى من حرف واحد ..
(5)
اختلطت مشاعره بين ذهول ورعبٍ شديد تلك اللحظة، خطر على باله أولاً أن يحادث (رونا) عن هذا الحدث العجيب علّ روحه تطمئن وتهدأ، قام من كرسيه إلى غرفة نومه ..
انخلع قلبه من مكانه وهو يرى (رونا) تقف خلفه في انعكاس صورته في مرآة الصالة، التفت إليها مزلزل الفؤاد وكأن الأرض انشقت بداخله، أمالت رأسها إلى اليمين مع ابتسامة رقيقة أبانت غمازتيها الفاتنتين ووضعت يدها على كتفه فانتفض وكأنه وقع مبتلا عاريا في مولد للكهرباء ، اتسعت حدقتيه لأقصى حد شاعرا بأن دماغه يغلي وجسده فقد القدرة على التحرك، تلك الآلام التي تجتاحه لا وصف لها وكأنها من قعر الجحيم، راقب مصدوما عينيها الملتهبتين اللتان تبدوان جذلتين مستمتعين بهذا المنظر، نزف من أنفه وعينيه وفمه وأذنيه دما مختلطا بدماغه الذي ذاب من لمستها الرقيقة التي تحمل طاقة لا قبل لأي بشريٍ بها ..
سقط أرضا مسودّ الجبهة متغضن الوجه بلا حراك، مضت (رونا) بسلاسة تجاه الكتاب الذي ظهرت فيه الكلمات متسارعة تصف ما حدث آنفاً واختتمت (نهاية الجزء الرابع) ..
وضعت الكتاب في الصندوق وحملته مع مفتاحه، سمعت أثناء خروجها نغمة رسائل جوالها المميزة، رسالة من حبيبها الجديد الذي بدأ علاقته معها بالأمس، سيكون جزءا خامسا شيقاً ..
(تمت)

3 thoughts on “صندوق …

  1. zumurd كتب:

    ترى هل كان الصندوق ذاك هو نفسة التي أحكم الإغلاق في صندوق التواصل الإجتماعي … وينتظر معرفته نفسة عن طريقها …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s