تاريخ لم يدون بأيدي البشر 2


(1)

تأمل في إعجاب تلك القارورة المتوهجة في معملهم الذي قضوا فيه جل وقتهم في الأعوام الأخيرة، سأل معلمه في انبهار:

-سيدي، هل بإمكاني القول بأننا وصلنا للنتيجة التي كنت تحلم بها ..

ضحك معلمه في جذل وحبور وهو يقول:

-لا تأخذنك العجلة يا عزيزي، لا يزال أمامنا وقت للتجربة، لكن أستطيع وبكل فخر أن أقول لك أننا توصلنا أخيرا لفصل الجزيء الذي يفرقنا عنهم، كانت تجربة صعبة وطويلة لكنها السبيل للسلام معهم، تجبّرنا وتجبّروا وخالفنا أمر الله، يجب أن نتعلم التعايش معهم فالأرض بيتنا الكبير جميعا..

ابتسم التلميذ وأردف في شغف:

-لم أكن أتخيل أبدا أن نصل لهذه المرحلة، إنشاء هذا المعمل في حد ذاته، إقناعك للملك بأهمية هذه الخطوة وصرامته مع أتباع (عزازيل) الذين لا يريدون سوى التدمير والخراب والانتقام من ذلك الجنس الذي فضل علينا، أتذكر سعيك الحثيث وتقديم كل البراهين التي جعلت هذا الأمر ممكنا، حتى زملاؤك العلماء سخروا منك واتهموك بأنك تعبث مع الطبيعة وتخالف سنة الله في خلقه، لكن الحمدلله بعد دأب وتعب وصلنا للنتيجة المرجوة، سنتمكن أخيرا من السير في الأرض مجددا بأمان ..

أراح المعلم ظهره على الكرسي ونظر حوله في ذلك المعمل العجيب الذي يحوي تقنيات لا يحلم بها أي جنس على الأرض، لا ينكر أنه حصل على مساعدة من جنود الله سبحانه لكنه في الطريق لتحقيق هدفه ..

جمحت به الذكريات وهو يتذكر اللحظات الأولى في مشروعه العظيم، هذا المشروع الذي سيغير كل شيء ويعيد السلام للأرض ..
(2)

(لحظة الموافقة على إنشاء المعمل قبل عقد من الزمان)

تغضنت ملامح الملك بين ذهول وإعجاب وترقب بعدما انتهى المعلم الأول من سرد فكرته:

-أعد ما قلت مجددا، لم أستوعب حقا ما تريد قوله، واختصر في حديثك فعقلي لا يفهم هذه العلوم ..

اقترب المعلم منه واستأذنه بالجلوس بجانبه فأذن له:

-تعلم يا سيدي أننا جنسين مختلفين، ومنذ طرد أجدادنا الاوائل من ممالكنا في القارة الأم (بانجيا) إلى أقاصي الأرض وجزرها بعدها تباعدت القارات وانقرضت المخلوقات العظيمة، وكان من حسن حظنا أننا احتفظنا بالكثير من تراثنا وعلومنا الكونية، توصلت مؤخرا بعد البحث في المراجع والمخطوطات أن هناك جزيئا نادرا في تكويننا وجيناتنا، سيمكننا حينما نختلط بالبشر من التحول إلى شكلهم أو إلى أي شكل كان، لجأنا لأساليب مؤسفة واختطفنا العديد من البشر لدراستهم ويمكنني القول بأن هذا كان ضروريا، التضحية من أجل السلام ..

هم يملكون ذكورا وإناثا تركيبة عجيبة من الجزيئات في خلاياهم

فالأنثى تمتلك نوعا واحدا من 46 جزيئا تحوي كل أسرار البدن، والذكر يمتلك نفس الجزيئات ما عدا واحد مختلف، بينما نحن نملك الضعف عند إناثنا وذكورنا وذلك بسبب طبيعة خلقنا الهوائية والنارية، الجزيء النادر لدينا الذي لم نعرف أهميته في السابق ولنطلق عليه جزيء (ج)، سأستخلصه من خلايا المتبرعين لهذا المشروع وأدمجه مع جزيئات البشر وبعض الكائنات الأخرى، ولو ثبتت فاعليته سنستطيع حينها التحول لأي منهم حينما نريد، لكن لخطورة الأمر لن نجعل تلك الخاصية متاحة للجميع، فقط لمن نرى أنهم أهل لذلك، وسنسعى لاستغلالها في لقاء البشر ودعوتهم للسلام أخيرا بعد مبادرة سيدهم (شيت) مع جدك الملك الأكبر والتي أفشلها عزازيل وأتباعه ..

وافقه الملك والحكماء وباركوا موقفه وطموحه وبدأ في اتخاذ التدبيرات اللازمة للبدء في تجربته ..
(3)

أفاق من ذكرياته مع صوت تلميذه وهو يذكره بضرورة حفظ العينة في مكان آمن بعدما أثبتت فعاليتها قبل أن ينتشر خبرها في الآفاق ويحدث ما لم يكُ في الحسبان ..

دخل عليهم مبعوث الملك في هلع وهو يأمرهم بجمع كل احتياجاتهم والمغادرة فورا..

سألوه عن الخطب فبين لهم في عجل بأن غضب الله سبحانه حل على الأرض وسيأتي الطوفان ليغرق كل شيء ..

ارتبكا وهما لا يلويان على شيء، لا يوجد وقت لأخذ كل شيء، أخذ المعلم القنينة ووضعها في محقن وحقن نفسه وتلميذه والمبعوث بها :

-سأستخلصها منكم حالما نكون في سلام، وهي فرصة لتجربتها على الواقع أمام شعبنا، اتركوا كل شيء فالوقت أدركنا، حالما نخرج ستستطيعون التحول لأي هيئة ترغبونها ..

هرعوا إلى الشاطيء ليجدوا من تبقى من جنسهم يصارع الموج الهائل ولم تنفع مراكبهم بشيء وجزيرتهم على وشك الغرق، توجهوا مسرعين للقصر فوجدوا الملك والحكماء وعدد من سادتهم وعوائلهم من ذكور وإناث في بحيرة القصر في مركبة عجيبة من بقايا عصرهم الذهبي في الأرض..

سألهم المعلم إلى أين الرحيل فالعالم عمه الماء والفناء، رد عليه كبير الحكماء بأنه لم يتبق سوى مكان واحد آمن للتوجه إليه قد عاش فيه أجدادهم بعد معركتهم مع جنود الله سبحانه وعله يكون الملجأ الآمن..

ركبوا معهم ونالهم التوتر جميعا مع صخب الأمواج والأمطار الغزيرة التي انهمرت كالسيل حتى ودمرت سقف القصر المنيف، تفاعل التلميذ والمبعوث مع التوتر فتحولا لقط أسود وافعى سوداء وسط ذهول الجميع، ربط المعلم على جأشه وطمأنهم وأبان بأنه سيشرح كل شيء لاحقا في الطريق، وافقه الملك وأمر قائد المركبة بأن يتوجه بهم بعيدا عن سخط الله إلى ذلك الملاذ الأخير ..

(جوف الأرض)
***

4 thoughts on “تاريخ لم يدون بأيدي البشر 2

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s