أعجوبة …

IMG_9085

(1)

جلس قبيل الغروب في مكانه المعتاد في الحديقة بجانب المستشفى، تكاد أن تكون هي المكان الوحيد في المدينة الذي يحتوي هذا الكم من الأشجار وهو يريد أن ينهل من هذا الهواء المشبع بالأكسجين قدر استطاعته، تأمل في العصافير وهي تتنقل من غصين لغصين، لم يعد يرى الكثير منها، فالمدنية قضت على بيئاتها الطبيعية ويخاف أن تكون هذه الحديقة مقرا مستقبليا لتوسعة المستشفى أو الطريق وتذهب الأشجار العتيقة معها..

سمع النحيب الخافت فالتفت على يمينه، امرأة في منتصف عمرها تبكي بحرقة وتكتم صوتها كي لا ينتبه لها أحد، تردد في سؤالها عما يبكيها، خاف أن تتهمه بالتحرش أو ما شابه، بعد تردد بسيط توجه بهدوء إليها وناولها منديلا، تناولته في امتنان وشكرته واعتذرت على إزعاجه ببكائها الصامت، عرض عليها المساعدة، ترددت لوهلة ثم حكت له القصة ..

****

” ولدي الوحيد مصاب بسرطان في الدم، أعصابي تلفت وقلبي لم يعد أهلا لتلقي الصدمات، توفي عني زوجي قبل عامين بذات المرض ولم أتوقع أنه ورثه لولدنا، لا يزال صغيرا على هذا العذاب ولم يتجاوز التاسعة من عمره بعد، تعبت من هذا الوضع ووظيفتي البسيطة لم تعد تفي بمتطلبات الحياة والأدوية ولكن أحمد الله على كل حال..

قال لي الطبيب اليوم أن الحالة تدهورت، هناك حل لكنه مكلف وغير قانوني، دواء عشبي نادر يوجد في الجبل القريب منا، قد يكون حلا يخفف من معاناته قياسا على حالات سابقة حسب ما قال الطبيب، لكن لا يعرف مكان تلك العشبة سوى شيخ مشهور في ذلك الجبل يبيعها بأسعار خيالية، تحميه قبيلته من أي ضغوطات وتدخلات حكومية، ولا يوجد لدي وسيلة تنقلني إليه ولا مال أقدمه له من أجل هذا الدواء، خرجت هنا في الحديقة وشكوت همي لله وبكيت وألحيت في الدعاء لعل الله يسخر لي من يجلب هذا الدواء لي..”

****

-سأحضره لك غدا..

قال لها ذلك ومضى في سبيله، وهي لا تدري أتلهج بالشكر والحمد لله على وجود هذا الشاب وسعيه لمساعدتهم، أم تندم لأنها أقحمته في محنتها، هل سيساعدها حقا أم هو مجرد مدع يتسلى بمعاناتهم، رفعت يديها المهتزتين من آلام أعصابها الى السماء تناجي وتبتهل..

(2)

قابلها صباحا في المستشفى عند غرفة ابنها ومعه (العشبة) مطحونة، أخبر الطبيب بأن الشيخ يلقي عليه التحية ويوصيه بخلطها بالماء المغلى وأن يشربها الطفل على الفور..

أقفلوا الباب تحسبا لمرور أي مسؤول قد يثير الضجة جراء استخدامه للدواء في منشأة حكومية، الدواء كان ولا يزال تحت الدراسة ولم يصرح لأحد باستخدامه بعد..

تناول الطفل الكوب وتجرعه على مضض، أخذت الممرضة عينة من دمه لتحليلها، وحين عادت بالنتيجة قرر الطبيب أن الطفل يحتاج عاجلا لنقل دم وبعدها سيتم إجراء تحليل آخر للدم وطلب من الأم أن تبحث عن متبرعين..

تبرع الشاب والأم بذلك، رفض الطبيب أن تتبرع الأم نظرا لصحتها المتهالكة وطلب متبرعا آخر مع الشاب، أفاده الشاب بأنه لا يمانع بأخذ كل الكمية اللازمة من دمه..

بعد سويعات، جاء الطبيب ومعه طاقم المستشفى مبتهجين، تحليل الدم الأخير يفيد بأن المرض في تراجع، لقد نجح تأثير الدواء الأعجوبة، وسيرفع تقريرا للمستشفى بذلك حتى يخاطبوا الوزارة ويفاوضون الشيخ لتتم دراسة العشبة رسميا هذه المرة واستخلاص المواد الفاعلة منها لعلاج حالات السرطان المستعصية..

هطلت دموعها فرحة والتفتت للشاب لتشكره على جلبه للعشبة وإنقاذ حياة طفلها..

لكنها لم تجد له أثرا، ربما غادر مستعجلا أو هو مرهق بسبب تبرعه بالدم، دعت من قلبها له ولطفلها وشكرت الله على نعمه وفضله..

(3)

أخذ نفسا عميقا من ذلك الهواء المشبع بالأكسجين النقي وهو جالس قبيل غروب هذا اليوم في مقعده الأثير في الحديقة، ابتسم في امتنان وهو يتطلع إلى السماء حامدا الله على أن جعله سببا في شفاء هذا الطفل..

راجع ذكرياته عن هذا اليوم وكيف أنه جذب بعضا من اعشاب الحديقة وطحنها في منزله بالمطحنة الكهربائية وأضاف عليها بعضا من النعناع لتلطيف طعمها..

لم يتوجه مطلقا للقاء ذلك الشيخ، ولا العشبة هي التي كان يقصدها الطبيب ..

ماذا لو اكتشفوا أن دمه هو الأعجوبة، وهو الذي حمل معه الشفاء لذلك الطفل، هذا السر ينبغى ألا يعرف به البشر، سيحولونه إلى حقل للتجارب وقد يتمادون لسحب دمه بالكامل من أجل بيعه للمحتاجين المقتدرين..

****

 

One thought on “أعجوبة …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s