مثقف/ناشط اجتماعي

indhex

(1)

عدل ياقة تيشيرت (البولو) الأسود أمام المرآة، تأمل قليلا في مظهره، أنيق بالفعل، كان قراره صائبا باختيار (اللوك) المكون أيضا من (جينز) أزرق و(نظارة) لا يحتاجها فنظره سليم لكنه لبسها (لزوم) اكتمال (البرستيج)، يشبه كما يعتقد ذلك الرجل الذي اخترع (الآيفون)، ستيف، ستيف، آآ ستيف جيتس ربما، لا يتذكر اسمه تماما، لكنه يحمل نفس (اللوك) والنظرات العبقرية..

آن الأوان ليشرق ويزدهر ويرى اسمه في المحافل تماما كغيره من الأصدقاء في مواقع التواصل التي قضى فيها جل وقته في السنتين الأخيرة رغم أن اسمه مستعار ومعظم مشاركاته وردوده لم تتعد (يسلمو) و (أهنيك) و(اسلخ لايك)..

لكنه قرأ كثيرا وطور نفسه وتثقف وأعد لهذا اليوم بعناية، سيعلن اليوم عن شخصه للأصدقاء بعدما عرف أن هناك خمسة مناسبات مختلفة ستقام في هذا اليوم، سيحضرها جميعا ويثبت للكل أنه مثقف/ناشط اجتماعي بارز كغيره، وسيدعونه مرارا لدوائرهم العامة والخاصة وسيشتهر و و ..

يكفي أحلاما حتى هذه اللحظة فليحولها لواقع رائع يضفي على حياته المملة طابعا جديدا يعوضه عما فاته، فلا شيء في حياته يذكر سوى جلسات البلوت ومباريات الدوري ووظيفته العادية في الأرشيف في أحد الدوائر الحكومية لكن كل ذلك سيتغير قريبا، فلقد قرر أيضا أن يكمل دراسته في الجامعة بنظام الانتساب، يقول زميله أنها سهلة ويعطون معدلات عالية للجميع..

ركب سيارته الاقتصادية وراجع أجندته، عمل تطوعي في الكورنيش ثم حضور حملة مجتمعية في المول في فترة العصر ثم يتوجه للنادي الأدبي لحضور جلسة أدبية مع أحد الشعراء المعروفين وبعدها معرض الفنون البصرية في جمعية الثقافة وأخيرا جلسة في المقهى مع صديق افتراضي وعده بتعريفه على مجموعة من كتاب الرأي..

(2)

توجه لمحطته الأولى، هناك العديد من المشاركين، ساعدهم قليلا ثم تعب، هي أول مشاركة تطوعية له على الإطلاق، متعب هذا (التطوع)، ألم يجدوا عمالا كافين ليقوموا بهذا العمل عنهم، آلمه ظهره من فرط الانحناء واكتئب من حرارة الجو، قرر أن هذا كافٍ وعليه المغادرة بعد أخذ صورة أو صورتين مع المنظمين إثباتا لوجوده، رأى تلك الشخصية المشهورة في مواقع التواصل، ذهب إليه بابتسامة عريضة وطلب أن يتصور معه (سيلفي)، رحب بذلك والتقط الصورة ..

-متابعك من فترة طويلة وسعيد بلقائك أستاذ

-أنا أسعد، شكرا لك

-هل عرفتني

-امممم في الحقيقة لا

-أنا (القلم الصامد) صديقك في الفيسبوك

-أهلا أهلا.. أخبارك وأخبار الأهل والأولاد

-الحمدلله بخير (أي أهل وأولاد يقصد، أنا لست متزوجا)

سادت دقيقة من الصمت بينهما، استأذن ليلحق موعد الحملة في المول، ابتسم الصديق المشهور وقال له:

-فرصة سعيدة صديقي (القلم الصاعد)..

غادر مستاءا، من هذا (القلم الصاعد) اسمه هو (القلم الصامد) من (الصمدان) في وجه الأشياء وكذا، لكن اسم (القلم الصاعد) جميل أيضا، ربما يغيره كتمهيد لظهوره ك(مثقف/ناشط اجتماعي)، اجتمعوا لأجل التقاط صورة جماعية، عجل الخطى ليلحق بالصورة فتعثر في (بلاطة) ناتئة أمامهم، التقطت الصورة أثناء سقوطه وضحكات الحاضرين..

سمعهم يتهامسون ويتساءلون عنه بتعجب واستهزاء، قام ونفض بنطاله والتيشيرت وعدل وضع النظارة وأسرع إلى سيارته بدون أن يتحدث إلى أحد..

(3)

وصل لمواقف المول، نفض هندامه مجددا من بقايا الأتربة وأعاد تسريح شعره الخفيف، حاول الدخول للمول فمنعه الحارس..

-اليوم مخصص للعوائل

-ولكني هنا من أجل الحملة

-عوائل لو سمحت، لا تُضِع وقتي

غافل الحارس ودخل المول أثناء شجاره مع مجموعة من الشباب (الكول)، يالهم من مستهترين، لماذا لا يحترمون خصوصية العائلات، وجد أمامه ثلاث فتيات يلتقطن مقاطع وصور بال(سناب شات)، استجمع جرأته واقترب منهن وسأل أقرب فتاة له:

-لو سمحتِ، أريد موقع حملة التوعية بسرطان الشعيرات الأنفية

-سرطان ماذا ( وتعالت الضحكات الصاخبة)

وجهن كاميرات هواتفهن عليه، وسألته مجددا وهي تكتم ضحكتها:

-أنت هنا من أجل ماذا..

-أنا مثقف/ناشط اجتماعي حضرت هنا من أجل حملة التوعية بسرطان الشعيرات الأنفية

تعالت ضحكاتهن مجددا، أجابته بصعوبة وعيناها مغرورقتان بالدموع من شدة الضحك:

-تقصد حملة التوعية بتصلب الشعيرات الدموية

أحس بالحرج فتراجع قليلا، لقد صورنه وقريبا سينتشر هذا الموقف في كل مواقع التواصل، يا للفضيحة، لماذا لم يتأكد من اسم الحملة قبل القدوم، خرج من البوابة فرمقه الحارس بنظرة احتقار، ورأى الشباب (الكول) يتفاوضون مع بعض الفتيات لإدخالهم بمقابل، هز رأسه أسفا على حالهم، يأمل أن ينتهي هذا اليوم على خير فلا يزال لديه ثلاث مناسبات مهمة سيغير فيها حتما الصورة التي يرجوها عن ذاته كمثقف/ناشط اجتماعي

(4)

لم يجد سوى سيارات قليلة في مواقف النادي الأدبي، هل غيروا الموعد أم ماذا، دخل فاستقبله طفل وأعطاه ورقة فيها نص أدبي وأشار له بدخول صالة الاجتماعات، هناك مجموعة من المهتمين حول الشاعر لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين، سلم عليهم فلم يرد أحد بل نظروا له بغير اهتمام، سحب أقرب كرسي له ووضع النص أمامه وقرأه على عجل عله يلحق بالشاعر الذي يقرأ بانفعال وعُجب بالغ..

انتهي الشاعر من سرد النص، هزوا رؤوسهم إعجابا، أتاح لهم الفرصة للأسئلة، رفع يده بسرعة فأشار له الشاعر ليلقي استفساره:

-أستاذنا وشاعرنا العظيم، أنا أحد متابعيك في الفيسبوك والتويتر و .. (قاطعه احد الحضور بالدخول مباشرة في السؤال)

سؤالي لو سمحت، ذكرت في بداية النص (واعشبشبت السماء)، ماذا تقصد هنا ؟!

-تقصد اعشوشبت السماء، هنا أقصد آ آ يعني آ كما تعرف استخدمت تقنية ما وراء النص، يجب أن ترى ما وراء النص لتفهم..

أمسك بالورقة ونظر خلفها فلم يرَ سوى صفحة بيضاء، لا يوجد شيء وراء النص، ترى ماذا يقصد..

نظر الكل إليه بازدراء، تضاعفت عقدة النقص لديه، استأذن للذهاب إلى دورة المياه، ولم يعد مجددا للقاعة..

(5)

 تفاءل بالازدحام الذي رآه في ملتقى الفنون، دخل صالة العرض، هناك عدة لوحات متناثرة، تأملها يمنة ويسرة، هل علقوها بالشكل الصحيح أم هي مقلوبة، خجل من السؤال، أين ذهبت أيام رسم سلات الفواكه ومناظر غروب الشمس، هل يسمون هذا فنّاً، سمع بعض الفنانين يتناقشون المدارس التكعيبية والتجريدية والتعبيرية، ما هذه المسميات، عهده بها أنها تسمى الابتدائية والمتوسطة والثانوية، هل تغير الحال، تطور العالم والتعليم من حوله وهو يرزح في جهله..

دخل القاعة الأخرى وهم يتدربون على فن التصوير، أعجبه جدا ما يرى حتى سمعهم يتحدثون عن الأسعار الخيالية للكاميرات فانسحب في هدوء..

وصل للقاعة الثالثة، رفعت إحداهن صوتها عليه:

-ارجع أيها المنحرف، هنا للنساء فقط

خاف من ردة فعلها، وما أدراه أنها للنساء، لا يوجد لوحة أو تحذير على الباب، انتهى وقت المعرض، عاد لسيارته متحسرا على ضياع وقته ويومه، ربما أنه يحتاج للمزيد من الاحتكاك والحضور ليُكسب شخصيته إطاراً معروفا كمثقف/ناشط اجتماعي..

لم يتبق سوى المقهى، تدخين حجر المعسل سيريحه أعصابه المتوترة هذا اليوم، سيطلب معسل (تفاحتين)، ضحك في داخله وهو يقارن اسم المعسل بالشخصية التي يقلدها اليوم في ملابسه، صاحب شركة (الاتصالات) الشهيرة التي اخترعت الآيفون..

(6)

بعد مراسلات على (الخاص) عرف مكان صديقه في المقهى، جلس وطلب المعسل وقارورة ماء، عرفّه صديقه على الحاضرين، سلّم عليهم بحرارة، استمع لنقاشاتهم عن الأحداث الأخيرة، فاجأه أحدهم بسؤاله:

-ماذا تقول في أحداث التفجير الأخيرة ؟!

(ماذا يقول ؟! أي تفجيرات يقصد ؟!)

-شيء مؤسف حقاً

-مؤسف؟! ألا ترى أنهم استحقوا هذا المصير؟!

-نعم نعم يستحقون

رد أحدهم عليه بحدة:

-كيف يستحقون، هل أنت داعشي متخف ؟!

-لا لا أنا لست كذلك ؟! من هم الداعشي هؤلاء؟!

-لا تعرف الدواعش، هل أنت معنا في هذا العالم؟! الإرهابيين لا تعرفهم..

-أها، تقصد (المطاوعة) المتوحشين، مالهم حق أبدا يفجرون، هم فجروا ماذا بالضبط..

التفت كلاهما لصديقه وهم يسخران من كونه يصاحب عقلية منغلقة جاهلة مثله..

سحب (سحبة) طويلة من أنفاس (المعسل) ل(يحلل) القيمة العالية التي دفعها، بينما وجد البقية موضوعا آخر ليتناحروا فيه وتتعالى أصوات نقاشهم وسط أجواء الدخان الكثيفة..

استأذنهم بعدها فأومأوا رؤوسهم بلا اكتراث..

عاد يجر أذيال الخيبة لمنزله..

(7)

سلم على والديه في تجهم وتعذر بكونه يعاني من صداع، توجه لغرفته، فتح دولابه، لم يعد هناك المزيد من الأقنعة ليرتديها، خلع ذاته، واستلقى على فراشه، ونام ..

3 thoughts on “مثقف/ناشط اجتماعي

  1. Farstar كتب:

    عن جد هذا حال كثير من الناس اليوم..
    عجبتني جدا بس كأنك تصف انسان تعرفه و موجود ولا 😁

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s