حياة …

IMG_9440

تلاقت أنظارهم في الطريق، أربعتهم مختلفون كألوان الطيف ومتشابهون كحبات الرمل، لم يجدوا لذلك تفسيرا يشبع فضولهم، الطفل يلعب ويمرح ويردد أغنياتٍ عن حنان أمه، المراهق متمرد ومتذمر ومتململ كصخب قطارٍ بخاري، الشاب يبحث عن ذاته فهو دائم التساؤل والمبادرة والخيبات والأمنيات، الرجل في شرود تام وإطلالةٍ تنم عن معاناة من أزمة منتصف العمر..

يمشون الهوينا فيقفون تارة ثم ينطلقون تارة أخرى، يتحدثون في وقت واحد فلا يسمع أحدهم ما يقول الآخر، يبحثون عن شيء لكن لا يدرون ماهو، كثرت تساؤلاتهم ..

أين نحن ؟! ما الذي جمعنا هنا ؟!

صادفوا عجوزاً متوكئاً عصاه فألقوا عليه التحية فاستوقفهم، سألهم عن غايتهم فتلاقت أنظارهم مجددا..

المراهق يعرف الطفل ولكنه لا يعلم أين رآه من قبل، شعور متبادل أيضا بين الشاب والرجل معهم، والعجوز يبتسم بغموض وهو يراقبهم بتأنٍ، خمستهم مختلفون كحروف الأبجدية ومتشابهون كسنابل القمح، نرى فيك الحكمة أيها الشيخ الكبير ؟! فهل تعرف أيها الحكيم أين نحن وما الذي جمعنا هنا ؟!

****

نعم أعرف ..

فوجئوا بإجابته المباشرة، طلبوا تفصيلا أكثر فاشترط عليهم:

سأحكي لكم، لكن لنتعاهد سوية على أمرين..

أولاهما ألا يعرف بكم قبل الإيذان لكم بالخروج..

وثانيهما ألا يتدخل أحدكم في شؤون الآخرين..

اتفقوا على ذلك وتعاهدوا، فهم يبحثون عن الحقيقة التي يفهمون كنه وجودهم منها، متشابهون كأسنان المشط هم ومختلفون كالسُدُم الهائلة..

  • نحن وكما لاحظتم، نفس الشخص، في مراحل عمرية مختلفة، عشنا الحياة كاملة واختبرناها قبل أن نعيشها حقيقةً وواقعاً، عشناها في علم الله، كنا كيانا واحدا يوم قلناها إيجابا لله سبحانه : بلى أنت خالقنا، نفخنا مع الروح الأزلية هنا وتفرقنا..

قربهم منه وعانقهم:

  • روح الطفولة، عنفوان المراهق، طموح الشباب، اتزان الرجال، حكمة الشيوخ، هذا نحن، لم يتبق المزيد من الوقت، تذكروا شروطي ووصاياي وتذكروا من أنتم، أنتم الفطرة في أبهى صورها، أعينوه ما استطعتم ..

****

توجهوا على عجل نحو بقعة أشار بها عليهم العجوز الحكيم، متشابهون هم كقلوب العاشقين ومختلفون كنوتات الموسيقى، ذلفوا إلى اللاواعي، تعانقوا للمرة الأخيرة وتلاقت ابتساماتهم هذه المرة..

انطلقت أثناء ذلك الصرخة الأولى للمولود الجديد، يشبههم كثيرا، ولا غرابة فهم هو وهو هم..

متشابهون كعيون الفاتنات ورائعون كروعة من صورهم في أحسن تقويم ..

*****

في داخل كل منا

طفلٌ

يتوق إلى حنان وارف

ومراهقٌ

يتمرد لأتفه الأسباب

وشابٌ

يتلمس خطاه نحو أهدافه

ورجلٌ

أنهكته المسؤولية والخيبات

وكهلٌ في ريعانه 

يرى الدنيا 

بأعينٍ أكبر منه

فيقدم خطوة 

ويتراجع أخرى

وشيخ حكيم 

يقودهم بعصا الحزم

فيعطي الفرصة لهم 

للظهور والتحكم 

لبرهة من الوقت 

ويتولى النقاش عنهم 

مع اللاواعي 

ويتحمل عنهم جميعا 

وخزات الضمير 

كي نصل للمنبع

الذي انبثقت منه الحياة

****

2 thoughts on “حياة …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s