التعليم .. المهنة الرائعة والوظيفة المملة ..

12605011-teaching-and-education-concept-in-tag-cloud-on-white-background

لم يدر بخلدي أن أصبح معلماً يوماً ما، كانت أحلامي موجهة لمسارٍ آخر، ما كتبه لي ربي خير، أتتني الفرصة للالتحاق بالسلك التعليمي ووجدتها فرصة لممارسة هواياتي المحببة في النشاط والكشافة والتدريب، وعلى مدار 15 عاما في هذه المهنة الجميلة استمتعت أيما استمتاع، متعة القراءة وتجهيز المادة والثقافة التي اكتسبتها من الشرح والتطوير والتدريب والمشاركات التربوية.. لكن للأسف اصطدمت بالواقع الوظيفي المرير للمعلم، فكانت الفكرة التي حيرتني وأردت الكتابة عنها، لماذا تعتبر وظيفة المعلم (مهنة) رائعة وممتعة ؟! وفي نفس الوقت هي (وظيفة) مملة جداً..

وحتى نفرق قليلا بين المصطلحين، فالمهنة هي التخصص والإطار الذي يعرفنا الناس به مثل مهنة الطب والهندسة والتعليم والتخصصات البحتة العلمية والعسكرية والاجتماعية واليدوية، أما الوظيفة فليست مهنة وبإمكان أي شخص بقليل من الإمكانيات أن يقوم بها، الأعمال الإدارية الروتينية مثلا..

للتوضيح أكثر، أنا كمعلم أستمتع باليوم الدراسي، حينما أشرح درس اللغة الانجليزية للطلاب، أعلمهم الكلمات الجديدة المطلوبة منهم لهذا اليوم، ومستخدما استراتيجات التدريس كالتعلم التعاوني وتبادل الأدوار ومهارات التفكير، نأخذ بعدها أمثلة وقصص ومقاطع فيديو قصيرة وألعاب، نتناقش ونتحاور ويمر الوقت سريعا داخل الفصل الدراسي فنودع بعضنا على أن نلتقي في الغد، نقوم بأنشطة داخل المدرسة كالمسرحيات والمجلات والأندية الطلابية وخارج المدرسة في الزيارات والرحلات وكلها تعزز قيم الانتماء والمواطنة والتعلم، يرى الطالب فينا الأب والأخ والموجّه، ومن فترة لأخرى تتم دعوتنا لحضور برامج مشتركة مع المدارس الأخرى أو برامج تدريبية تثرينا وتنعشنا، ونقابل طلابنا بعدما يتخرجون ونرى الامتنان والحب في أعينهم، ومدى التاثير الذي زرعناه في قلوبهم ..

لكني في الجهة المقابلة أكره معاملتي كموظف، التركيز المبالغ فيه في الحضور والانصراف، الامتيازات الوظيفية المعدومة، تحديد الإجازات في أوقات معينة على مدار العام، أكوام الورق المملة في الأداء الوظيفي والمساءلات والتحضير النمطي المستهلك، أوقات الحصص الثابتة ب 45 دقيقة والتي لم تتغير من تأسيس الدولة السعودية والتي تعامل بها حصة الرياضيات وحصة المكتبة على سبيل المثال، التعامل الفج والعقيم من إدارات التعليم مع المعلم وعدم تقدير جهوده، وإن قدروها لم تتجاوز ورقة تحفظها في ملفاتك وتغيب هناك للأبد، الالتزام العجيب بالدوام في الأوقات الميتة في الإجازات والحضور للمدرسة فقط للتوقيع ثم العودة للمنزل بدلا من إشغالنا بالدورات المفيدة مهنيا وتربويا..

هذا الواقع المؤلم الذي جعل نظرة المجتمع تتغير إلى المعلمين فتحولوا لموظفين، يهمهم الراتب نهاية الشهر، والحضور والمغادرة حسب النظام، والالتزام بالروتين الوظيفي القاتل، مما انعكس على أدائهم داخل الفصل مع الطلاب، فأصبحت كما يقول أحد الأصدقاء تعليقا على تذمر الطلاب والمعلمين من الواقع التعليمي والبيئة المدرسية، (المفترض أن المدرسة تحمي الطالب من السجن، لكنها صارت هي السجن) ..

حتى نغير الواقع التعليمي علينا أن نعيد للتعليم متعته، واعتماد المرونة في أوقات الدوام والحصص والبيئة المدرسية وتوفير الاحتياجات للمعلمين والإمكانات وتفعيل التقنية والمكتبات للتحول للمجتمع المعرفي، والتخفيف من صرامة وروتين الأنظمة القاتلة، فنحن نعمل في مهنة (معلم) لا وظيفة (معلم)..

(نشر المقال في صحيفة النوار الالكترونية بتاريخ 3 / 2 / 2016)
http://www.nawarnet.com/?p=20102

One thought on “التعليم .. المهنة الرائعة والوظيفة المملة ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s