تجربة …

IMG_1698
(1)

اجتمع ثلاثتهم عليه، أوسعوه ضربا، أمسكوه من تلابيبه وجرّوه لأقرب كرسي، كان يهمس لهم في صعوبة ويطلب الرحمة، تبادلوا النظرات فتراجعوا قليلا، فتح عينيه المتورمتين بصعوبة وأردف قائلا:

هل تدركون عواقب ما فعلتم ؟!

تبادلوا النظرات الحائرة مجددا، عزموا أمرهم وردوا في آن واحد:

نعم، مللنا وتعبنا من هذا الوضع، لم تترك لنا خيارا آخر، لا بد أن تموت..

ارتفع حاجباي من الدهشة والخوف، كنت أراقبهم عن بعد، لم أكن أتوقع أن تصل الأمور لهذا الحد..

(2)

عندما توصل (ماجد) لاكتشافه العظيم قبل عدة سنوات، قرر أن العالم ليس مستعدا لمشاركته فوائد اكتشافه، سيضطرب الأمن ويستغل المرتزقة ذلك، يجب أن يخفيه عن أعين الناس قدر المستطاع، قرر أن يطبقه على نفسه أولا ليرى النتيجة ..

كان الهدف الأولي من تجاربه، توفير أعضاء بديلة وخلايا جذعية للمرضى الذين يعانون من السرطان وفشل الأعضاء، توصل للتركيبة السحرية للاستنساخ والتي تمكنه من صنع نسخة مطابقة تماما للأصل حتى في الذكريات والمشاعر، كان العمل مضنيا ومرهقا، لذلك عز عليه أن ينشر أبحاثه خصوصا في المحافل الغربية، من يدري ؟! لعلهم يغتالونه أو يسرقون جهوده، فالتطبيقات اللامتناهية لاكتشافه ستجعله محط الأنظار، شركات الأدوية لن تسمح له لأنه سيكلفها أموالا طائلة حينما يستغني الناس عن الأدوية ويكتفون بالاستنساخ، أضف لذلك أن الكوكب في الأصل يئن من وطأة مليارات البشر، فكيف لو استنسخنا المزيد منهم ؟!

أعلن لشركته وزملائه عن فشل تجاربه وأنه قرر الانسحاب، أخذ كل ملفاته المتعلقة وأحرقها كيلا يستفيد منها أحد، وغادر بعد تصفية حقوقه وشراكاته لجهة غير معلومة تاركا عائلته وأصدقائه وعالمه بالكامل..

(3)

عاد بعد عامين لبلده، استغرب الجميع عودته بهذه الروح والحماسة، سحرهم بسعة أفقه وعلمه الغزير وسماحة خلقه، كان هو الرجل المثالي في أعين الكثير بلا جدال، فعلاقته مع عائلته وأولاده كانت في أوجها، ومع طلابه أيضا في الجامعة حيث كانوا يتسابقون لموعد محاضرته، وحرِص المسؤولون على استقباله في كل المحافل وحاولوا إقناعه مرارا لأن يدخل من ضمن النخبة ويرشح نفسه في الانتخابات المقبلة، استحق لقب نجم ومحبوب البلد بلا منازع..

مر عام كامل منذ أن رجع، التقوا في ذلك المنزل الصغير في أطراف المدينة، حيث لا يوجد جيران بجانبهم تقريبا عدا بعض المزارع المتناثرة هنا وهناك..

بدا الإرهاق والوجوم ظاهرا عليهم، اتفقوا على أن يواجهوا (ماجد) فهذا الوضع لا يطاق أبدا..

قال أحدهم:

سئمت حتى من أشكالكم وذكرياتكم، عليك أنت أن تكف عن مغازلة طالباتك، وأنت عليك أن تكف عن نفاق المسؤولين..

ردوا عليه:

ماذا عنك ؟! تنام هانئا كل ليلة ونحن ليس لنا سوى الخيال؟!

حتى خلافاتك البسيطة مع الزوجة والأولاد تضرب عقولنا في لحظات الاستمتاع..

قال لهم:

لماذا لا نتبادل الأماكن إذاً ؟! لنجرب لستة أشهر ؟! كل شهرين من نصيب أحدنا ؟! العائلة والعمل والمجتمع، ثم نرى بعدها ماذا نقرر حتى نستطيع مواجهة (ماجد)، لكني لا أفهم لماذا لا نرى ذكرياته الحديثة من بعد افتراقنا؟!

كل ما في عقولنا هو حياته السابقة إضافة لما نصنعه حاليا من ذكريات بيننا؟!

هل يرى هو أيضا ذلك؟! لأني أشعر به أحيانا يراقبنا و يجبرنا على عدم الانسحاب ؟!

نظروا جميعا للأرض في صمت ثم افترقوا..

(4)

عادوا لنفس المكان بعد ستة أشهر، تردت نفسياتهم وتعبوا من هذا الازدواج في الشخصيات والمهام، وصلوا بجهود جبارة للقمة في علاقاتهم بالعائلة والجامعة والمجتمع، لكنهم منهكين جدا ويريدون حلا، التنسيق بينهم بالتخاطر حتى لا يجتمعون في مكان واحد جعل من مهامهم شبه مستحيلة، من الصعب للغاية أن يعيش ثلاثتهم في مكان واحد من دون أن يلتقوا ولو بالصدفة، بذلوا كل مافي وسعهم لإنجاح ذلك، كان ينزفون أحيانا من آذانهم وأنوفهم من شدة الضغط العصبي، هل لهذا الحال من نهاية، لمعت فكرة عبقرية في أذهانهم..

لا بد من التخلص من (ماجد)..

لو قتلناه سنموت تلقائيا معاه ونرتاح من هذا الوضع، يجب عليه أن يواجب عواقب ما صنع..

قام ثلاثتهم بحماس ووضعوا خطتهم المحكمة كي يتخلصوا منه..

(5)

خلال الأعوام الأخيرة، مكث (ماجد) في جزيرته الخاصة التي اشتراها بعدما صفى حقوقه وشراكاته في عمله السابق، اختفاؤه كان حديث المجتمع العلمي خاصة أن أبحاثه الأولية درت عليه المليارات، عودته للمجتمع كانت محسوبة ومخطط لها وجعلت منه نجما لا يجارى في مجتمعه..

لكن الحقيقة أنه لم يعد أصلا..

بل واصل أبحاثه عن الاستنساخ في سرية بالغة في الجزيرة، وصنع ثلاثة مستنسخين منه يحملون كل ذكرياته وعلمه وأمر كل فرد منهم بممارسة مهام محددة، أحدهم للعائلة وآخر للتدريس في الجامعة التي تخرج منها والثالث لأن يكون نجما مجتمعيا كما كان يحلم في صغره..

تفرغ بعدها في الجزيرة للاستمتاع وممارسة السباحة والرياضة وقراءة الكتب ومشاهدة الأفلام والعيش في جنة حقيقية..

كان يعلم أنهم سيعودون يوما ما، لكنه كان مستعدا لهذه اللحظة، الموت وهو في القمة، كرجل عائلة وكرجل علم وكرجل مجتمع، مستمتعا بلحظاته الأخيرة في الحياة في الجزيرة..

استقبلهم في حماس، استقبلوه في توجس وبدأوا في تطبيق ما اتفقوا عليه مباشرة..

(6)

لم يتوقع منهم كل هذا العنف، سألهم مجددا ؟!

هل تتحملون العواقب ؟!

نظروا إليه بنظرات تحمل كل حقد العالم وتعبه وشروره، لا سبيل للراحة إلا برحيله ورحيلهم معه..

أطبق أحدهم على رقبته والآخر يكمم فمه وأنفه وأمسك الثالث بقدميه كي لا يتحرك، يا لها من وسيلة بشعة للموت..

لفظ أنفاسه الأخيرة، ومعها أنفاسهم، تكوم أربعتهم في غرفة المعيشة، أذهلني هذا العنف منهم ولحسن حظي لم ينتبه أحدهم لوجودي خلف الكرسي في الحديقة..

رؤيتهم بهذا الشكل أحزنتني لضياع نتيجة أعوامٍ من البحث والتجارب، كيف لو علموا بأنهم لم يقتلونني بل قتلوا المستنسخ الأول مني أنا ..

غرست في عقولهم الباطنة بأن التخلص من (ماجد) يعني موتهم معه، وغرست في عقل المستنسخ الأول بأنه هو الأصل (ماجد)، وعشت أراقب التجربة من بعيد لأرى تبعاتها..

كان قراري صائبا بعدم مشاركة هذا الاكتشاف مع العالم، لا أحد مستعدٌ بعد لتحمل تبعاته ..

3 thoughts on “تجربة …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s