رسالة ..

Chain-Letter
فتح الباب الخلفي للسيارة ووضع حقيبة (اللابتوب) ثم صعد لمقعد الراكب الأمامي، وازن منفذ التكييف أمامه وأرجع المقعد قليلا للخلف كي يريح ظهره، فتح جواله على تطبيق (الواتس آب) الشهير ليتسلى على رسائل (القروبات) التي لا تنتهي أثناء انتظاره لصديقه (عادل) الذي انشغل بمحاسبة عامل المقهى..

طعم (المعسل) كان مقرفا، ولو كان بيده لخرج من المقهى بدون أن يدفع ريالا واحدا على تلك القذارة، الغريب أن طعم قارورة الماء التي حملها معه كان غير مستساغا أيضا، يا لرداءة الخدمات في هذا المكان الكئيب..

جاء (عادل) أخيرا، استقر في مقعد السائق، ضرب بيده على فخذ (سامر) بقوة، عاتبه بشدة، لقد قطع حبل أفكاره وآلمه، سمع صوت رسالة جديدة قادمة في (الواتس آب) فالتفت إليها متجاهلا صديقه..

فغر فاه في ذهول، نادى على صديقه:

-عادل، عادل، أتذكر الرسالة التي أرسلتها لك قبل شهرين..

رد عليه:

-ألا ترى أنني منشغل بالقيادة، أي رسالة تقصد، اقرأها علي..

بلع (سامر) ريقه في صعوبة، اشمئز قليلا من الطعم المقرف في فمه، “لن أذهب لهذا المقهى مرة أخرى”، هكذا خاطب نفسه قبل أن يرتفع صوت (عادل) عليه يطلب منه قراءة الرسالة..

-الفرصة مواتية أمامك، فقط أرسل هذه الرسالة لخمسة من أصدقائك المقربين، ستحصل على أغلى هدية إن أرسلتها، لكن إن تجاهلتها ستحل عليك مصيبة لم تكن في الحسبان..

ضحك (عادل) بصوت صاخب، كانا قد اقتربا من حيهما، قام بإيقاف السيارة جانبا وعيناه تدمعان من ضحكه الهستيري وسط سخط (سامر) وعدم رضاه من السخرية منه..

-هل تصدق حقاً هذا الهراء يا (سامر) ؟!

-ليست المسألة في التصديق، لكنني لن أخسر شيئا إن أرسلتها، ولقد أرسلتها لخمسة من أصدقائي ومنهم أنت..

-وماذا ستستفيد من إرسالها، هذه الرسائل قديمة جدا، وتسمى في الغرب بظاهرة Chain letter من قبل الانترنت وأذكر أن البعض كان يوزعها علينا في المسجد ونحن صغار، ورقة الشيخ (أحمد) الشهيرة الخادم في الحرمين والذي حلم برؤية الرسول ﷺ، ويطلب تمرير دعاء معين لعشرة أشخاص، بعد ذلك تطور الأمر مع استخدامنا للايميلات من رسائل معتادة تطلب منك إرسالها لأشخاص آخرين، وبعدها في وسائل التواصل الاجتماعي والمراسلة وغيرها..

هي خرافة قديمة وقد تجاوزناها يا صديقي..

حك (سامر) رأسه في ضيق وهو يقول:

-ولكن يا (عادل) ماذا لو كانت صحيحة ؟! لقد أرسلتها ل(باسم) وقتل في حادث مروع بعدها بيومين، ول(محمد) الذي اختفى من منزله منذ أسبوعين ولم يعد بعد ولم نسمع بأي خبر عنه، ول(جابر) الذي غرق في مسبح مزرعتهم الأسبوع الماضي، كنا سوية يا (عادل) نواسي ونزور ونعزي أهاليهم، لكنني لم أنتبه للرابط بين تلك الحوادث إلا الآن، وأنا محظوظ بإرسالي الرسالة لكم وإلا لكنت ضحية مثلهم..

ضحك (عادل) بشكل هستيري مجددا:

-إما أنك وجه نحس على أصدقائك وينبغي علي قطع علاقتي بك أو أن الظاهر لي كما قلت سابقا، كان (المعسل) مقرفا، ولعل آثاره وصلت لتلافيف مخك، كلها حوادث طبيعية ونتمنى لهم الرحمة والمغفرة، لدينا عشرات الأصدقاء غيرهم وهم بخير، ها قد وصلنا لمنزلي، أحتاج حقا لدخول دورة المياه ومنزلك قريب والوقت تجاوز منتصف الليل فلماذا لا تسير قليلا ليصفو ذهنك من هذه الهلاوس، أراك لاحقا..

نزل (سامر) في ضيق وتوجه للباب الخلفي لإحضار حقيبة (اللابتوب) ريثما يطفيء عادل محرك السيارة..

أخرج في هدوء ذلك الحبل الرفيع من الحقيبة، وأطبق على رقبة صديقه المقرب (عادل) من خلف مقعده، فرت دمعة وحيدة فاترة من عينيه وهو يشد الحبل بكل ما أوتي من قوة بينما برزت عروق (عادل) وتضخمت وازرّق وجهه وهو يقاوم في يأس ويلفظ أنفاسه الأخيرة..

نزل (سامر) بعدما أجهز عليه، حمله على كتفه بسهولة تامة تنافي هزالة جسمه، فتح باب المنزل وقفز بطريقة عجيبة لشرفة الطابق الثاني وعلقه والحبل مشدودا على رقبته على عمود حديدي ناتيء، جهز المشهد بطريقة توحي بأنه انتحر شنقا بالقفز من الشرفة..

تأمل قليلا المشهد من بعيد فأحس بالرضا، خرج من منزل (عادل) وأخذ أغراضه من السيارة وأقفلها ومشى الهوينا إلى منزله القريب، اقترب منه ذلك الكائن الظلامي محاذيا لظله المتضخم من عمود الإنارة في الحي، ربت على كتفيه بأصابعه الأربعة المخيفة وهو يقول:

-أحسنت صنعا، سيدي راضٍ عنك، أربعة سقطوا وبقي واحد كي تستحق هديتك، طعم الضحايا لذيذ أليس كذلك؟! ..

التفت (سامر) إليه في رعب ليجده ذاب في الظل، بصق مافي فمه من صديد اختلط بالدماء، هل حقا سيحصل على هدية أم ما يراه هو محض تهيؤات، لو كانت تهيؤات فما سر القدرات الخارقة التي بات يمتلكها، هز كتفيه بلا مبالاة واستمر عائدا لمنزله مرددا أغنية الأميركية (كيشا) الشهيرة Die Young..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s