رعي الغنم .. المدرسة التدريبية

good_shepherd_3

بدءاً علينا أن نفهم الفرق بين التعليم والتأهيل والتدريب..

التدريب هو إكساب مهارة للمتدرب، التأهيل هو إعداده لشغل منصب أو تنفيذ مهمة ما، والتعليم عملية مستمرة مدى الحياة..

لذلك فالمنهج الرباني اعتمد على تأهيل الأنبياء عليهم السلام لتوصيل أعظم رسالة في الوجود: رسالة التوحيد، ومن خلال المواقف والمدارس المختلفة دربهم على المهارات التي سيحتاجونها لإتمام المهمة..

(ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم) صحيح البخاري

هذا الأثر النبوي العظيم من نبينا ﷺ الذي أوتي جوامع الكلم، يحمل الكثير من الفوائد والقصص والدروس في طياته..
علينا أن نستوعب المكانة العالية والقدرات الفائقة التي منحها الله سبحانه وتعالى لأنبيائه الكرام عليهم السلام، هم خير أهل الأرض بلا جدال، وحتى يؤدوا الرسالة التي أؤتمنوا عليها لدعوة الناس وتوجيههم لعبادة الخالق وتحقيق قيمة إعمار الأرض، ينبغي عليهم أن يتصفوا بصفات معينة تعينهم على ذلك، نظرا لأن المهمة التي على عاتقهم جليلة..

من ضمن هذه الصفات استيعاب خصائص البشر والتعامل معهم، فمنهم القوي ومنهم الذكي ومنهم الشجاع ومنهم المتردد ومنهم الخانع وهكذا، فإدارتهم وقيادتهم وتوجيههم وإقناعهم بحاجة لأن يكون النبي عليه السلام عارفاً ومتدرباً ومستوعباً للعديد من العلوم والمعارف التي لم نكتشفها إلا حديثا كالقيادة والإدارة والتدريب ولكنهم تعلموها بوحيٍ من الله وإلهام وتمكين..

والمحاضن التي يتعلم فيها الأنبياء هذه الدروس كثيرة ومنها مدرسة (التفكر في وسط الطبيعة) كما كان سيدنا إبراهيم وسيدنا محمد عليهم صلوات الله وسلامه، ومدرسة (المِهن) المختلفة كمان كان داوود حداداً وإدريس خياطاً ونوح نجاراً عليهم السلام، ومدرسة (الصبر) كما صبر أيوب ويونس عليهم السلام، وأحد هذه المحاضن كانت في مدرسة (رعي الغنم)..

وقد تناول هذا الموضوع عدد من المدربين الأفاضل في دوراتهم التدريبية فاستنتجوا وسائل ودروس وفوائد كثيرة، من ضمنهم أستاذي وقائدي الكشفي يوسف المانع الذي طرح علينا هذا الموضوع قبل أشهر في دراسة تدريبية، ومن الفوائد الذي استخرجناها ما يلي:

رعي الغنم يرقق القلوب لأنها مخلوقات مسالمة وهادئة مقارنة بالجمال والبقر وغيرها، يشفق بها الراعي ويحمل همها، وينعكس ذلك على علاقته بالبشر فيصبح حنوناً مهتماً شافقاً بأحوال غيره..

رعي الغنم أيضا يدرب الراعي على الاهتمام بحركتها الدؤوبة، فيلاحظها ويوجهها ويقرب من ابتعد منها حتى لا يأكله الذئب ويتضح ذلك في الأثر (لا يأكل الذئب من الغنم إلا القاصية)،كما أن الجلوس الدائم أثناء تناولها للكلأ مدعاة للتفكر في الطبيعة والمخلوقات وشحذ القدرات الذهنية..

الالتزام البدني والذهني أيضا عامل مهم، فيستيقظ معها من الفجر ويعود قبل الغروب، وبين هذا وذاك يقودها بحثا عن أفضل الأماكن للرعي فكتسب مهارات لوجستية تعينه مستقبلا مثل تحديد الاتجاهات واكتساب قوة الملاحظة وترتيب الأولويات..

الاستفادة من خيرات الغنم والتلطف في أخذ اللبن والصوف منها بعناية يمكن الراعي مستقبلا من ملاحظة صفات البشر الجميلة من حوله والاستفادة منها خصوصا أن الهدوء واللطف سيكون غالبا في تعامله فيستخرج أفضل ما في البشر..

حرصه البالغ عليها من السرقة وافتراس الضواري لها يجعله أكثر حرصا على أهله وعشيرته كما شبهه سيدنا المعلم الأعظم ﷺ ” كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”

هذه بعض الفوائد من تلك المدرسة العظيمة التي تربى فيها الأنبياء عليهم السلام ولعل لديكم المزيد من ذلك، نسأل الله أن يجمعنا بهم في الجنة، وأن يرزقنا الحكمة والفهم لإعمار أرضه..

(نشر هذا المقال في صحيفة النوار الالكترونية بتاريخ 18/ 4 / 2016 )

http://www.nawarnet.com/?p=23540

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s