لماذا أعشق الكشفية ؟

IMG_3209

أول من تحدث بإسهاب عن فكرة (الرجل السوبرمان) هو الفيلسوف الألماني (نيتشة) وكان يرى أن صنعه يبدأ منذ الصغر، وهذه الفكرة قديمة قدم الأزل حيث عمدت الكثير من الحضارات إلى اختيار أطفال بعينهم ليتم تنشئتهم بصرامة ليتقنوا العديد من المهارات حتى يخدموا بلادهم حينما يكبرون..
يتحدث الكاتب الفذ د. نبيل فاروق صاحب أشهر سلسلة شبابية في العقود الفائتة (رجل المستحيل) -والتي ألهبت حماس وخيال الملايين من الشباب- عن ذكرياته في ابتكار هذه الشخصية الرائعة، يعزو الفضل فيها لرجال المخابرات الذين ساعدوه بالمعلومات وخصوصاً لشخصية معينة كانت قريبة منه وتراجع معه ما يكتب، فيقول أنه كان يحمل هاجس صنع بطل عربي يتسم بالشجاعة والبطولة ويقدم القيم الإسلامية الإنسانية في أبهى صورها ليماثل البطولات الغربية في ذات المجال متمثلة في شخصيات جيمس بوند وأرسين لوبين وتان تان وإيثان هانت..

بداية صنع رجل المستحيل في السلسلة بدأت من اهتمام والده (في القصص) بتقديم النموذج الأمثل لرجل المخابرات الذي يجيد العديد من المهارات المختلفة بإتقان كاستخدام الأسلحة والفنون القتالية واللغات والتنكر وقيادة المركبات المختلفة، وقدر زملاؤه أن شخصا مثل هذا يحتاج على الأقل 25 سنة ليتقنها جميعا ولو بدأ أحدهم في سن المراهقة فسيصل لسن ال45 على الأقل قبل أن يتقنها جميعا ولن يتحمل عقله وجسده بعدها كل هذا الضغط..

قرر (والد الشخصية) أن يطبق هذه التجربة على ولده الصغير (أدهم صبري) في سن مبكرة جداً مستفيدا من التجربة السوفييتية في ذلك المجال وهو صنع جواسيس خارقون من الأطفال ليخدموا مصالح دولتهم..

ومن هنا بدأت اسطورة (رجل المستحيل) الذي أمضى عمره منذ حداثة أضفاره يتعلم كل شيء ليصل إلى مرحلة يصفه فيها الأعداء قبل الاصدقاء بانه يستحيل على شاب في مثل عمره أن يجيد كل تلك المهارات، فسمي برجل المستحيل..

قبل 110 أعوام تقريبا قرر اللورد البريطاني والعسكري المخضرم السير روبرت بادن باول أن يكتب كتابا لتنمية الشباب، أسماه (الكشفية للفتيان) وفيه ضخ مجموعة كبيرة من المهارات المختلفة والممتعة والتي ستجعل الشباب في حالة ذهنية وبدنية أفضل لخدمة الامبراطورية البريطانية التي كانت ستؤول إلى أفول حينها بعد أن كانت لا تغيب عنها الشمس بسبب تساع رقعة سيطرتها العالمية..

تحول الكتاب إلى حركة شبابية وجمعوا الشباب في مخيم ترويحي تدريبي في جزيرة براون سي البريطانية عام 1907 ليكون أول برنامج كشفي في التاريخ..

جمع بادن باول في كتابه -ثم لاحقاً في حياته- العديد من المهارات المختلفة التي تصلح للشباب، فاقتبس من الحياة العسكرية ومن حياة الخلاء ومن التربية الدينية الشيء الكثير، ووضع قانوناً ووعداً وقيماً وعناصراً للطريقة الكشفية، وطرقاً لتحفيز الشباب للإنجاز ورتباً للتقدم، فاستقبل العالم أجمع هذه الحركة الفتية وانتشرت إلى أن صار أعضاؤها بالملايين..

الرابط بين القصتين أعلاه هو فكرة تنشئة الشباب منذ الصغر على المهارات المختلفة لتصنع منه شخصية متكاملة..

فعلى سبيل المثال في الحركة الكشفية والتي هي حركة تطوعية غير سياسية في الأساس، يقوم الكشاف الذي يريد الانتساب إليها بترديد الوعد والذي يعبر عن واجبه نحو خالقه ونحو الذات ونحو الآخرين، (أعد بأن أبذل غاية جهدي بالقيام بواجبي نحو الله ثم المليك والوطن، وأن أساعد الناس في جميع الظروف، وأن أعمل بقانون الكشافة الذي لا يخالف شريعة الله)، وقانون الكشافة الذي ذكر في الوعد هو البنود والقيم التي يلزم على الكشاف أن يجعلها جزءاً من حياته وشخصيته، فالكشاف (صادق، مخلص، مقتصد، باش، رفيق بالحيوان، ودود، نافع، مطيع، مؤدب، نظيف، شجاع، أهل للثقة)..

وتوضع البرامج الكشفية المصاحبة على أسس الطريقة الكشفية العشرة (الوعد والقانون، حياة الخلاء، التعلم بالممارسة، نظام التقدم الشخصي، نظام المجموعات الصغيرة، دعم الراشدين للفتية، الإطار الرمزي، خدمة الآخرين، الوعي بالتنوع، التواصل مع المجتمعات المحلية والدولية)..

يتعرض الكشاف -وهو اسم عام يطلق على جميع المنتمين من الشباب للحركة- عبر مسيرته الكشفية إلى ما لا يقل عن 120-150 مهارة وهواية مختلفة، فيبدأ من سن السادسة في مرحلة البراعم ثم من سن التاسعة في مرحلة الأشبال ثم من سن ال12 في مرحلة الفتيان ثم من سن ال15 في مرحلة المتقدم ثم من سن ال 18-24 في مرحلة الجوالة..

من هذه المهارات والهوايات على سبيل المثال لا الحصر، ممارسة حياة الخلاء كمهارات الطهي والتخييم وتحديد الاتجاهات والرحلات الخلوية ومعرفة الشفرات والعلامات السرية وتقدير المسافات واقتفاء الأثر ومهارات ربط الحبال المختلفة، وتعزيز الجوانب الدينية والوطنية من خلال المسابقات والبحوث والندوات، والمهارات العلمية والثقافية والاجتماعية من خلال الزيارات وممارسة فنون الخطابة والتمثيل والإنشاد والحوار والصحافة والتدريب والتقديم والمبادرات التطوعية المجتمعية، والمهارات التقنية في أساسيات الكهرباء والميكانيكا وعلوم الفلك والطبيعة والكمبيوتر والانترنت والتصوير والفنون التشكيلية والشعبية، والمهارات الصحية والرياضية كالألعاب الفردية والجماعية والسباحة والرماية وركوب الخيل واسعاف المرضى واستخدام الرباط المثلث والتوعية بأضرار المخدرات..

لو أتقن (الكشاف) خلال هذه المسيرة الممتدة ل18 عاما تقريبا ربع هذه المهارات لصار علماً لا يشق له غبار..

نظام التدرج في الكشفية يساعد على التميز فيتدرج الكشاف من مبتدئ إلى أعلى رتبة وهي (الصقر الكشفي) في الخليج، ويقابلها eagle scout في المنهج الكشفي الأميركي والذي حصل عليه العديد من الشخصيات المهمة في التاريخ الأميركي من وزراء وسياسيين وكتاب و تربويين ومحامين ورواد فضاء ورياضيين وأسماؤهم موثقة في المتحف الكشفي الأميركي في دالاس..

يعتبر المنتمي للكشافة في العالم كله نموذجا للشخصية الشابة المتكاملة نظرا لمنهجها المرن الذي يتقبل كل جديد..

قد يعارض شخص ما بقوله أننا لم نر في الواقع ما يدل على ذلك، وأجيبه بقولي أن الخلل في التطبيق لا يعني خلل الفكرة وسموّها واهتمامها بتنشئة الشباب تنشئة دينية وطنية علمية صالحة تجعل من المستقبل عالماً أفضل..

2 thoughts on “لماذا أعشق الكشفية ؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s