البعد السابع (تشويقة 1)

تشويقة من روايتي المقبلة (البعد السابع)

IMG_3373

أمسك يدي في هدوء وهمس في أذني:

-هيا بنا، لقد حان الوقت..

استيقظت في سكون عجيب وأنا أجيبه:

-إلى أين ؟! ومن أنت ؟!

-سأخبرك في الطريق..

وفي لحظة، تلاشت كل حواجز الزمان والمكان، ووجدتني أسبح في ملكوت الله بين النجوم والمجرات، كنا نبتعد شيئا فشيئا نحو أطراف الكون الفسيح، لا بد أنني أحلم، تفكرت في السابق مراراً في رحلة المعراج لحبيبي ومعلمي الأعظم محمد ﷺ، هل هذا ما رآه في رحلته، أنا أحلم حتماً، ما في ذلك شك..

كيف لبشرٍ مثلي مثقلٌ بالذنوب والخطايا والشكوك أن يخوض رحلة إعجازية خاضها من قبله سيد البشر ليرى المستقبل، أو ليس هناك خصائص معينة ليتمكن البشري من عبور الكون إلى أطرافه، أن يكون (كامل) الصفات بمعنى الكلمة، يملك روحا عظيمة وعقلاً أعظم يستوعب هذا البهاء والجمال، لم يصل لهذه المرحلة من الصفاء الذهني والعقلي والاستعداد البدني سوى من اختارهم الله سبحانه ليبلغوا رسالته، فكيف أصبحت أنا هنا في هذا الموقف، أيقنت بأنني أحلم..

نكزني رفيقي الذي ازدان بحلة نورانية فائقة الجمال، بينما لا يزال عقلي قاصرا عن رؤية ملامحه المشوشة، استجبت لنكزته فقال:

-اقتربنا، كن مستعداً

-لماذا ؟!

-هناك مغزى من وجودنا هنا ولا بد أن تراه..

قلت في حبور:

-هل سأرى الله ؟!

-لا، لست مستعداً بعد لذلك، تستطيع أن ترى الله في كل مكان، في مخلوقاته وفسيح عوالمه، تشعر به في داخلك، يوجهك ويلهمك لأن تقترب منه، لكن لن تراه جهرةً حتى تكون مستعداً تماماً..

-كيف ؟!

-سترى بعينيك، لا تستعجل..

كنت في حيرة، لا يوجد حلم بهذا الوضوح ودقة التفاصيل، ويستحيل أن يكون هذا واقعاً، لأن ذلك يعني أنني (نبي مرسل) وهذا مستحيل فالرسالات ختمت بعد المعلم الأعظم ﷺ ولست اختيارا مناسباً لكثرة ما اقترفته في جنب الله عسى أن يغفر لي، ولست في ذات اللحظة (ميتاً) وهذه روحي تحلق من الأرض لتصل إلى ملاذ الأرواح بعد الموت، في عالم البرزخ، لا زلت أشعر بجسدي في الأرض، أم أنني أتوهم ذلك، هل فعلاً مت ؟! لا أتصور الموت بهذه السكينة العجيبة، فلا أسمع من ينوح ويبكيني، أولا يرى الميت ويسمع أهله وهم يشيعونه، وأين الملاكين الذين يسألانني في القبر، وأين مقعدي في الجنة أو في النار، ربما كنت ميتاً وأهلي لا يدرون، وحينما تنتهي هذه الرحلة أعود لأرافق جسدي إلى قبره، فقوانين الزمن في هذه الحالة لا تنطبق على الأرواح، فهي تعيش عشرات السنين في لحظة (حلم) واحدة في محض ليلة ..

إن كنت (أحلم) أو (ميتاً) فهذا لا يفسر خوضي هذه الرحلة، ومن هذا الكائن النوراني الذي يرافقني، أهو ملاك ؟! توقعت الملائكة أجمل وأعظم من ذلك ؟!

وصلنا أقاصي الكون وتعديناه إلى فراغ مهيب، التفت لأرى الكون شبيها بالحلقة، دائرة قمعية مخروطية تتمدد بانسيابية، ترى أين نحن ؟!

شد على يديّ وهو يقول:

-وصلنا، أريدك فقط أن تراقب، واسألني حينما نعود..

-نعود إلى أين

-إلى فراشك طبعا، ماذا ظننت ؟!

-ظننت بأنني …. لا عليك

هذا يلغى احتمال (موتي)، ويؤكد كونني (أحلم)، أغرب حلم قد يراه المرء، عجزت فيه أن أصف انبهاري بالكون وما وراءه واكتفيت بنقل مشاعري، فما رأيته لا يوصف ولا يفسر بقدراتنا العقلية البسيطة مهما اتسع خيالنا..

أشار لمشهد من بعيد، استفسرت منه، تجاهلني وجذبني لأقترب، رأيت الناس أفواجا، كمن ينتظر نتيجة ما، أشار مجددا لمكانين هائلين..

-هذه أبواب الجنة، وهناك في الأسفل أبواب النار..

-هل قامت القيامة (قلت مفزوعا)

-لا ليس بعد، نعم في علم الله، إنما لم تحن اللحظة بعد، أريدك أن تتمعن في هذا المشهد وسنتنافش حينما نعود.

لم نطل البقاء هناك، أكثر ما جذبني هو الهالات الإشعاعية التي تحيط بالناس، ألوانٌ مختلفة متوهجة وداكنة، بعضها متوهج لدرجة ألهبت عيني، سألته:

-من هؤلاء المتوهجون ؟!

-الأنبياء

-حقّاً.. (وأنا فاغر الفم منبهراً).. هل أستطيع الاقتراب ورؤيتهم ؟

-كلا.. جئنا فقط للمراقبة ولهدفٍ معين، ليس مسموحا لنا التحدث أو مقابلة أحد..

-وأين الملائكة ؟!

-هناك في الأرجاء، بين الناس

-لا أراهم

-نعم لن تراهم ولن ترى الشياطين أيضاً على أبواب النار، لا يزال الغشاء على عينيك ولن يزول قبل موعده، علينا أن نعود الآن، اقترب..

سلمته يدي وانطلقنا بذات السرعة التي جئنا بها، لم أنتبه لجمال الكون من حولي ونحن عائدون، فعقلي مشغول بتحليل الموقف الذي شاهدته والهالات الملونة التي اكتساها البشر، هذا بدون جدال أغرب حلم قد يراه إنسان، حينما أستيقظ سأكتب ما حصل لي لكن من سيصدقني..

وصلنا لغرفتي ورأيتني نائما، كنت واثقا من أنني أحلم، ولعله من حسن حظي أنني لا زلت حيّاً لأقترب أكثر من الله سبحانه قبل موتي وأكفر عن ذنوبي، جلست على حافة الفراش وجلس الكائن قبالي واضعاً قلماً ذهبيا على الطاولة..

-لم يتبق الكثير من الوقت، فاستمع لي جيدا، هذه التجربة الفريدة من نوعها تحتاج لأن تتفكر فيها مليّا، لا تتحدث عنها لأحد قبل مضي أسبوع تعزل نفسك فيه ع الناس، ثم اكتبها بهذا القلم في مفكرتك..

-أريد أن أسألك عن أشياء كثيرة..

-سأتحدث وخذ من حديثي الإجابات التي تناسب أسئلتك ثم أمضي..

بانت ملامحه شيئا فشيئا، يشبهني إلى حدٍ بعيد، هل هو أنا في نسخة أخرى أو كون مختلف، هل هو الجانب المضيء الخير من شخصيتي، قطع تساؤلاتي حديثه قائلا:

-شهدت للتو تجربة شبيهة بمعراج المعلم الأعظم ﷺ، تجربة قصيرة وغير مكتملة، لكنها للإجابة عن تساؤلك المستمر عن سر وجودنا في الأرض، نحن لم نخلق عبثاً، خلقنا لعبادة الله سبحانه وإعمار الأرض كما تعلم، وجعل لنا الجنة والنار جزاءً بما عملنا، ولكن لن ندخلها بهيئتنا الحالية، فلكل مكان شروط وضوابط..

-كيف لم أفهم ؟! هل هناك شروط غير العبادات ؟!

-العبادات شرعت لسبب، وكلما قل التساؤل عن السبب وزاد الإيمان والتسليم والطاعة لله سبحانه زادت منزلتك، من الطبيعي أن تفكر وتتساءل، لكن الله أمرنا بالإيمان والتسليم، ومن حين لآخر نجد تفسيرات في القرآن والسنة تبين لنا أكثر حقيقة الحياة والكون وما بعد الموت، لكننا لا نعلم سوى بمقدار قطرة في بحر، وعقولنا لن تستوعب الغاية النهائية، فلذلك لجأ البشر في القديم لعبادة الأوثان بحثا عن تفسيرات تناسب عقولهم البسيطة..

-لكن الله سبحانه يأمر بالتفكر

-نعم لأنه يرفع ذبذبات الروح ويقربك أكثر من نور الحقيقة، وهذا هو لب موضوعنا، الله سبحانه خلق الكون بنواميس طبيعية معينة، كشف لنا القليل منها في العلوم المختلفة كالفيزياء، كل شيء في الكون وما وراءه بحسبان وميزان، الكون كما تراه له ذبذبات معينة لم تكشف بعد للبشر، تستجيب للتأثيرات سلباً وإيجاباً، كأن هناك مغناطيسا خياليا يجذب الماء، فتارة يذهب الماء لليمين وتارة لليسار بحسب قوة الجذب، روحك كالماء، تستجيب للذبذبات كما الكون، فترتقي للذبذبات الإيجابية وتنحدر مع الذبذبات السلبية والتي وجودها مهم للتوازن، لذلك خلقت الشياطين وخلق الظلام ضد النور، وكي تصل للنور المطلق فالعبادات طريقك، تهيؤك بخشوعك وخضوعك لأن تصل لليقين، وإن وصلت لليقين فهو سبيلك للجنة..

-هل اليقين تقصد به تلك الهالات التي رأيناها عند أبواب الجنة..

-نعم، بعضها كذلك، كل الهالات هي تجسيد لعملك في الدنيا، أبواب الجنة والنار تستجيب لتلك الذبذبات والطاقة التي خزنتها من أعمالك وحسناتك وسيئاتك، لن تدخل الجنة إن كانت ذبذباتك أقل من طاقة الأبواب، ولن تدخل النار إن كانت ذبذباتك أعلى من طاقة أبوابها، هل ترى ؟! كل شيء موزون بدقة ؟

ولكي تدخل الجنة عليك أن تصل بذبذباتك إلى أعلى مستوى ممكن لتستحق دخولها، لذلك فرضت علينا العبادات والذكر، فأرواحنا تستجيب معها لأنها من فضل الله، فترتقي بها وتشحن كل خلاياك وثنايا روحك، وكلما تعمقت أكثر وذكرت أكثر وتعبدت أكثر وعمرت الأرض أكثر ونشرت الخير أكثر زادت مكانتك في الجنة، فحتى طبقاتها تستجيب لك، لاحقاً حينما تشعر روحك بالراحة في الجنة، تتعاظم ذبذباتك لتصل لأقصاها، لتكون أهلاً لأن ترى (النور)، نور السماوات والأرض، ترى الله سبحانه يشرق عليك في مكانك بالجنة، كأجمل ختام لطاعتك وانقيادك..

-يا الله، لم أتخيل الأمر بهذا الجمال والوضوح، فعلا كل شيء عنده سبحانه بحسبان، عندي أسئلة أخرى..

-ليس هذا وقتها، حان وقت المغادرة، تذكر فقط ما تناقشناه، وسنكمل لاحقاً إن أراد الله..

اقترب مني وحضنني بحنان واختفى فجأة، شعرت به يذوب بداخلي، التفتّ لجسدي الملقى على الفراش، اقتربت منه وأيقظته، عدت في لحظة إلى جسدي وفتحت عيناي لأسمع صوت أذان الفجر نديّاً في أول يوم من شهر الخير، بقيت أسائل نفسي، هل شهر رمضان يعاظم الأعمال لنكون أهلاً للدخول لجنة الرحمن، ألذلك شرع لنا الصيام وأمرنا بالقيام وقراءة القرآن استعدادا لتلك اللحظات..

كان حلما جميلا زادني يقينا وإيمانا، لمحت القلم الذهبي على الطاولة، هل اشتريته من قريب وتداخلت ذكراه مع حلمي، أم هو حقاً هدية وذكرى من عالَمٍ أرحب.. من يدري ؟!

5 thoughts on “البعد السابع (تشويقة 1)

  1. فجر كتب:

    قوة خيال رائعه و مشاعر ايمانيه ترجمت علی هيئة حلم فيها نظره ايمانيه ومراجعه للنفس …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s