العاشر…

Std2fCM.jpg

رفع قدميه فوق الطاولة التي أمامه متمطيا ببقية جسده لأقصى اتساع ثم أطلق ضحكة ساخرة انتبه لها القلة المتواجدون في ذلك المقهى النائي على طريق الساحل، تأمل لوهلة في النجوم العديدة التي أضاءت الليلة مع الجمرات المشتعلة التي تأهبت رابضة فوق (الشِيَش) من حوله وكأنها تتنفس الهواء معهم فتومض وتضطرم ثم تخبو وتذبل مما أضفى جوا ساحرا عليهم عوّض انطفاء الكهرباء منذ ساعة أو يزيد..
اقترب منه أحد القلة الجالسين وسأله:

-هل هناك ما يضحك ؟!

نظر إليه شزرا متبيناً ملامحه في صعوبة:

-وعليكم السلام، نعم، ماذا تريد؟

أخذ الغريب الكرسي الذي بجانبه وجلس عليه وسط استنكار الآخر من هذا التصرف الفظ خاصة أنه لم يدعه للجلوس، مد يده للسلام مردفا بقوله:

-أنا (ناجي)، عابر طريق مثلك تماماً، أجوب وحيدا هذا الطريق بحثاً عن ذاتي، أتعرف على العابرين أمثالي لعلي أجد ما أبحث عنه..

تجاهل اليد الممدودة إليه ورد بأنَفَة:

-وهل كل العابرين يجلسون بدون دعوة، ويقحمون أنوفهم في خصوصيات الآخرين، ثم من قال أنني أريد التعرف على أحد..

-ظننت بعد أن سمعتُ ضحكتك المقتضبة أنك تبحث عمن تحكي له وتسامره، وها أنذا، لا تزال الليلة وليدة والنجوم تغرينا بالقصص والذكريات، هلا عرفتني على اسمك على الأقل..

لانت عريكته ونظر ل(ناجي) في تململ، أنزل قدميه على الأرض، مد يديه للسلام قائلاً:

-اعذرني كان يوما طويلا مرهقا لم أذق فيه طعم النوم، أنا (يحيى)، أُلقَب بالأخير..

ابتسم (ناجي) ابتسامة لا تكاد ترى، اختلط فيها بياض أسنانه الناصع بوهج الجمر وسكون الليل، عدل مقعده وواصل حديثه:

-(يحيى الأخير)، اسم مثير للاهتمام، لو طالت بنا الليلة سأسألك عن سر هذا المسمى، فأنا أيضاً الأخير من عائلتي وقومي، فقدتهم جميعاً في الحرب، كلنا هنا في هذا المقهى (غرباء) ولعل كل واحد منا هو (الأخير) من قومه، في النهار كل يغدو ويروح يبحث عن ضالته ورزقه، نجتمع هنا في الغسق نسمع الأخبار ونتداول القصص ونحاول أن نجد طريقا للخروج، أنت الزائر الأول لنا منذ أشهر تقريبا، لم يعد لدينا من متع الحياة غير أن نتنفس دخان (الشيشة) المقيت وننفثه على أمل أن ننفث أرواحنا معه ونرتاح، كنا تسعة وأنت الآن (العاشر)..

التمعت عينا ناجي حينها، تلفت (يحيى) حوله فرأى الأشخاص الستة المتبقون وصاحب المقهى والعامل ينظرون إليهم وأعينهم تلمع أيضا في ذلك الظلام، توجس منهم خيفة وتمسك بكرسيه جيداً وأخذ يفكر في المواجهة..

****

(قصة يحيى)

(2)

قال له (ناجي):

-ما بك ؟ لماذا انكمشت على نفسك فجأة ؟

رد عليه (يحيى) ولا يزال متأهبا للمواجهة أو الهروب:

-أعينكم التمعت فجأة، من أنتم حقيقةً؟

عاود (ناجي) ابتسامته التي لا تكاد ترى، وصفر بفمه بلحن شهير ثم قال:

-نحن، من نحن ؟ سؤال مهم ؟ يعيش المرء طيلة حياته وهو لا يعرف حقيقته المطلقة؟ ماذا تتوقع أن نكون ؟ أشباح مثلا ؟ وحوش ؟ جنّ ؟

وضحك بطريقة مريبة أضحكت الآخرين معه والذين اقتربوا بكراسيهم يستمعون للحديث الدائر بين (يحيى) و(ناجي)..

تراجع (يحيى) في ذعر لم ينجح في إخفائه، وقال:

-لماذا تقتربون مني، اتركوني في سلامٍ ولن أؤذي أحد منكم..

ضحكوا مجددا، وقال (ناجي)؛

-وكيف ستؤذينا ؟ نحن نتسلى معك ليس إلا..

رد عليه (يحيى):

-لا يحق لكم أن تعاملوني هكذا فأنتم لا تعرفون عني شيئاً، هل تريدني أن أصدق أنكم من الجن مثلاً، هذا محض هراء وأنا لا أصدق ذلك..

اقترب منه (ناجي) أكثر وقال:

الإشارات أمامك واضحة وإن لم تصدق، لاحظت التماعة أعيننا، نحن لا نلتقي هنا إلا ليلاً، وإسمي لو انتبهت قليلا لعرفت أننا نحب أن نقلب الاسماء، هل لاحظت (ناجي) على وزن (ناجٍ) كما أخبرتك عن الحرب، ولكن إن قلبت الإسم أصبح (جانّ)، هل تريد معرفة أسماء الآخرين لتتأكد..

شعر (يحيى) بأنهم يضيقون الخناق عليه فلم يتحمل ذلك، رمى بالكرسي جانباً، استقام وتعاظم جسده واحمرّت عيناه وتحورتا لشكل بيضاوي وقال:

-نحاول لقرونٍ الابتعاد عن الاحتكاك بكم وأن نعيش بمعزل عنكم، وطالما أصررتم على تخويفي بادعائكم بأنكم من (الجن)، سترون الآن أشكالنا الحقيقية..
****

(قصة المقهى)

(3)

قال له (ناجي):

-ما بك ؟ لماذا انكمشت على نفسك فجأة ؟

رد عليه (يحيى) ولا يزال متأهبا للمواجهة أو الهروب:

-أعينكم التمعت فجأة، من أنتم حقيقةً؟

عاود (ناجي) ابتسامته التي لا تكاد ترى، وصفر بفمه بلحن شهير ثم قال:

-لا تخف، لقد عشنا طويلا في هذا الظلام حتى تأقلمت أعيننا، كخاصية شبيهة بأعين القطط، فالإنسان لا يرى في الظلام غالباً لكنه لو تعود عليه فسيطور دماغه طريقة للتعايش مع هذا التغيير، وسيبدأ بضخ المزيد من النبضات العصبية الكهربائية لبؤبؤ العين، كفلاش الكاميرا مثلا، هذه الظاهرة ستجعل من يرانا يلاحظ الالتماعة التي شاهدتها للتو..

وللإجابة على سؤالك من نحن سأترك البقية ليحكوا لك..

قال صاحب المقهى:

-أنا أول الواصلين لهذا المكان، ضللت الطريق قبل أعوام لا أدري عددها، لكني قدمت من الثمانينات الميلادية، لازلت أحتفظ ب(الدباب) الموتوسيكل الذي قدمت به، وجدت هذا المقهى وفيه كل المؤن والاحتياجات التي أحتاجها، قضيت أيامي الأولى في تفقد الأرجاء والعودة، ولم أجد طريقا للخروج، كلما ذهبت يمينا في ذلك الطريق، عدت من اليسار بعد دقائق وكلما ذهبت يسارا عدت من اليمين وكأنني أعيش في حلقة مفرغة غير مرئية، ولو ذهبت خلف المقهى الآن ومشيت مسافة ساعة تقريبا ستجد نفسك تتجه للمقهى مجددا ولكن من الأمام هذه المرة، عندما لم أجد تفسيرا استسلمت، بعد شهر حضر ثاني الواصلين (عبدالرحمن) وساعدني في المقهى وأعدنا تشغيله، وتوالى القادمون حتى فقدنا شعورنا بالزمن والغربة، نحاول بحديثنا مع بعضنا أن نتذكر من (نحن) حقاً، حاول جميع من هنا سلوك نفس الطريق لعله يجد مخرجا من هذه الدوامة ولا نزال نحاول، هل نحن موتى ؟! هل نحن في منطقة أو بعد مختلف ؟! هل ضعنا في الزمن ؟! لا أحد يدري ؟!

مرحباً بك بيننا وربما يكون الحل على يدك ..
****

(قصة الآخرون)

(4)

قال له (ناجي):

-ما بك ؟ لماذا انكمشت على نفسك فجأة ؟

رد عليه (يحيى) ولا يزال متأهبا للمواجهة أو الهروب:

-أعينكم التمعت فجأة، من أنتم حقيقةً؟

عاود (ناجي) ابتسامته التي لا تكاد ترى، وصفر بفمه بلحن شهير ثم قال:

-هذه فقط التماعة الأجهزة التي تكبلنا يا (يحيى)، عليك أن تستيقظ، استيقظ يا (يحيى)، استيقظ، استيقظ هيا..

***

قال الممرض للدكتور (ناجي):

-لا فائدة يا دكتور لن يستجيب لك، مضت أشهر ونحن على هذا الحال، ماذا ستقول لعائلته التي جاءت لزيارته بعد أن منعنا عنه الزيارة، فهم لا يعرفون سر هذه التجربة..

مسح الدكتور (ناجي) نظارته بطرف معطفه الطبي وقال:

-لا بديل من أن أحكي لهم كل شيء، لقد بذلنا ما في وسعنا..

خرج لهم في صالة الاستقبال، كانوا هناك جميعا، والديه وزوجته وأخوانه وأطفاله، استماحهم عذرا في أن يذهب الأطفال لحديقة المستشفى ودعاهم إلى مكتبه..

قدم لهم بعض المشروبات وطلب منهم أن يستفسروا عن أي شيء على ألا تخرج المعلومات لأي طرف آخر لأنها سرية..

قالت زوجة (يحيى):

-زوجي على هذا الحال منذ أن عاد من الحرب، لا ندري ماذا حصل وكل زملائه في الجيش يتحفظون عن شرح ما جرى..

أيدها أخوانه وأبوه وطالبوا بتفسير لما يحدث بينما أجهشت أم (يحيى) بالبكاء الصامت..

رد عليها الدكتور (ناجي) وهو يمسك بملفٍ ضخم أخرجه من درج المكتب:

-هنا شرح وافٍ لحالة (يحيى) مع كل المرضى الآخرين الذين أشرف عليهم، (يحيى) هو عاشر الحالات التي تمر علي، سقوط الهيلوكبتر به وبطاقمه أفقده وعيه بينما توفى الآخرون، لدينا تجربة تقتضي بدمج عقولهم في واقع افتراضي يعيشونه في (مقهى) ونتركهم يتحاورون بشكل مدروس بينما نلقنهم بعض المعلومات بالموجات الكهربائية لأدمغتهم، نحاول قدر المستطاع أن يتذكر (أحدهم) حقيقته ويعود إلى وعيه، تعالوا معي لترونه لكن أعيد التأكيد عليكم ألا تفشوا هذه الأسرار فنحن في منشأة عسكرية كما تعلمون، لو نجحت هذه التجربة ستكون فتحاً علمياً نعيد به الآمال لمرضى (الغيبوبة) في العالم أجمع..

اصطحبهم جميعا لمقر التجربة، غرفة واسعة تضم عدة أسرّة، مكونة دائرة كبيرة يتوسطها جهاز ضخم أشبه بالكمبيوتر، تخرج منه أنابيب وأسلاك متصلة بخوذات شفافة حول رؤوس مرضى الغيبوبة وبجانب كل منهم شاشة تقيس موجات الدماغ، تلفتوا بينهم وبين الأسرّة يبحثون عنه، أشار إليه الدكتور (ناجي) قائلا:

-هذا هو، حاولنا توسيع التجربة وإدخال بعض المحفزات المرعبة والصادمة لعل أحدهم يستجيب بدافع الخوف وغريزة البقاء، ليس لكم سوى الدعوات ونحن سنبذل ما نستطيع لإعادتهم جميعا..
****

(5)

في خضم ذلك رأوا أنوار تلك السيارة مقبلة عليهم، حينما وصلت ترجل منها شخص بملابس غريبة توحي بأنه من مستقبلٍ قريب، اقترب منهم وحياهم وقال:

-مرحبا، أنا (غانم) وألقب ب(الأخير)، هلا ساعدتموني لقد أضعت الطريق..

رد عليه (ناجي):

-أهلا بك بيننا، أنا (ناجي) وهذا (يحيى) وهؤلاء أصدقاؤنا، لعل كلٌ منا الأخير من قومه، تفضل، كنا عشرة وأنت الآن (الحادي عشر)..

3 thoughts on “العاشر…

  1. عائشة اليامية كتب:

    من أكثر النصوص اللي أبدعت فيها كفكرة وكمضمون 👌💗

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s