صَحْفَة … (من الاساطير الجيزانية)

Scratches on stainless steel pot.

(1)

إنه يوم الخميس في بدايات القرن العشرين، يوم سوق (الخوبة) الشعبي العريق، يوم البيع والشراء وتبادل البضائع بين أهالي المنطقة، انطلق (عكّاش) على ظهر دابته مصطحباً معه وحيده الصغير (حسن) وقليلاً من الدواب ومحصول الموسم من (الشعير) و(الذرة) ليبيعها ويحضر لمنزله بعض الاحتياجات، أمضى طوال الطريق وهو يتذكر بصعوبة ما وصته به زوجته، ولطول القائمة وزع الحفظ بين وبين ولده، كلاهما أمّيان ولا يملكان سوى أذهانهما المشغولة بمداولات البيع والشراء، لكنه يتذكر جيداً أنه يريد (صحفة) يشرب منها عوضا عن التي تشققت، قالت له زوجته أنها ستدهنها بقليل من (الشوب/القطران) وترممها بقليل من الطين وتوقد عليها النار فتعود كالجديدة، لكنه تباهيا قرر الحصول على واحدة جديدة خاصة به..

وصل إلى السوق، أنهى معاملاته في سرعة عند الحاج (علي)، وأخذ كل احتياجات منزله وأرضه وبعض أدوات الحراثة، لم يتبق سوى دكان الآنية الفخارية، سيرضي زوجته ب(حياسي) و(مغاش) و(جَبَنات) و(جرّة) جديدة، ويشتري لها (كُرتة) أيضاً..

رأى جاره البغيض (سالم) يمر بجواره ومعه خادماه، لكم يبغض هذا الشخص ويبغض تباهيه وغروره وغناه، لم يتعب في أرضه ولا في ثروته، بل ورثها عن أبيه، حتى الخدم ورثهم، ولم يكفه ذلك، بل تزوج حبيبته (عائشة) التي رضخت لمطلب أبيها بأن فضل (سالم) الغني على (عكّاش) البسيط..

كانت (عائشة) زهرة بنات الحي، رغم مشاكساتها الدائمة في صغرها لأقرانها، وعنادها وقوة شخصيتها، لم تقدر على عصيان أبيها وتزوجت (سالم) ولم يشأ الله لهما (الخِلفة) لحكمة لا يعلمها إلا هو، ولم يثن ذلك (سالم) عن الزواج بأخرى وتطليقها ثم تزوج ثالثة وطلقها ولم يرزق بأبناء بعد، ولم يجرو على طلاق (عائشة) خوفاً من أن تتزوج بعده نظرا لجمالها الفتان، ولطبيعته الأنانية قرر الاحتفاظ بها، وعزف الناس عن تزويجه خوفاً على بناتهم من مصير الطلاق..

في خضم الذكريات التي عصفت بعقله، سمع (عكّاش) أصواتاً خافتة تناديه، التفت في ذهول، كل من حوله مشغول بتجارته وحاجياته، حتى بائع الأواني الفخارية يبايع إحدى السيدات، أمر ابنه (حسن) بأن يضع الآنية التي اشتروها على ظهر الدابة استعدادا للعودة، تحسس صرة (القروش) في حزامه، وتأهب للانطلاق، تذكر أنه يريد (صَحْفة) قبل رحيله، عاين الآنية بحثا عن (صَحْفة) جديدة تليق بما جناه اليوم، وقعت عيناه عليها، رمادية اللون وليست سوداء من أثر (الشوب)، سأل البائع فأفاده بأن ذلك أمر غريب وأنه يعرف آنيته جيداً ولا يتذكر إن كانت له، شعر بأن تلك (الصحفة) تخاطب روحه مباشرة، شيءٌ غريب، وكأنها تنظر إلى أعماقه ولكن بلا أعين، يرى عددا من الخطوط والدوائر المنقوشة عليها، قرر شراءها، فأعطاه البائع بلا مقابل كهدية فوق البيعة..

فرح بها وأمضى طريقه عائدا وهو يتأمل فيها ويتمعن في تلك الخطوط التي يظن أنها تشكل (أشخاصاً)، رؤوس وأيدي وأفواه صارخة، لعلها تهيؤات من فرط الأرهاق، سيعود للمنزل ويطرّيها بقليل من (الشوب) ويشرب منها في الصباح..

لمح جاره (سالم) مجددا في طريق العودة، لكم يبغض هذا المتعالي الفظ..

(2)

استيقظ (عكّاش) قبيل الفجر على صرخات الجيران، خرج ليستعلم فأخبروه بأن (سالم) توفى اختناقا من حريقٍ وقع في (زريبته)، وقتل فيها جميع دوابه..

داهمته مشاعر (التشفي) و(الفرح) عدا أنه ملامحه تشي بالعكس، جَمُد وجهه عن التعبير، عاد لمنزله مخبراً زوجته بما صار، لن يعنيه ما جرى، سيصلي عليه مع الناس، العالم سيصبح أجمل حينما ينقص شخصاً مثل (سالم)..

تناول (صحفته) الجديدة، ذُهل قليلا من لونها الرمادي، يكاد يقسم بأنه (طَلَسها) سوادا حتى خاصمته زوجته بأنه سيستهلك (الشوب) كله في آنية قبيحة كهذه..

النقوش ازدادت على جوانب (الصحفة)، هذا الشكل ليس غريبا، لو نظر له بزاوية معينة سيرى وجها مستطيلا يشبه (سالم)، مستحيل، لعله هذيان الصباح، وضع فيها قليلا من الماء وشرب، الطعم ليس مستساغاً، سيغسلها جيدا في المرة المقبلة، وسيلحق الآن جيرانه قبل أن يتساءلوا عن غيابه عن جنازة (سالم)..

بعد الانتهاء من الصلاة والدفن، قابل العم (أحمد) والد عائشة، أخبره بأنه يعرف أن الوقت غير مناسب ولكنه يطمع في ان يخاطب (عائشة) ويشتري منها أرض سالم ومنزله ليضمها إليه ويتوسع، لم يمانع العم (أحمد) لكنه فضل أن يؤجل الحديث إلى أن تنتهي (عائشة) من قضاء العدة..

أخبر زوجته حال عودته بعرضه للعم (أحمد)، مطت شفتيها واتهمته بأنه لا يطمع في الأرض بقدر طمعه في القرب من (عائشة)، وبكت تندب حظها وتلطم وجهها من هذا الزوج الخائب الذي لا يقدر العشرة والمعروف، وأخبرته أنه إن لم يتراجع عن أفعاله ستعود لمنزل أهلها في القرية المجاورة ولن تعود إلا ب(رَضوة) تليق بها..

عَبُست ملامحه وأخذ يتمتم بكلمات ربما لو سمعتها لأخذت الجرّة وكسرتها على رأسه، ذهب ليبل ريقه ببعض الماء، طعمه أفضل هذه المرة، تساءل لو أن حياته أيضا صارت أفضل بزواجه من (عائشة) ورحيل زوجته، أفرغ في جوفه ما تبقى من الماء في (الصَحْفة) وذهب لأرضه يحرثها استعدادا للموسم الجديد..

(3)

لفت انتباهه صرخات أخرى، هناك دخان كثيف من جهة داره، أسرع العودة ليجد داره مشتعلاً، وبعد جهد جهيد تمكن مع الجيران من إطفائه، فقد زوجته وابنه وكل ما يملك في الدار، كل شيء احترق إلى الرماد، أغمي عليه من تأثير الدخان، أفاق على صوت العم (ولي) والد زوجته وأخوانها وبجانبه العم (أحمد) الذي أحضره إلى منزله، جاهد نفسه بصعوبة لحضور الصلاة والدفن ووقف ليعزي الناس ،عاد للبيت المحترق ليرى إن كان تبقى شيء يأخذه معه إلى منزل أهلها، فغر فاه من الدهشة عندما رأى (الصحفة) سليمة لم يصبها شيء بل زادت الخدوش على جوانبها وكأن أشخاصا آخرين تم نقشهم عليها..

أخذها إلى العم (ولي) والعم (أحمد)، حكى لهم ما جرى، تبادلا النظرات وأخبروه أن الفيصل في هذا الشأن هو رأي (السيّد عبدالله) في (جيزان)، هو أفضل من يفهم في الأسرار والأعمال، ولعلها (عين) حاسد لم تصل على النبي ﷺ وأهلكت دار (عائشة) و(عكّاش) وقتلت زوجيهما..

وفي رحلة امتدت لنصف نهار وصلوا أخيراً إلى منزل (السيّد) الذي استقبلهم بترحاب وطلب منهم أن يقصوا عليه ما جرى..

وبهدوء طلب منهم بعدها رؤية (الصَحْفة)، رفع حاجبيه ثم خفضهما وهو ينظر في ثبات للنقوش التي فيها، أخبرهم بأنه سيتخلص منها بطريقته فهي ملعونة، طالبه (عكّاش) بالتفسير فهو يشعر بأن الأمر كله والخطأ على كاهله وإن لم يصرح بذلك..

قال (السيّد عبدالله):

-لقد سمعت عنها من جدي، هذا النوع من الآنية مصنوع لأذية البشر، يحضّرها السحرة من دماء القرابين ورماد أشلائهم ممزوجة بالقذارة والطين، ويوقدون عليها في النار أياماً، ويستحضرون أعتى الشياطين والمردة ليندمجوا بها،  ولا يضعون عليها القطران لأنه يؤذي الشياطين، هذا النوع من الآنية مكلّف جداً وغالبا يستخدمه التجار أو الأمراء ليتخلصوا من أقرانهم وأعدائهم بأن يهدوهم آنية شبيهة من الفضة والذهب والفخار، لكنها بلا تأثير مالم تستحضر نية مسبقة من (حاملها)، أي أن من يستخدمها يوحي لها بأفكاره الشيطانية فتستجيب له وتطلق عنان الشياطين منها وتدمر من يريد، فتذهب أرواحهم إلى خالقهم بينما يحبس (الشيطان) الذي كان يقترن بهم موسوسا وجارياً منهم مجرى الدم في الإناء مع بقية الشياطين، وكلما كان هذا الإناء قديما كلما تعاظم خطره وضرره لكثرة الشياطين المحبوسة فيه ..

خاف (عكّاش) من الوصف، وارتعب من فكرة أن يشكّون بأنه هو السبب لما حصل لزوجته وابنه ولجاره (سالم)،وأن تعرف (عائشة) ذلك وتهابه وتخشاه فيحرم منها مجددا، فخطف (الصحفة) من (السيد عبدالله) وهرب بها خارجاً، فارتطمت قدماه بحاجز الباب وسقط على صخرة ناتئة اخترقت دماغه فخرّ صريعاً محتضنا (الصحفة) التي تشكلت عليها مجددا النقوش والدائر..

(4)

أثناء جولتهم السياحية القصيرة في القرية التراثية بجيزان في أحد أيام الخميس في بدايات القرن الحادي والعشرين، سألت إحدى الزائرات المرشدة السياحية (رباب) عن مسميات هذه الآنية في البيت الشعبي، تضايقت من هذا السؤال النمطي المكرور لأن هناك لوحات تعريفية على كل إناة وأداة قديمة، تكره هذه الوظيفة ولكنها لم تجد غيرها منذ تخرجت من قسم الصحافة والإعلام، نبهتهم إلى اللوحات التعريفية واستعدت للمضي قدما في هذه الرحلة التي لا يبدو أنها ستنتهي بخير، سألتها مجددا الزائرة عن ذلك الإناء الرمادي القبيح، نظرت إلى الإناء بتمعن وذهول ثم أجابتها:

-هذه (صَحفة)، تستخدم قديما للشرب، ولا.. لا أعرف تاريخها ولا من أين أتت، لقد ضج عقلي من كثرة أسئلتك، ليتني بقيت في منزلي أندب حظي وشهادتي على أن ألتقي أشخاصا مثلك كل يوم..

ألقت أوراق الجولة على الارض في عنف وتوجهت إلى الخارج، بينما غصت الزائرة مختنقة وسقطت على الأرض ترتجف في عنف، تعالت صرخات النساء في البيت الشعبي وأقبل الزوار والمسؤولين عليهن، تقسم إحداهن بأنها رأت الإناء يدور حول نفسه بجنون ونقوشه تزداد وتتعاظم مع صرخاتهن..

 

6 thoughts on “صَحْفَة … (من الاساطير الجيزانية)

  1. عائشة اليامية كتب:

    عجبني كثرة استخدامك للمصطلحات الجازانية .. أسطورة حلوة وأكيد راح أتذكرها كل ما نشتري صحفة 😄💟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s