كيوم ولدته أمه.. مشاهد من الحج

img_6139

(1)

تردد كثيراً أمام كشك البائع قبل أن يخرج الريال من جيبه ليشتري ما اشتهته نفسه، يتلفت يميناً ويساراً عله يسمع أصواتاً تتدافع من أجل وجبة مجانية، لا يرى سوى أمثاله حوله، يتأملون في الأطايب ويترددون، ويقنعون أنفسهم بأنهم هنا في مهمة مقدسة، فلا ضير في قليل من الجوع يتقربون به إلى خالقهم الذي رزقهم هذه الفرصة للحج..
وجوه كثيرة نصادفها في مشاعر الحج، بعضها بائس ومتغضن من آثار نحت الزمن عليها، جاءوا بالقرعة أو بإنفاق (تحويشة) العمر على رحلة العمر، رحلة سيعودون فيها كما ولدتهم أمهاتهم، طاهرين أنقياء كلون الإحرام الذي يرتدونه..

(2)

شقت الدمعة طريقها رغم محاولات عينيها لوأدها في محجريهما، طالعت في البراءة المتمثلة أمامها على هيئة أطفال، هم خمسة تختلف سحناتهم وكأنك في متجر ألوان، سمر وشقر وبيض ازدانت أعينهم بالفيروز والبحر واليشب والعسل، يجمع بينهم

-خلاف الطهر والنقاء- كونهم تائهون عن أهاليهم..

احتضنتهم وقدمت لهم العصيرات والهدايا، تناوب زميلاتها المرشدات على إضحاكهم واللعب معهم وأخذ ما يقدرون عليه من معلومات تفيدهم للتوصل إلى ذويهم، عممت مواصفاتهم على مراكز الإرشاد الكشفية في المشاعر..

” نداء من مركز الأطفال التائهين إلى مركز العمليات، خمسة أطفال بياناتهم كالتالي: مصري يبلغ من العمر سبع سنوات قمحي البشرة أخضر العينين اسمه محمد عبدالغني، سوداني يبلغ من العمر ست سنوات أسمر البشرة أسود العينين اسمه مجيد أحمد، طفلة سعودية تبلغ من العمر أربع سنوات بيضاء البشرة عسلية العينين اسمها شهد، طفل بخاري وطفل برماوي يبلغان من العمر ثلاث سنوات لم يتم معرفة اسمهم بعد، نأمل تعميم المواصفات على مراكز الإرشاد لإبلاغ أهاليهم بأنهم في مركز الأطفال التائهين”..

حال انتهاء بلاغ قائدة المركز حضرت أم الطفلة السعودية للمركز وتداخلت الزغاريد والتصفيق ودموع الفرح..

نظرت المرشدة بحنان لبقية الأطفال وعيناها تشع أملاً وتخاطب أرواحهم ” لا تقلقوا ملائكتي، ماما وبابا سيحضرون في أي لحظة”..

(3)

قادم إلى ربه مثقل بالخطايا، يبتغي مغفرة ورضوان، يخاطبه الله سبحانه في علاه أن أقبل يا عبدي وكن ضيفاً عندي وستعود كما ولدتك أمك طاهراً ناصعاً..

وكيف ذلك يا رب، مؤمن هو بأن رحمتك وكرمك وسعت أقاصي الكون وما وراءه، هل تمحى كل ذنوبه في لحظة لأنه فقط حج إلى بيت الله..

هو ليس حجاً فقط، بل رحلة رمزية تصور طريقك نحو الجنة، كي تصل لقمة العطاء لن تبدأ من القمة بل ستتدرج وتصعد..

تبدأ الرحلة بالتمهيد في منى بالتروية والتهيئة وزيارة البيت العتيق، ولكن ذلك ليس الحج، بل الحج عرفة ولله في ذلك حكمة..

عرفات خارج المشاعر المقدسة، يبدأ منها الحاج رحلته العظمى، مبتهلاً داعياً قارئاً لا يوجد في قلبه شريك لغير الله سبحانه..

ملايين الحجاج يدعون في وقتٍ واحدٍ يضخون من الطاقة الإيجابية ما ينعش الفؤاد ويجعل الملائكة تشتاق للنزول والقرب منهم، ولذلك عندما يموت الحاج يدفن بإحرامه كي لا يحرم هذه الطاقة والبركة التي ستنير طريقه إلى الجنة ..

ينتهي يومهم وقد اقترب كل منهم إلى الله خطوة، فيقربهم منه إلى مزدلفة ويرتاحون هناك محتفظين بما جمعوه من بركات..

ثم يقدمون إلى الجمرات فيرمون الجمرة الكبرى كناية عن لفظ الشر والسيئات من قلوبهم، يا رب كما أنعمت علينا بالغفران في عرفات سننبذ مافي صدورنا من غل..

ثم يتحللون ويحلقون رؤوسهم كناية عن البداية الجديدة..

وفي أول خطوة في تلك البداية سيقربهم الله سبحانه إليه أكثر فيطوفون بيته العظيم، ذلك المكان الذي يولد أكبر طاقة إيجابية في الأرض، وإن لم تصدقني فصف لي مشاعرك حينما ترى الكعبة رأي العين والراحة العظيمة التي تعتنقك حينها..

يعودون إلى منى معلنين بدايتهم الجديدة في الحياة، وما أجمل البداية حين تقترن بالذكر يوميا ورمي الجمرات – نبذ الرذائل كما أسلفت – ويمكثون يومين أو ثلاثة ويعودون إلى بيوتهم وقد اختزنوا من بركات الله ونوره ما يهيئهم لبداية جديدة..

عادوا من جديد، صفحاتهم بيضاء، ما اقترفوه من حسنات بقي وما اقترفوه من سيئات انتهى ومضى، عادوا أنقياء ينشرون الخير والسلام ويعمرون الأرض..

أحبتي..

إن قدرتم على الحج في سن مبكرة فلا تترددوا..

هناك من يقطع المسافات والسنين ليتم هذا الركن العظيم..

نشر في صحيفة النوار الالكترونية في 15/9/2016
http://www.nawarnet.com/?p=31827

2 thoughts on “كيوم ولدته أمه.. مشاهد من الحج

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s