كاتب ..

5755389_orig

(1)

منتشياً من هواء الفجر، تأبّط أفكاره حاملاً إياها معه إلى الممشى ليمارس رياضته الصباحية، تأكد من اكتمال عتاده قبل الشروع في المشي، بطارية الجوال ممتلئة وحذائه الرياضي لا زال على قيد الحياة، السماعتان تتوسدان صِوانيْ أذنيه، وعقله يلملم شتات أفكار المقالات والقصص القادمة.. 

سيكتب عن.. عن.. سيكتب عن الحياة، الأمل، الجمال، القيم، ابتسم قليلاً واستنشق مزيداً من الأكسجين في بداية مسار المشي، ما أجمل الصباح وشروق الشمس وسحنات مرتادي الممشى التي تأتلق، كل ما حوله يحفزه على كتابة مقال عن حب الحياة والخطوات التي تجعل من حياتنا ….

-أحمد كيفك ؟ 

-هلا، هلا.. 

رد بربع ابتسامة على احدهم، لم يتبين ملامحه جيداً، لعله أحد الجيران أو الزملاء أو ربما شخص ما يعرفه من أحد المناسبات، صوته ليس غريباً، يشبه… يشبه …. 

نفض الفكرة عن عاتقه، واستمر في مشيه، أراد أن يتذكر الفكرة السابقة التي سيبني عليها مقاله المقبل، عن الحياة، ماذا عن الحياة ؟ رأى لوحة مستشفى (الحياة) على يمينه، نعم نعم، سيتحدث عن الحملة الصحية التي أقيمت قبل فترة في المستشفى وكانت عن… عن …. 

ضاعت الفكرة، ربما يختار موضوعاً آخر، مد يده إلى جانبه يريد حاوية الماء لم يجدها، ولَم يجد هاتفه المحمول في جيبه أيضا، ولكنه يلبس سماعات الرأس، ويكاد يقسم أنه كان يسمع موسيقى فيروز، ربما من عشقه لها ردد دماغه كلمات الأغنية المفضلة له (بعدك على بالي)، قرر العودة للسيارة وشرب بعض الماء والتوجه لعمله ولاحقاً سيكمل المقال عن الحب، أم هو عن فيروز … 

(2) 

تبّاً لهذا الزحام، سيتأخر عن دوامه بعد أن أوصل أولاده لمدارسهم، لا بد أن يكتب مقالا عن حلول لهذه المشكلة، ربما في وقت لاحق بعد أن ينتهي من المقالة التي بين يديه والتي ستكون عن … عن … آه نعم الأحياء والحب، مهلاً، ما علاقة الأحياء بالحب ؟ هل يقصد أن كل من هو على قيد الحياة سيشعر بالحب، هذا بديهي، لماذا سيكتب عنه إذن ؟ ربما يقصد فيزياء الحب أو … نعم، هذا هو، كيمياء الحب، والهرمونات في جسدنا التي تشعرنا بالحب والقبول مثل هرمون ال……

أعاده إزعاج منبهات السيارات من يقظته بينما كان يبحث عن موقف عند الدائرة الحكومية التي يعمل بها، يا لهذا الصباح العكر، يحتاج لقهوة كولومبية سوداء تنتزعه من هذا المزاج، وبعد أن يستقر في مكتبه سيكتب المقال أخيراً عن الفيتامينات التي تتحكم في …. في …..، لا بأس ستعود الفكرة بعد تناول شاي الصباح.. 

ذلف إلى مكتبه بعد أن تحمل سخط رئيسه الذي أخبره أن تأخره المعتاد لم يعد مقبولاً، وأن مكانته ككاتب شهير في المجتمع لن تحميه من تبعات الحسم من راتبه إن استمر في تأخره وشروده، جلس على كرسيه في ضجر، رتب مكتبه قليلاً وطلب من العم (علي) مندوب الكافيتيريا أن يحضر له كوباً من (الحليب العدني)، تجول قليلاً في مواقع التواصل التي لا يطيقها لكنه يستغلها للأفكار الجديدة على الأقل، استقبل رسالتين نصيتين، الأولى من مدير التحرير يحثه على الإسراع في إرسال مقاله لليوم والثانية من زوجته تذكيراً بشراء بعض أغراض البقالة، لماذا لا يكتب عن هذا الموضوع بدلاً من البروتينات ؟ عن تأثير (المقاضي) اليومية على العلاقة ال….. 

-أحمد، ضروري تخلص ادخال البيانات هذه اليوم

وضع زميله كومة لا نهائية من الأوراق والجداول على مكتبه، ألا يرى أنه مشغول بالتفكير في مقال عن العلاقات العامة، تعجب من نظرة السخرية على محيا زميله، يوماً ما سيزيل نظرة السخرية عنه حينما يصدر كتابه، لكن أولا سيكمل مقاله عن الموارد البشرية ودورها في تعزيز ثقافة الشراء من السوبرماركت، ترى ما علاقة الموارد البشرية بالسوبرماركت !، أحضر العم (علي) كوب (الحليب العدني) ومضى، ما هذا ؟ لقد طلب منه (كابوتشينو)، ألم يعد العم (علي) يصغي السمع لطلباتنا ! سيشربه على أية حال ويكمل إدخال البيانات ثم يكتب المقال عن المطاعم ودورها في تنمية ال….. تنمية ماذا يا ترى؟ 

(3) 

عاد إلى منزله مع أولاده، نسي المرور لأخذ الأغراض، عاد مجدداً تفاديا لتأنيب زوجته، سيكتب مقال الصيدليات بعد الغداء، في طريق الذهاب والعودة تشتت تفكيره بين موضوع المقال وبين تفاصيل حياته الروتينية، الأفكار تطير من حوله وكلما أمسك زمام فكرة ما، أقبل عليه من يشتت انتباهه عنها، لماذا لا يستخدم مفكرة الجوال أو التسجيل الصوتي ليدون أفكاره قبل أن يصاب بالألزهايمر، أها… نعم تذكر، الحملة التي كانت في مستشفى الحياة قبل أيام كانت عن هذا المرض، هذا ما كان يفكر فيه هذا الصباح قبل أن يحول فكرة المقال باتجاه المغاسل، ترى ما علاقة حملة التبرع بالدم بالموضوع ! سيرتاح قليلاً ثم يعاود التفكير..

غالبه النوم، أو ربما هرب إليه بعيداً عن مشاكل المنزل التي لا تنتهي، تتهمه زوجته بالسلبية، هو ليس كذلك، فقط يريد جوّاً هادئاً ليرتب فوضى عقله..

بعد ثمان ساعات من النوم العميق، وبلا أحلام أو كوابيس تذكر، لعل عقله مشغول بالإمساك بأطراف الأفكار عوضاً عن الإبحار في عالم الأحلام، لفد قرأ قبل أعوام عن خطورة أن لا يحلم الإنسان، هذا يعني أن العقل الباطن لا يقوم بدوره وأن الجسر بين العقلين الظاهر والباطن قد اختفى، موضوع رائع للكتابة عنه بدلاً من حملة التهاب المفاصل وعلاقتها بمحلات الهدايا.. 

أخرج قلمه وكومة من الأوراق من جانب السرير، زوجته نائمة بجواره، الساعة تقترب من منتصف الليل، أشعل المصباح الليلي بجانبه وبدأ في كتابة عنوان المقال عن…. 

-بابا، لقد بللت نفسي.. 

وضع الأوراق جانباً وقام ليأخذ ابنته الصغيرة إلى الحمام ثم إلى فراشها مجدداً بعد أن ينظفه من الآثار، أشفق على زوجته من الاستيقاظ بعد المعاناة التي تمر بها كل يوم كزوجة وأم مع المنزل والأطفال، هذا موضوع رائع، سيكتب عن معاناة ربات المنازل وتأثيرها على صحتهن، وسيربط ذلك بالاكتئاب، غفت الصغيرة بسرعة في فراش أخيها الأصغر بعد أن رفضت النوم في فراشها المبلل، عاد إلى جانبه من السرير، أخذ أوراقه وبدأ الكتابة عن الزواج المبكر وعلاقته بالأنيميا المنجلية، ما الذي أوحى إليه كتابة هذا المقال يا ترى ؟ كوم الورقة جانباً وأخذ ورقة أخرى، قرر الكتابة عن معاناته ككاتب في اختيار المواضيع، وتأثير انقطاع حبل الأفكار بشكل مستمر ممن حوله، سيكتب عن آماله ككاتب وعن … وعن … لم لا يكتب عن الحياة، نعم، عن الحياة، الأمل، الجمال، القيم، ابتسم ابتسامة واسعة وأخذ نفساً عميقاً وانطلق قلمه يجري في رحاب تلك الورقة، يكتب عن … عن ….

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s