شغف

img_9968

” السعادة هي أن تتقاضى أجراً على ما تحب عمله “

هذه المقولة تمثلني، قيل كثيراً أن الشغف هو طريق النجاح، وأنا في طريقي لأن أصبح أسطورة في هذا المجال، كلا ليس هو عملي الرئيسي الذي أمقته من قلبي ببيروقراطيته اللعينة ومديري النزق وزملائي المتلونين، بل العمل الخاص في تطبيقات النقل العام الذكية، لقد ساعدتني في تحقيق أهدافي وصرت أعتمد عليها في مصروفي اليومي ولم يعد يعنيني الراتب كثيراً حيث يتكدس شهرياً في حسابي البنكي الذي انتهت بطاقة الصراف الخاص به قبل عدة أسابيع وأشكركم لتذكيري لعلي أتوجه إليهم في الغد، والآن لو تسمحوا لي هناك زبون ينتظرني في الحي القريب..
الساعة 8:23 م الركاب 2 الحصيلة 0 

ألقيت نظرة سريعة من خلال المرآة إليها، عيناها حمراوان للغاية، من تأثير البكاء بلا شك، ابنتها الصغيرة نائمة في حجرها، والحقيبة الثقيلة التي اضطررت لحملها وتغيير وضعية المقاعد الخلفية كي تسعها سيارتي SUV ذات الدفع الرباعي، وضع الحقيبة وتلك الدموع يعني شيئان لا ثالث لهما، إما أنها خرجت من بيت زوجها إلى بيت أهلها مصحوبة باللعنات، أو من بيت أهلها إلى بيت زوجها محملة باليأس والخيبات، وصلنا أخيراً، رفضت أن أتناول منها ريالاً واحداً وانتظرت إلى أن صعدت إلى منزلها وعدت للسيارة أبحث عن أي طلب في التطبيق في أي منطقة قريبة.. 

الساعة 8:56 م الركاب 5 الحصيلة 34 ريالاً 

شبابٌ عابثٌ، احتملت ضحكاتهم الفجة وسخريتهم مني ومن بعضهم البعض، سأتحمل من أجل هدفي الليلة ولن أدعهم يكدرون علي ليلتي، بقرب أحد الاستراحات توقفنا ونقدوني المبلغ بعد أن أقسموا جميعهم بأن الحساب لن يدفعه سواه وفي النهاية كانت (القطة) سيدة الموقف !.. 

الساعة 9:27 م الركاب 0 الحصيلة 7 ريالاً 

اضطررت لأن أدفع 27 ريالاً في المحطة من أجل الوقود وبعض الماء والعصير والبسكويت، لا يهم سوف أحصل على زبون قريباً يعوضني ما خسرت.. 

الساعة 9:34 الركاب 4 الحصيلة 23 ريالاً 

كن خارجاتٍ من إحدى الاستراحات في تلك المنطقة، أقللتهم متحاشياً أي نظرات معهن، هذه النوعية من الفتيات إما أن يستميلنك بكلامهن المعسول ولا يدفعن شيئاً أو يتحرشن بك طامعات في أي ردة فعل ليهددنك بها ويتملصن من الحساب، والمرأة مصدقة في مثل هذه الحالات عند الشرطة، لا أريد الدخول في متاهات أخرى، وصلنا إلى وجهتهن، مقهى مختلط يقدم المعسلات، تقدمت قليلاً عن البوابة حتى لا أصطحب معي أحداً من هناك، سبق لي أن أقللت أحدهم وأزعجني بهرائه عن علاقاته النسائية المتعددة قبل أن يلاقي مصيره الذي استحقه.. 

الساعة 10:02 م الركاب 1 الحصيلة 40 ريالاً 

تكفي لوجبة العشاء لي وللسيارة، ولها النصيب الأعظم لأنها تشرب الوقود كما نشرب عصير التوت في المواسم، سكون هذا الراكب مريب، أتمنى أن تكون العاقبة خيراً، توقفنا أمام نقطة تفتيش، أعطيتهم اثباتاتي وعضويتي في برنامج التطبيق، حاول الراكب بالخلف الهرب، لكن الأبواب موصدة على وضع حماية الأطفال، هكذا أستطيع أن أقلل من خسائري ممن يتملصون من الأجرة، طلب منه الشرطي هويته فتلعثم، أنزله وصعد به لجيب الشرطة وأمرني باللحاق به، طوال الطريق وأنا أمضغ أفكاري السلبية كمن يمضغ الصبار، كيف لي أن أعرف أنه مجهول الهوية؟ هل هناك قانون يجبر أصحاب سيارات النقل العام على التحقق من هوية كل من يستقل مركباتهم؟ وصلنا للمركز وبعد تحقيق سقيم لم يجد الضابط الفخور بنفسه أي دليل على معرفتي بهوية الراكب فقرر إيداعي في التوقيف إلى الصباح كي لا أكررها مجدداً كما يقول، عذر أقبح من ذنب، فاتني وسيارتي العشاء لكني سأعوضها بالإفطار..

الساعة 11:30 م 

دخلنا حجرة التوقيف مع بعض السكارى والمروجين والسارقين، نأيت بنفسي عنهم في الزاوية، ضممت ركبتي وألقيت برأسي عليها ونمت مباشرة بلا مبالاة للضجيج حولي ولا بالإضاءة الصاخبة التي تذكرني بالأفلام التي شاهدتها عن تعذيب سجناء الحرب.. 

الساعة 6:50 ص

مرت الليلة بسلام، رفضت إفطارهم الذي يصيبك التلبك المعوي بمجرد النظر إليه، حضر الضابط المتبختر وقرر إطلاق سراح ثلاثة أنا منهم بضمان محل عملي، فأنا أعمل ميكانيكيا في أحد الدوائر الخدمية، خرجت بلا سلام ولا شكر مني ولا اعتذار من قبلهم غير كلمة قالها لي عند خروجي (احمد ربك ما كبرنا الموضوع وإلا توصيل المجهولين عليه غرامة وسجن)، ابتلعت ما تبقى من كرامتي وقررت الخروج سريعاً!..

الساعة 7:00 ص

بقي ساعة على الدوام، سأفطر وأدخل بصمتي ثم آخذ راحة لبقية اليوم لمراجعة البنك، راجعت حصيلتي للبارحة، تبقى معي 70 ريالاً وهو مبلغ جيد قياساً بالأحداث، رحمت المرأة وابنتها من الحساب كما أن الراكب الأخير لم آخذ أجرتي منه، تبقى تسعة ضحايا هم حصيلتي لليلة، نعم ضحايا، ألم تقرؤونها جيداً؟ هذا هو شغفي في الحياة، التخلص ممن هم عبء على الحياة ذاتها باستهتارهم وجشعهم وغرورهم، بحكم عملي في الميكانيكا عدلت نظام التكييف الخلفي بحيث أستخدم غازاً منوماً سرقته من المستودعات، وحينما يفقد الركاب وعيهم أنزلهم في هدوء على بطونهم، وأضع قفازاتي وأجرح جزءاً صغيراً في جانب عنقهم حيث الوريد الودجي، أتراجع قليلا حتى لا يتناثر الدم على ملابسي وأتركه يتدفق في مشهد مهيب، لا يشعرون بالألم وينزفون حتى الموت، ولكوني أسكن في شقة مع رفيق سكني الراحل والذي استخدمت رقم هاتفه للتسجيل في خدمات التوصيل الذكية، لم يتوصل لشخصي أحد حتى اليوم، أكملت البارحة عدد 87 ضحية، ولن يتوقف العداد قريباً، كنت أعرف أن الراكب الذي معي البارحة مجهول الهوية من تصرفاته فاخترت الطريق الذي أضمن فيه الالتقاء بنقاط تفتيش، إيداعي التوقيف كان الحجة الأمثل للغياب بعيداً عن أي شبهة تحقيق في موت ضحاياي، كما أني لا ألجأ لسرقة متعلقاتهم بل أتركها معهم لإيماني بالهدف الأسمى وشغفي الأعظم وهو تخليص الناس من بؤسهم، لا تخبروا الشرطة عما أخبرتكم، عدوني بذلك، من يدري لعلي أكون سائقكم المقبل..

6 thoughts on “شغف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s