القصة الأخيرة

m-tcwwva_400x400

هزّ كتفي (عاصم) بشدة وهو يسأله عن مكان جدته (رضية)، استيقظ فزعاً ظناً منه أن زلزالاً قد وقع، استمر جده (بلغيث) في سؤاله بلا كلل، لم يجسر على إجابته بأن البارحة كان اليوم الثاني للعزاء في رحيلها المر والصادم لهم جميعا، وقف في هدوء وأمسك بيده المتغضنة كجلد التمساح من أثر الكفاح ليرشده إلى سريره الخشبي، كانت يده باردة للغاية وكأنما كانت تعتصر قطعة من الثلج، قرر أن يخفض التكييف ويحضر له بطانية أخرى من داخل المنزل..
يعيش (بلغيث) في غرفة في الفناء منذ أن أصيب بالألزهايمر قبل بضع سنوات، وقد تناوبت (رضية) وابنتها (فاطمة) على الاهتمام به حيث أنه لم يعد يعرف سواهما، كان أبناؤه وأحفاده يأتون لزيارته والاطمئنان عليه ولكنه كان صامتاً على الدوام وشامخاً كالأهرامات، ينظر في الفراغ البسيط أمامه ساهماً في ذكريات لم يعد لها وجود في ثنايا عقله.. 

لم يشعر بوفاة (رضية) ولم يحضر الدفن أو العزاء، أمرت (فاطمة) ابنها (عاصم) بألا يفارق جده لحظة إلى أن تنقضي أيام العزاء، لقد أحب (عاصم) حينما كان صغيراً حكايات جده عن البحر والصيد، كان يؤمل نفسه في قصة أخيرة تلائم عمره الآن فقد كان متيقناً بأن جده أخفى العديد من التفاصيل التي لا تصلح للصغار..

عاد (عاصم) إلى الغرفة ولم يجد جده، خرج إلى فناء المنزل ولم يجد له أثراً، ولا في دورة المياه، خرج إلى الشارع فلمح طيفه من بعيد، ناداه ولكنه استوعب أن جده لا يجيب أصلاً على من يناديه باسمه، وإلى أين يا ترى سيذهب بعد منتصف الليل ؟! لن يسعفه الوقت لإحضار مفاتيح السيارة والجوال من الداخل، أسرع الخطى ليلحق بجده قبل أن تدهسه السيارات، ففي هذا الوقت يكثر تواجد المتهورين.. 

انقطعت أنفاسه وانقبضت عضلات قدميه ولا يزال جده يسير بنفس الوتيرة السريعة، لم يعد يصلي في المسجد ولا يخرج في الفناء فمن أين استمد هذه القوة ؟! 

انقضت ساعة وهما يسيران إلى أن اقترب (عاصم) أخيراً من جده وأمسك يده، ولكنه أفلت يده في عنف وواصل المسير في صمت وإصرار، سار بمحاذاته متحاشياً الحديث معه حتى لا تأتيه نوبة فزع وسيفكر لاحقاً في حل يعيدهما إلى البيت، سمع زمجرة غاضبة من أحد الكلاب في الشارع سرعان ما تحولت إلى أنين عجيب وسط استغراب (عاصم) .. 

تأمل (عاصم) في الفراغ الشاسع أمامه، ونظر إلى جده وتسائل عم يفكر وهو يحث الخطى بحثاً عن هدفٍ لا يُرى، أهكذا هي الحياة، سعيٌ حثيث لتحقيق أهدافنا، التي نجهل إن كنا سنحققها ولكننا نستمر في السعي رغم ذلك.. 

توقف جده فجأة عند المنعطف وتوجه يمينا واستمر في مشيه، قاربت الساعة الثانية على الانقضاء، يشعر (عاصم) بالوهن الشديد ويريد أن يستلقي في الشارع لكنه لا يريد أن يتعرض جده لأي خطر، تمعن في الطريق فوجده مألوفاً، إنه الطريق إلى مقبرة المدينة، اعتصر الخوف والقلق قلبه، ما الذي يفعله جده بالذهاب إليها ؟! 

خلال دقائق وصلا إلى المقبرة، ذهب (عاصم) يبحث عن الحارس ليطلب الاسعاف لينقل جده إلى المستشفى فلعله تضرر من طول الطريق، هاتف أهله من هناك ليحضروا ويعيدونه إلى المنزل، استجاب الحارس على الفور، دخلا المقبرة بحثاً عن جده، هل يعقل أنه ذهب لقبر جدته ؟! ولكنه لم يحضر الدفن من الأساس، ذهب مع الحارس ووجداه مستلقياً بجوار قبر جدته (رضية) يغني أحد أغنيات البحارة القديمة ويعتصر تراب القبر بقبضة خشبية.. 

عاد الحارس ليستقبل الاسعاف وعائلة (عاصم)، بينما أغمض (عاصم) عينيه وهو يتخيل القصص القديمة التي كان يحكيها جده في صغره مع أغاني البحارة، عم السكون فجأة وصمت (بلغيث)، تردد (عاصم) وانتابه الخوف ولم يستطع فتح عينيه على الحقيقة الماثلة أمامه.. 

كان هناك قبرٌ مفتوح بجوار قبر جدته، حفره الحارس قبل ساعات حينما أخبره إمام أحد المساجد بأنهم سيحضرون بعد الفجر ليدفنوا أحد جيرانهم، رجاه (عاصم) بأن يحفر قبراً آخر ويترك هذا لجده كي يدفن بجوار زوجته.. 

حضر الاسعاف ووالد (عاصم) ووالدته وخاله، لم يعد هناك الكثير ليقال، تمنى أن يخبره جده قصة أخرى، وانتهى الحال بأن عاش معه القصة الأخيرة.. 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s