سأحكي لكم قصتي …

هنا في المقهى، إضاءة خافتة تشبه أعين الاطفال وهم يسمعون قصة ما قبل النوم، تجرعت الكوب السادس أو السابع من الاسبريسو، لا أذكر عددها فقد ضاع مني التركيز بعد الكوب الثالث، هذا ما يحدث عندما تشرب القهوة بتساهل كما تشرب عصيراً من الليمون بالنعناع، صار تركيزي منصباً على القلم والأوراق التي أمامي لأحكي لكم قصتي، أنا استخدم اللابتوب لكتابة القصة ولكنها صورة المثقف النمطية، قلم وأوراق وقهوة ولا بأس من (فيروز) في الخلفية رغم أنني (كلثومي) المزاج..

أنا يا سادة مررت بظروف صعبة للغاية، ولدت في قرية في اليمن، في سهول حضرموت المجاورة لجبال السروات، تعرفونها حتماً، هي ذات السلسلة التي تمر بشرق السعودية، ألم تعرفوا ذلك قبلاً ؟! نفس الجبال التي مر منها أبرهة الحبشي الذي أراد تدمير القليس، هل تذكرتم الآن ؟!

قصر قامتي لم يسعفني لتعلم الزراعة أو الصيد، كما أن عصبيتي المفرطة تسببت في طردي مراراً من المدرسة، لم يعد أمامي سوى طريق واحد وهو تهريب نبات القات والحشيش إلى الباحة..

ماذا بكم ؟!

أتريدون مني أن أتوقف ؟!

لكن هذه قصتي ألا تريدون أن تسمعونها ؟!

مغالطات ؟!

ماذا تعنون ؟!

إن قليلاً من الخيال لا يضر على الإطلاق..

حسناً لقد اكتشفتم الخدعة، علي أن أتصف ببعض الغموض حتى لا أفضح شخصيتي الحقيقية ، ولذلك فأنا أدين لكم بالحقيقة..

أنا لست يمنياً كما ترون فملامحي تتحدث عن نفسها..

أنا يا كرام ولدت وفي فمي سوارٌ من ذهب، في عائلة غنية في مدينة المنصورة من أب مصري وأم انجليزية، كنت في غاية الدلال وكل طلباتي مطاعة وأدرس في أرقى المدراس إلى أن قابلتها فانقلب عالمي رأساً على عقب..

تبارى الشعراء والروائيون عبر العصور لوصف الحب، لكنهم لم يحيطوا بما شعرت به معها، (منى) هذا اسمها، لو كان للقمر أخت لكانت هي، ولو كانت للشمس عينين لكانت بؤبؤها، ولو كان لل…. هل بالغت ؟! وكيف سأصف مشاعري بدون مبالغة مفرطة ؟! قد لا أجيد التلاعب بالكلمات كما يفعل الأدباء ولكني أحاول تقريب الصورة، سأكمل، اتفقت معها أن نذهب لباريس لنواصل دراستنا في الشامبزاليزيه، الجامعة الشهيرة، ندرس الفنون ونتأمل بالساعات في موناليزا الفنان الفرنسي دافنشي، ونجوب قارة أوروبا من شمالها لجنوبها على دراجة بخارية، ولكن..

وقف أهلنا بالمرصاد، لأنها مسيحية وأنا مسلم رفضوا ارتباطنا، قاومنا ولم نستطع، حتى أمي رفضت الفكرة من الأساس فهربت إلى هنا مجرداً من ثروة أهلي لأكون نفسي وأطلبها للقدوم والعيش معي، وآخر ما سمعت أنها تزوجت من ابن عمها، و…

ماذا ؟!

مجدداً ؟!

ألم تتعاطفوا مع قصتي ؟!

هناك حب واشتياق وووصف وفراق ؟!

كيف اكتشفتم الخدعة إذاً ؟!

الشامبزاليزيه ليست جامعة ودافنشي ليس فرنسياً ؟!

لا يعرف الجميع ذلك؟!

المسيحيون لا يتزوجون من أبناء عمومتهم ؟!

هل أنتم متأكدون ؟!

سحقاً ؟!

كل ما أردته هو تسليتكم وإخراج ما يعتمل في عقلي من أثر الكافيين، فقصتي ليست ملهمة كثيراً..

هل ترون أن الحقيقة أجدى أن تروى ..

حسناً..

أنا من جيزان، مدينة في جنوب السعودية، في الخمسينات من عمري تأثرت في شبابي كغيري بالصحوة الدينية التي بدأت في بداية القرن الماضي، أقصد الحالي، كنت كغيري مخلصاً للقضية، حاربت في سبيل الفكر المتشدد، أقصد المعتدل عفواً، احتاج المجتمع لموجة مضادة للفكر العلماني الليبرالي الامبريالي الذي انتشر بعد أن دمرت الكعبة بصاروخ من الايراني جهيمان وهو يصرخ المجد لآل يزيد، المجد للصفوة، حينها قررت أن أتحول إلى إرهابي، أقصد مناضل، أقاتل في سبيل الجماعة، متنورا بكتب المغربي سعيد قطب، و ….

حسناً، سأتوقف ؟!

أنتم أذكى مما توقعت ؟!

اعذروني فهذا تأثير الاسبريسو كما تعلمون..

أحاول جاهداً أن أكون أديباً يشار له بالبنان..

يقولون أن أجمل الأعمال الأدبية هي السير الشخصية..

لذلك سأتجاوز ما حدث..

وأنتم أيضاً..

سأعود من البداية فلقد وضعت جزءاً مني في كل قصة..

سأجمعها وأتناول كوباً تاسعاً أو عاشراً كي أركز..

كونوا بالقرب الآن..

وقبل أن يقفل المقهى أبوابه..

سأحكي لكم قصتي ..

أنا….

********

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s