لو استطاعت نفثها بعيداً كما الدخان

استغرقت نفثتها الأخيرة طويلاً وهي تراقب الدخان الأبيض المتموج يملؤ الأفق الماثل أمامها، كان بؤبؤا عيناها يتراقصان في جذل وهما يراقبان المعارك المحتدمة التي يرسمها الدخان الكثيف في صورٍ متداخلة تذكرها بأشكال السحب في منتصف ظهيرة شتوية..

هي لا تحب رائحة (المعسل) الذي اعتادت على مقارعته مع صديقاتها حين يهربن خلسة من محاضرات الكلية ويتحملن من أجله مضايقات لا حد لها من ذباب الطرقات، ولا تحب رائحة (السيجارة الالكترونية) التي أهدتها لها صديقتها في عيد ميلادها والتي تذكرها رائحتها بمنزل بعد الترميم أسرف أصحابه في استخدام معطر الجو حتى نفذ الأكسجين بجلده من الغرفة كي لا يختنق، ولا تحب حتى رائحة (سيجارة النعناع) التي لا تختلف إلا بالدخان الأبيض عن أي مشتق لاذع يحتوي النعناع كاللبان وغسول الفم..

كل ما تنتظره من طقوس التدخين اليومية هو مشاهدة (الدخان) الأبيض يتموج وكأنه يحكي قصة حياتها شديدة التعقيد فهي تدرس تخصصاً لا تريده وقد وافقت عليه فقط كي تقدم يومياً إلى المدينة هرباً من واقعها فوالدها معلم على وشك التقاعد وأمها هي زوجته الثالثة وأخوها الأكبر الذي يعمل معلماً أيضاً يريد تزويجها من صديقه القاضي بينما أختها من زوجة أبيها الثانية تريدها لشقيق زوجها وأخوها الأصغر يتنمر عليها ويتجسس على هاتفها ليرى من تحادث وماذا تنشر في مواقع التواصل وكونها وحيدة أمها جعلها تتمسك باستقلاليتها والتي تهددها بالمقابل صديقتها التي تعلقت بها لدرجة كبيرة وكأنها …، شخصيات وصراعات وتعقيدات وقصص تراها أمامها تتداخل مع الدخان الابيض الكثيف الذي لم تأبه يوماً برأي المجتمع والعادات والتقاليد فيه..

كل ما تتمنى يوماً لو أنها نفثت حياتها بتعقيداتها بعيداً كما تنفث الدخان، أخذت نفساً أخيراً وعميقاً وأطلقته في هدوء وهي تتخيل الموقف..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s