بقايا وصية

في جولته المسائية لتفقد القرية، وخلفه كاتب الديوان يريد اللحاق بالضوء الأخير لأنه يعاني من العشى الليلى، وقف (عميد القرية) عند أحد المنازل متفحصاً..

-تعال يا بني، انظر هنا، أترى اللون الداكن في ثنايا باب المنزل، هذا من آثار الطرق باليد، سنجعلهم يطرقون بالفأس عوضاً عن ذلك، كل صاحب منزل لا بد أن يعلق فأساً صغيرة أعلى الباب ليتم لطرق بها..

سجل الكاتب ذلك..

-وهنا، أترى وهج الفانوس، هذا زيت الحوت، هذا هدر لمواردنا، سنجعلهم يستخدمون دهن الغزلان فما أكثرها في وادينا، اكتب وسنعطيهم تعميماً بذلك..

-وهناك، رائحة الشواء تبدو شهية، هذا سيثير الفقراء، يمنع الطهي بعد المغيب..

-وهنا، طفلٌ يقف متسخ الملابس، هذا إهمال من والده..

قاطعه الكاتب:

-هذا يتيم يا سيدي، أمه تعمل في دارك، وهو يقف عند الباب ينتظرها مع أخته كل ليلة..

-وإن كان، هذا لا يليق، اكتب:

وقوف الطفل عارياً أهون من وقوفه بملابس متسخة تجذب الطالع السيء والشياطين..

لقد حان المغيب، سنعود ولا تنس أن تعمم ما قلت على أهل القرية..

علق كاتب الديوان التعليمات على دار (العميد) الذي ينتصف القرية، وبأعلاه عنوان (وصية)..

فارق (العميد) والكاتب الحياة تلك الليلة احتراقاً جراء سقوط الفانوس المشبع بدهن الغزلان..

ظن الناس أن الورقة التي احترق معظمها هي وصية (العميد) الأخيرة..

مرت قرون، قد خلت الأودية من الغزلان، يبيت الناس جوعى إلى انفلاق الصبح، والأطفال يقفون كل مساء بلا ملابس عند الأبواب وأعلاهم فأسٌ صغير..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s