لم يعد مجدداً وما زلت أنتظر

كنا جالسين عند البحر في بقعتنا البعيدة عن أنظار الصيادين، لم نتجاوز العشر سنوات حينها، قال لي والشغف يملؤ عينيه الزرقاوتين كما تفعل العينان حينما تكتشفان صديقاً أثيراً:

-لقد حكت لي جدتي عن رجل أشيب، يخرج من البحر قبل الفجر ويمضي إلى السوق ويقضى حاجته ثم يعود إلى البحر حالما ينتهي قبل شروق الشمس..

نظرت له في ملل وقلت له:

-وأين يضع قاربه يا ترى ؟! بالقرب من مرسى الصيادين..

-لا لا، أقصد يخرج من البحر، من عمقه، بلا قارب..

استنكرت ذلك، رددت عليه باستخفاف:

-يخرج من منتصف الماء، ستقول لي الآن أنه يخرج بلا بلل..

-نعم نعم، كشَعَري الآن، جاف ومالح..

-ستقول لي الآن أنك شاهدته أيضاً، أليس كذلك ؟!

-في الحقيقة، أجل، رأيته مراراً، خفت ألا تصدقني فقلت لك أن جدتي أخبرتني بذلك..

-وهذا يعني أن جدتك لم تخبرك وأنك تكذب علي..

-لا لا، هي لم تقل لي، لكني لا أكذب بل رأيته معها..

أزحت يده من على كتفي، لا أصادق الكاذبين، دفعته بعيداً، بكى بدموع يبدو لي بأنها أشد ملوحة من البحر

هرب إلى البحر، ولم يعد مجدداً..

ها أنا ذا عند ذات البقعة قبيل الفجر

مرّ ثلاثون عاماً

أترقب رجلاً أشيباً يخرج من البحر

فأسأله عن طفل له عينين زرقاوتين

يريد صديقاً أثيراً..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s