ألبُكّة وخردل بعسل الصنوبر ..

(1)

كانوا في المنتصف، صاحب المطعم وصديقه الصحفي المتخصص في مجال الأغذية والطبخ وثلاثة آخرون معه: ذواقة وناقد وثالثٌ يراقب..

جلسوا على طاولة مربعة، خمسة كراسي أحدها استعاروه من الطاولة الخلفية، ضوء الشمس يسترق النظر عبر ثنايا ستائر البامبو الفخمة على النوافذ..

الجو بارد لا يطاق وزاده برودة ذلك الهدوء الذي جمعهم قبل أن يطلق صاحب المطعم كلمة بددت السكون:

-ألبُكّة.. هاه..

وهز رأسه بندم ممزوج بالغضب وقام يجر خطواته نحو الباب ففتحه وأشار بيده للبقية أن تفضلوا خارجاً، تمعن في ملامحهم العابسة غير الراضية على طرده إياهم وهو يستذكر الأحداث التي سبقت هذه اللحظة في الأيام الثلاثة الماضية..

(2)

كان افتتاح المطعم أسطورياً، فالحي الذي يحتضنه معروف بتنوع الإثنيات فيه، هناك عائلات من أصول مغربية وهندية واندونيسية ويمنية وشامية وأفريقية ويونانية ومصرية، بل أن هناك إيطاليون وروس وأميركان قدموا مع عائلاتهم للعمل في أحد المشاريع الكبرى في المدينة، قرر صاحب المطعم أن يقيم مسابقة لأفضل طبق وأن يعلن لاحقاً عن توفير وجبات شعبية ونخبوية متنوعة ترضي كافة الأذواق، كان حلمه أن يرى مطعمه تجسيداً لتناغم شعوب كوكب الأرض وكاد أن ينجح في ذلك قبل أن يصغي السمع لصديقه الصحفي الذي أشار عليه بأن يجعل المسابقة نخبوية وأن يقيّمها ناقد وذواقة مشهوران على مستوى البلد وهو سيتكفل بدعوتهم..

أعلنت المسابقة على ثلاثة أيام، في اليوم الأول بوفيه مفتوح وإعلان للشروط، اليوم الثاني تقديم الأطباق لمن يرغب في المشاركة، اليوم الثالث يتم التقييم من الناقد والذواقة وإعلان الفائزين..

لو ألقيت نظرة للحاضرين من أعلى المطعم لوجدت أنك تشاهد كوكب الأرض متجسداً ولكن بلا بحار ومحيطات، كل القارات قد اعتنقت بعضها واقتربت وتذوقت تاريخ وتراث بعضها مع البهارات، اجتمع في طبق واحد لأحد الزائرين الكِبّة مع الكسكسي والكشري والكمونية والحلبة والكُدم وفي طبق آخر ساتي يجاور ماسالا وكانيولي وكافياراً معلبَاً وشريحة لحم بصلصة الباربيكيو، وأكواب عرق السوس وعصيرات المانجو وقصب السكر والموهيتو والرمان التي تندّت كؤوسها وتوزعت بخفّة بينهم، غنّوا ورقصوا وتعاونوا في تنظيف المطعم بعد ذلك وصاحبه ينظر مبهورا ويحسب في عقله كل مكاسبه من هذا التجمع مستقبلاً حينما يصبح مطعمه قبلة للعالم..

وزعت منشورات المسابقة، صفراء وحمراء وزرقاء، في الأولى تسجيل بيانات المتسابقين وفي الثانية حصر للأطباق وتوزيع للأركان وفي الثالثة اشتراطات تقديم الطلب للتقييم والتي تنص على الاهتمام بالشكل الجمالي للطبق..

(3)

في اليوم التالي أحضر الأهالي متحمسين أطباقهم، دجاجة مشوية تتوسد سلطة خضراء وكأنها تنام في حقل، شموس صغيرة من الأناناس تدور حول كرزة، كرات صغيرة من الأرز والعدس والبصل المقلي ومعها صلصة ومعكرونة رُتّبت على شكل العلم المصري، قطع جبن الفيتا والخس تراصت في طبقات فوق بعضها وكأنها لازانيا يونانية، يدان تتصافحان في طبق تتكون الأولى من قطع لحم ساتي والثانية من قطع دجاج ماسالا حرّيفة، طبق المرسة الجيزانية في المنتصف بينما العسل يرسم وجهاً مبستما فوق مزيج الدقيق والموز والسمن وهناك أطباقٌ أخرى تفنن فيها صانعوها..

حضر الصحفي وبصحبته الناقد والذواقة ورفيقهم الثالث، طلبوا من الجميع المغادرة، دخلوا لدقائق معدودة، خرجوا ووقفوا أمام باب المطعم وألقى الناقد خطبة عصماء عن انهيار الذائقة الفنية والبنيوية للطعام وكيف أن الشعبوية الغذائية ستتسبب في إفساد ذائقة للمجتمع وخصوصاً النخبة، وقال إن الطبخ والأكل فنون لا تقل أهمية عن الكتابة والرسم، وعليهم أن يستفيدوا من المطبخ الفرنسي الوجودي ثم دعاهم إلى الحضور في الغد لمشاهدة الفن الحقيقي..

دخل الأهالي بلا مبالاة، غنوا ورقصوا وأخذوا الصور التذكارية مع أطباقهم ووزعوها على الحاضرين وتعاونوا في تنظيف المطعم بينما صاحبه يراقب وهو يعيش شعور التناقض بين رغبته في اجتذاب أهالي الحي كزبائن دائمين وبين حرصه على التصنيف العالي لمطعمه في صحيفة صديقه كي يضمن ارتفاع الأسعار ليغطي التكلفة الباهظة لإنشاء المطعم..

(4)

أشرقت شمس اليوم الثالث وتوافد الأهالي لرؤية الأطباق النخبوية التي تحدث عنها الناقد، وقبل دخولهم ألقى خطبة عصماء أخرى عن تطور الذائقة لدى الإنسان وأن ما كان ينفع في الماضي لا يصلح أن يقدم الآن فالعالم يتغير، وصار الأدب والفن تجريبيان وكلما كانت الأعمال معقدة ومستعصية على الفهم كلما لقت التقدير، وحان دور عالم الطبخ بأن يرتقي لمستوياتهم، وشدد على أن الأطباق بالداخل ليست للتذوق فقط بل هي لكل الحواس وأنها تحفز على التفكير في الحياة وأسئلتها الفلسفية..

لم يجذب انتباه الكثير بكلامه بل كانوا ينتظرون فراغه كي يأكلوا ما يسد رمقهم بعد الانتظار الطويل، دخلوا فشاهدوا عشرات الأطباق على الطاولات والتي تمثل وجهاً خالٍ من الملامح، بقعة صفراء وبجوارها بقعة زرقاء في مكان العينين وأسفل منها بقعة حمراء قانية في مكان الأنف وشريحة لحم بنية رقيقة للغاية يُرى منها بياض الطبق وكأنها ابتسامة عابس 😐..

استمر الناقد في حديثه معهم، ” انظروا لهذا التناسق الجميل، الألوان الأساسية التي خُلقت منها الفنون، هذا خردل بعسل الصنوبر وهذا مستخلص التوت الأزرق بزبدة حليب الماعز وهذا في المنتصف قطرة دم الأيل ممزوجة بمفروم فطر الكمأة وهذه شريحة لحم الألبُكّة المدخنة في المنتصف ”

ترددوا كثيراً في تناول الطبق إلى أن تجرأ أولهم وأجهز عليه في لقمة واحدة لتغص عيناه بالدموع ويتحشرج صوته فانطلق مهرولاً للخارج يبحث عن أقرب حاوية نفايات، ساد الهرج والمرج وتدافعوا نحو الباب بينما صاحب المطعم مذهول وكأنه يرى أمواله تطير طوعاً إلى الفرن..

صرخ عليهم الناقد، ” إن شريحة الألبُكّة هذه كلفتنا الكثير، فهو لا يأكل إلا العشب البيروفي، عودوا وتعلموا الفن والذوق”

اقترب صاحب المطعم من الصحفي واستفسر عن ماهية الألبُكّة هذه فأخبره بأنه حيوان يشبه اللاما في مرتفعات جبال البيرو..

عاود سؤاله عن ماهية اللاما فقال له إنه حيوان صغير يشبه الجمل..

اختلط الأمر على صاحب المطعم، لحم الجمل مطلوب ومرغوب، لماذا لم يقدمه بدلاً من التلبّك الذي حصل ؟!..

وفي دقائق معدودة، فرغ المطعم من رواده، بقي خمستهم على طاولة واحدة، صاحب المطعم يطالع في هاتفه لصور الألبُكّة وهو مستشيطٌ من الغيظ، والناقد يتحدث مع رفاقه عن تدهور الذائقة الفنية في المجتمع وأنه لن يهدأ له بال حتى يرتقي بفكر العامة، وضع رفيقهم الثالث-المراقب أصبعه في الخردل ومن ثم في فمه فسرت قشعريرة في جسمه من غرابة الطعم لدرجة أن لسانه شُلّ عن التفكير فأقنع ذاته بأن صعوبة فهم حاسة الذوق لهذا المزيجلهي دليل على فرادة (النص) – عفواً (الطبق)..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s