كيف غيرني المرض ؟

يتدافع الناس بضراوة على الدخول إلى حصن يأويهم من غارات جوية، أحدهم ضعيف البنية وهزيل كطارد الغربان، يدفعونه للخلف بلا هوادة حتى يجد نفسه خارج البوابة التي تقفل تلقائياً، فيبحث عن شجرة يحتمي بها بينما الغارات تدمر الحصن ومن فيه عن بكرة أبيهم وتعود إلى قواعدها محققة هدفها ، فيراقب عودتها ويتساءل..

ربما لو كان بالداخل للقي نحبه معهم، ربما أن هزاله وضعفه كانتا تذكرة له لحياة جديدة، يسعى فيها لتقوية ذاته ومساعدة غيره ويحرص على نزع الأنانية من قلوبهم..

نحن في الحياة كذلك..

تمنعنا الظروف المحيطة بنا عن تحقيق ما نرجوه، فنيأس ونحنق ولا ندري أن في ذلك خير لنا لم نعلمه..

قبل مرضي كنت شخصاً مختلفاً، عنيداً للغاية، عصبي المزاج، متقلب الرأي، قراءاتي صنعت مني مثقفاً خاوياً بلا قيم، فتتحكم بي الأهواء والتيارات وأسعى لإرضاء كل من يتسلق على عاتقي لينجح، وتحاصرني الشكوك والاتهامات والحسد من كل مكان..

مرضت واعتقدت أن العالم انتهى بالنسبة لي، كنت أقضي يومي بالقراءة والمشاهدة من باب تزجية الوقت لا أكثر، اعتقدت أنني سأنعزل كقط أجرب تحت حاوية ماء في فناء أحدهم، وحيداً أنتظر الموت، ولكن..

لقد غير المرض فيّ أشياء كثيرة، وكأن غشاءً على عيني قد نزع، صرت أكثر صبراً وحلماً وتحملاً، وأكثر ميلاً لتجربة الأشياء الجديدة، معظم أحلامي حققتها بعد فترة الزراعة، اكتشفت أنني قادرٌ على الكتابة، على التدريب والتخطيط، تعاظمت الرغبة في السلام والهدوء، والاهتمام بأناقة اللباس والحديث، ومساعدة الآخرين بلا تحفظ، لم تعد الأضواء تستهويني، لم تعد المناصب طموحاً أسعى إليه، أعمل من خلف الستار، مجدي وسعادتي في قلبي، وسعيت للصداقات الثابتة الجميلة بعيداً عن صداقات المصالح..

تبقت لدي عيوب كثيرة، فقد أنفجر في لحظة وأعود لمراجعة ذاتي، حساسيتي ارتفعت، دائرة عزلتي اتسعت، وأسعى للتخلص منها بفضل اتساع دائرة ادراكي، فالاقتراب من الموت يوسع مدارككم فتأكدوا من ذلك.

حتى عندما شخصت ذاتي بالاكتئاب قاومت وانتصرت عليه لأن عقلي أتقن لعبة الصبر والمقاومة، لم يعد ذلك الأرنب الخائف من تربص الثعالب والنسور، بل عنقاء تُخشى ولا تهاب الموت فستعود حتماً من الرماد..

لقد تحولت قناعاتي لأتأمل أكثر، لأفكر في المستقبل، في أبنائي، في الطريق، نهاية الرحلة، ماذا بعد ذلك ؟! لماذا نحن هنا ؟! لماذا يستجيب لنا الكون وكأن هناك رابطاً خفياً يجمعنا به ؟!

ربما لو لم يصبني المرض في فترة مبكرة من شبابي لكنت شخصاً مختلفاً، ربما افضل ربما أسوأ، من يدري، لكن الأكيد أن التجربة بعينها خلقت مني روحاً أرحب تواقة إلى المزيد..

تجربتي كانت مع المرض، غيري مع السجن، اليُتم، الفشل، النبذ، التهجير، الحرب، الاكتئاب، التنمر، الخوف المرضي..

لا تستهن بأثر التجارب عليك، فهي نقاط تحول تصقلك وتحول احتراقك إلى نور دائم، وستشع يوماً كالألماس، كمنارة، كنجمة..

10 thoughts on “كيف غيرني المرض ؟

  1. فواز المصري كتب:

    جميل جدا واعجبني المقطع الاخير ، لله درك وليد

  2. احمد خضري كتب:

    يا سلام عليك . كم أسعد بقراءة ما تخطه أناملك أخي وليد.

  3. محمد هزاع كتب:

    رائع يا وليد
    الاستفادة من كل شيء
    حتى المرض .
    نقطة ايجابية
    ولكن ( الحساسية ) وبعض الافكار السلبية
    نقطة سلبية
    سببها قلة قراءتك للقرآن الكريم في فترة مرضك ( مجرد قياس وتوقع )
    لأن كلام الله سبحانه وتعالى كفيل بغذاء روحك وطرد الافكار السلبية التي كانت تندابك بين الفينة والأخرى
    ولمعرفتي القوية بك فعلا غيرك المرض الى الافضل بأكثر مما تشعر يه انت
    وهذا ليس كلامي انا فقط بل كل من يعرفك يقول ذلك
    اسأل الله أن يمتعك بالصحة والعافية وإن يطيل عمرك في طاعته

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s