بحثاً عن الإلهام

(1)

“وهذا اعترافي قبل أن أقتله، لعلكم تتفهمون موقفي”

كـُتبت هذه الجملة على صفحة بيضاء تحمل اسم الفندق، منذ أن واجه المؤلف الشهير (قفلة الكتابة writer’s block) وأصدقاؤه بنصحونه بهذا الفندق في مدينة (سانتوريني) الساحرة في اليونان..قُدمت له الدعوة مع تذاكر التنقل بالطائرة كهدية ضيافة من الفندق ليسكن في الطابق التاسع والأخير، هناك خمسة غرف فقط مطلة على البحر وبالتجهيزات التي يبحث عنها، أرقامها فردية (1، 3، 5، 7، 9) وليس هناك أرقام زوجية تقابلها لأن ذلك الطابق مخصص للكُتّاب الذين توجه لهم الدعوة فقط، ولذا فإن الطوابق السفلية بها عشرة غرف بكل طابق خاصة بالسياح تبدأ برقم الطابق وغُرَفُه، الطابق الأول (11,12,13,..) والثاني (21,22,23,..)، وهكذا..

وصل إلى الفندق فاستقبله الساعي بجوار البوابة وهو شابٌ عاديّ الملامح بنظرات حائرة، ليصعدا في مصعد خاص شفاف يطل على البهو، سلّمه الساعي مفتاحاً خشبياً منحوتاً على شكل كتاب مفتوح وينتصفه الرقم (5)، رأى من الأعلى النزلاء وهم يتحادثون وكأنهم في حفلة تنكرية، نزيل يرتدي ملابس ك المحقق (شيرلوك هولمز) وآخر بلحية بيضاء طويلة ك(جاندالف) وثالث يرتدي ساعة ميكي ماوس في يده كما يفعل (لانغدون) وهناك كهلٌ يشبه (رفعت اسماعيل) يرتدي بذلة كحلية ويكح باستمرار في وجه شاب مغولي بجانبه وآخرون بأزياء عسكرية رومانية وعربية ونازية ورجال سياسة ونساء جميلات يشبهن أجمل عشيقات الروايات الرومانسية..

عرّف الساعي عن نفسه باسم (ميم)، استغرب المؤلف الاسم فهو يذكره بشخصية رواية (الواجهة) التي تعتبر أول رواية يقرؤها في حياته، هل ذلك من قبيل المصادفة ؟! ثم استقبله في الدور التاسع رجلٌ أسمر مهيب، عرّف عن نفسه باسم (عطيل)، لفتة جميلة من الفندق بأن يكرم شكسبير بإطلاق أسماء شخصياته على العاملين، قاده (عطيل) إلى الغرفة التي تتوسط الطابق..

ما أن دخلها ودهش لاتساعها حتى لمح المكتبة في جانب الغرفة وبها جميع الروايات الكلاسيكية والناجحة عبر العصور، هناك أيضاً نظام صوتي متقن به آلاف السيمفونيات الهادئة وأصوات الطبيعة، جدران عازلة للصوت، سرير وآرائك ومكتب ومدفأة مزيفة، إضاءة تتراوح بين الخفوت والسطوع من جهاز التحكم، دولاب به أفخر أنواع الكونياك والسجائر والشاي والقهوة، ودولاب آخر به سجادة صلاة وبساط يوجا ومصحف وإنجيل وكتاب مزامير وتأملات، مرآة ضخمة تتوسط منتصف الجدار، وهناك بجوارها تلك الاطلالة على البحر، باختصار جميع ما يرغب به أي كاتب من هدوء وسكينة ليُبدع..

كان المؤلف منبهراً بهذا التقسيم الذي يراعي احتياجاتهم، عانى كثيراً حتى يجد مكاناً مناسباً يكتب فيه روايته الجديدة بعيداً عن ضغوط الحياة والعائلة والعمل التي لا تنتهي، كان يشعر بأنه في دوامة في منتصف المحيط، ما أن يتفتت قلبها حتى تجذبه دوامة أخرى قريبة تحرض أمواجها المتلاطمة عليه، هذا الفندق سيكون معتزلاً له في اليابسة، سيحدق إلى البحر من النافذة بتحدٍّ كلما انتهى من فصل في الرواية ليخبره أنه في مأمن من العواصف هنا..

(2)

على المكتب وجد كتابا ضخماً يشبه في تصميمه تلك التي في المكتبة، بجانبه ريشة ودواة حبر أحمر، وبطاقة تحمل ملاحظة “نتمنى لك إقامة سعيدة، ولأجل تجربة أفضل اكتب روايتك في هذا الكتاب تيمناً بالكتاب العالميين ثم انقلها على جهاز الحاسب”، أحب هذه اللفتة المميزة من الفندق وتخيل روايته وهي تتوسط هذه المكتبة العريقة والتي لا شك أن كبار الكتاب تركوا بصمتهم فيها..

كان متعجباً من شدة اتساع الغرفة، خرج ودق الباب على بقية الغرف ولم يرد عليه أحد، وكأنها للتمويه وليس هناك غرفة غيرها وهذا قد يفسر اتساعها..

عاد وتوسط الغرفة ووضع الكتاب والريشة والدواة أمامه، بدأ يكتب ليفاجأ بتموج المرآة أمامه..

كان يصف بطل روايته الجديدة فوجده يتجسد على المرآة وكأنه يرى شاشة سينمائية، وليس كمثل تلك الثيمة المعتادة للشخصيات التي تبحث عن مؤلف، كان هذا العكس تماماً، فهو يخلق الشخصيات على الكتاب ليراها في المرآة وهي تراه بالمقابل، الشخصيات التي وَجَدَت مؤلفها الذي خلقها من العدم، اقترب البطل من حاجز المرآة ليحيي الكاتب بامتنان ويعود لعالم الرواية فرد له المؤلف التحية في انبهار، استمر المؤلف في الكتابة مبتهجاً لأنه عرف السر، هذه الكتب وهذه المرآة مسحورة ولهذا يفضل العديد من الكتاب الحضور هنا ليعيشوا أجواء رواياتهم، ليته علم بذلك قبل أن تصيبه لعنة الكتاب الدائمة..

تعب من الكتابة فاستراحت الشخصيات مؤقتاً، يريد أن ينام لكنه يعاني من أرق مزمن، تمنى لو طلب من (عطيل) بالخارج أن يجلب له رفيقة تؤنسه، لا أحد يعرفه في المدينة، فلو مارس المنكرات التي حُرم منها فلن يمنعه أحد، أخذ قدحاً من الكونياك فأصبح ذهنه في عالمٍ آخر، نسي أن يستدعي (عطيل) ليخدمه، وبادرته فكرة جهنمية، لماذا لا يكتب في الكتاب مشهداً حميمياً ويراه أمامه على المرآة ثم يمزق ما كتب بعدها ويعود للرواية ولن يعلم أحد بذلك..

أعجبته الفكرة فنفذها ونجحت، أخرج ما كبتته نفسه من رغبات جنونية لم يكن لتتخيلها عقول (كازانوفا)

والماركيز (دي ساد) و(جان بابتيست) في رواية العطر مجتمعين، خمسة أيام بلياليهن والمؤلف ينهل الكونياك كما ينهل الماء ويكتب أبشع مشاهد الجنس والتعذيب والاغتصاب ويراقبهم في الجهة الأخرى من المرآة بينما تجلس شخصيات روايته جانباً يراقبونه بتقزز..

ضاعت الخيوط الرئيسية للرواية وعاودته قفلة الكتّاب مجدداً فانفعل المؤلف مع الصفحة الأخيرة المتبقية في الكتاب بعدما مزق معظمه، صرخ بأعلى صوته بأن الكونياك مسموم بعقار يسبب الهلوسة أو أن هناك غازٌ في هواء الغرفة يسبب الجنون، فرمى بدواة الحبر في المرآة فتشققت، لم يتحمل بطل الرواية هذا المشهد فخرج من المرآة إلى أرض الغرفة وأخذ الريشة من يد المؤلف الذي جحظت عيناه من الرعب ثم دفع بها إلى صدره وأخرج قلبه بعنف وأخذ الدواة وعصر كل الدم بداخلها وأعادها إلى المكتب، عاد إلى المؤلف الذي تسرب دمه إلى الأرضية الخشبية بيما تنازع روحه للخروج فطواه بعظامه وثيابه كما يطوي صفحات الكتاب ووضعه بداخل الكتاب وحشره حشراً في ركن المكتبة الأسفل ثم توجه إلى المكتب وفتح جهاز الحاسب وبدأ يكتب الرواية مجدداً..

(3)

ما أن انتهى البطل من كتابة الرواية، استدعى الشخصيات في المرآة والتي ساعدته على تنظيم الغرفة وإعادتها لسابق عهدها، فأُصلحت المرآة ثم ودّعهم وتغيرت ملامحه ليصبح شبيهاً بالمؤلف، حمل الأمتعة ومعه نسخة الرواية التي سيتحدث عنها العالم طويلاً، فخرج من الغرفة وأقفل الباب..

ها قد سمعتم اعترافي..

أرجو أنكم قد قدرتم موقفي بقتله..

لقد لوثني واستغل ما وفرته له من عطايا وإلهام واحتياجات ليبدع..

لا لست أنا بطل الرواية من يحدثكم..

أنا هي الغرفة..

نعم أنا من قتلته وقد كان يستحق أبشع من ذلك فدمُه النزق سينعش أحشائي قليلاً..

قد سمعتم من قبل عن أسطورة الغرفة المسكونة والبيت المسكون وغيرها..

نعم إنهم أنا وقد استوحت قصصهم مني..

منذ الأزل وأنا أبحث عن الكتّاب في كل مكان..

كنت كهفاً في السابق..

وكوخاً في حيواتٍ أخرى..

وغرفاً ومنازل وطوابق وحتى قصوراً..

من عصرٍ إلى عصر ألتقي بالكتّاب وأعطيهم ما يريدون، وصوفوني قديما بالبوابة التاسعة إلى الجحيم وببوابة النجوم وبالجانب المظلم وبالملهمة (Muse) وقد رسموني بأجمل الأوصاف لعدم قدرتهم على تحويل كياني المكاني إلى جسد يفهمونه..

كنت أريهم القصص في الماء والمرايا وفي الدخان الأبيض وفي السماء بين النجوم..

وكل ما أردته بالمقابل جزءاً من روحهم يبقى معي، فكل الشخصيات في الفندق حقيقية بينما يحسبهم النزلاء مجرد شخصيات تنكرية، وكل الكتب العظيمة في مكتبتي إما ذكرى من مؤلف عظيم أو احتجزت بها مؤلف أحمق بينما استبدلته ببطل روايته ليعيش المجد عوضاً عنه ويخبر الكتاب الآخرون عني فيقبلون إلي..

لقد نال المؤلف ما يستحقه وها قد اعترفت لكم..

إن استمتعم بما حصل فأرجوكم أخبروا بقية المؤلفين الذين يعانون من قفلة الكتابة عني، قولوا لهم أن هناك فندقاً في (سانتوريني) سيُلهمهم..

لعلي أكون كبينة فضائية في طريقها إلى مستعمرة بشرية في المريخ مستقبلاً، من يدري ..

4 thoughts on “بحثاً عن الإلهام

  1. عزالدين الحازمي كتب:

    جميييل جدا يا مبدع
    تنقل سلس وخيال فسيح ودمج مبهر بين كمية من العوالم

    دمت متألقا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s