ملعقة من رماد

وضعت سيجارتي على طرف طبق أبيض صغير على حوافه مثلثات متداخلة زرقاء وخضراء، وأمامي الشاي في قدح أبيض قبيح يحمل ذات النقوش، أخذتهما من دولاب أمي وفيه تحتفظ فيه بهدايا زواجها الثاني الذي ما تزال آثاره وندوبه على جسدي، لاحظت أن الدولاب يميل قليلاً، ربما لو كنت أجيد النجارة مثل زوج أمي لأصلحته وأصلحت معها الكرسي الخشبي الذي يبدو بأنه سيقتل نفسه ويدعو دابة الأرض لتُجهز على ما تبقى منه على أن يتحمل جلوسي المطول عليه هذه الأيام..

أنا لا أدخن، كما أنني لا أحب الشاي، أضع في القدح قطعة سكر يتيمة وأراقب البخار المتصاعد الذي يضفي تموجاً يطغى على ملامح الدولاب الأعرج، ربما لو وضعت حجراً تحته لعاد سليماً كيوم كان شجرة..

لم تعد لدي رغبة للكلام منذ الحادثة، كلما تذكرتها مسحت على جبيني المتصبب بكُم المعطف الرمادي الذي كان يعلقه زوج أمي خلف الباب، بجوار الدولاب الذي ينظر إلي ّ برأس مائل كالنعامة..

باغتتني أمي قبل أيام وأنا أبحث في أوراق زوج أمي، أصبنا بالذهول فقد كنت لا أعرف عن ماذا أبحث؟!

قمت بعدها وأعددت الشاي وأشعلت سيجارتي وجلست أراقب البخار، وكأنني أدخل في حالة تنويم ذاتية، أستدعي فيها الأرواح التي سكنتني من قبل ولادتي، لا أتذكر سوى ذكريات زواجي ويوم أحضرت هذا الدولاب، لكنني لست متزوجاً !!

في منتصف الدولاب هناك جرة رماد، تلك التي نحتفظ فيها ببقايا أحبتنا بعدما نحرق جثثهم، نبقيها معنا إلى أن نقرر نثرها فوق بحيرة فيأخذ الماء ذاكرتهم ويحكيها للريح، في هذه الجرة يقبع زوج أمي الذي قتلناه قبل عام وادعينا اختفاءه..

سئمت من ضربه لي ولأمي لأتفه الأسباب، جسدي مليء بالندوب وآثار السجائر وحروق الشاي، ألقيت عليه الكرسي ذات يوم وهو يبرحها ضرباً لأنها وضعت قطعتي سكر في قدح الشاي الذي يذكره بزوجته الأولى فترنح واصطدم بالدولاب، قام إلي بوحشية وخنقني حتى كادت روحي أن تصعد قبل أن تباغته أمي بطعنة نافذة بين كتفيه في منتصف المعطف الرمادي الذي استحال لونه قانياً من الدماء، لم تمهله الطعنة طويلاً فسقط أمامي وعيناه المغدورتان تتوعدانني بالانتقام..

أخذنا جثته إلى خلف المنزل، أمرتني أمي بأن أعود للداخل وأتخلص من آثار ما حدث، هي تولت تقديمه قرباناً للتنور ثم جمعت رماده في جرة ووضعته في الدولاب بجوار اقداحه ومعطفه وسجائره كغنائم حرب..

استيقظت في الصباح التالي للحادثة برغبة عارمة للتدخين، صببت الشاي مع قطعة سكر لا شريك لها في قدح أبيض قبيح، فتحت جرة الرماد ووضعت ملعقة منه في الشاي، جلست على الكرسي الذي تأثر من رميي له على زوج أمي الراحل، مرتدياً المعطف الذي احتفظ كُمّاه باللون الرمادي، أراقب الدخان والبخار يتلويان أمامي وأفقد الوعي وأحلم بيوم اشتريت المعطف وأنا عائد من الحرب..

مضت أشهرٌ عدة على هذا الحال، لم أعد أعرفني، ملامحي قفزت ثلاثين عاماً إلى المستقبل، أمي تعتقد بأنني فقدت عقلي بعد الحادث لكنها تخاف من اعترافي للسلطات فقررت إبقائي في المنزل، هي ليست أمي الحقيقية بل زوجة أبي الراحل الذي كان يعمل نجّاراً، لا أعرفه فقد توفى وأنا طفل وهي ربتني على أنني ابنها كي لا يأخذوا منها المنزل الذي نعيش فيه..

بدأت أستعيد ذكرياتي، أمي – أنتم تعرفون من هي الآن ولكنني اعتدت على مناداتها بهذا اللقب – كانت تعد القهوة، لا أطيق رائحتها، أذكر أن زوج أمي أبقاها ليلة كاملة بجوار التنور المستعر كي يطهرها من رائحة القهوة التي تذكره بأعوام الحرب التي قضاها كجندي..

قمت مسعوراً وسكبت إناء القهوة في الأرض وناديتها بأبشع الأوصاف وكدت أن أضربها لكن بنيتي الهزيلة لم تسمح لي، تأكد ظنها الآن بأنني لم أعد أنا، الجرعات الصغيرة التي أتجرعها من رماد زوجها آتت أكلها وتلبسني، كانت تراه بوضوح في عيني، ضربتني بالإناء ففقدت وعيي وسحبتني إلى التنور..

أقف الآن حائراً بجوار الباب، المعطف المهترئ والدولاب العتيق الذي لم يعد مائلاً بفضل حجر أسفل قدمه، أقداح الشاي مقلوبة، وهناك جرة رماد بداخله مملوءة لأعلاها، ورائحة القهوة في الأثير، وأفكر بإقناعها بإضافة ملعقة من رمادي في كل مرة تصنعها..

2 thoughts on “ملعقة من رماد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s