إنه يجري في العائلة..

هذا التعبير الانجليزي الشهير it runs in the family والذي يدل على أن صفة معينة تتناقلها أجيال هذه العائلة سواء بالجينات أو بالتعلم..

كنا نرى – قبل نصف قرن تقريباً – ظاهرة العمل العائلي family business في كل مكان في العالم، ومن أتيحت له الفرصة للسفر سيجد -على وجه التحديد- مصانع أو مقاهي أو مطاعم أو محلات خدمية بإسم عائلة معينة أنشئت قبل فترة طويلة وما زالت مستمرة ولكن المفارقة الجميلة أن كل العاملين بها من نفس العائلة، والطريف أن هذا المصطلح يطلق في نيويورك على أعمال المافيا وخصوصاً الإيطالية ولك أن تعود لسلسلة أفلام العراب The Godfather للرائعين مارلون براندو وآل باتشينو وروبرت دينيرو وأيضاً فيلم family business لشون كونري ودستن هوفمان..

في الأحياء القديمة -حينما كنا صغاراً- كان بعض أصدقائي يقتطعون جزءاً من وقت اللعب ليمكثوا في محل جدهم (الخياط) أو (البقال)، فيتولوا الحسابات وترتيب المحل على سبيل المثال، بينما يدرب جدهم أخاهم الأكبر أو ابن عمهم على أصول المهنة، أما الآباء فيساعدون الجد على إدارة المحل وتوسيعه، كنا نزورهم من أجل مشروب مجاني أو لسماع أحاديث الجد الشيقة لكن سرعان ما طوى الزمن تلك الذكريات، وأصبح أصدقائي معلمين وأطباء ومهندسين وجنوداً وهجروا الحارة القديمة التي لم يعد متبقياً منها سوى أبواب نقشنا عليها أسماءنا بالمسامير الصدئة..

أحد طلابي المميزين علماً وخلقاً (وليد محرم) كان يتحين الفرص ليشارك معي في الفرقة الكشفية ومباريات الكرة في المساء، لكن غالب وقته كان مع والده وأخوته في بيع رقاق (المطبق) الشعبي -والذي يعرفه بعض أبناء الحجاز باسم (القرمش) والزلابية وعالمياً هو ذاته dumplings أو الدونات الصغيرة المقلية على شكل كرة-، يستيقظ (وليد) قبل الفجر ليساعد والده في الإعداد، وبعد الصلاة يبيعون ما لديهم إلى وقت بداية المدرسة، وفي المساء قبل المغرب يعاودون ذلك، العم (محرم) وأبنائه ذكروني بطفولتي، حيث أن أبناء (الصياد) صيادون وأبناء المزارع (مزارعون) وكذلك أبناء (الراعي) و(الحداد) و(النجار) و(الصائغ) و(الصباغ) و(الخياط) و(البناء) وغيرها من المهن الأصيلة لأجدادنا والتي لربما عرفوا بها أكثر من أسمائهم الحقيقية وصارت لقباً للعائلة..

كبر الأبناء – فترة السبعينات الميلادية وما بعدها- وقرروا أن الحياة تحتاج لمهن أخرى أكثر استقراراً في الدخل وأفضل مستوى، لم تعد هناك مطاعم عائلية سوى بالإسم، واختفت المهن البسيطة لعدم حرص الأحفاد على تعلمها ولو بالوراثة..

لعلك عزيزي القارئ تختلف أو تتفق معي بحسب نظرتك، من حق كل إنسان أن يطور أسلوب حياته، لكني أريد أن أشاركك مشاعري وأنا أكتب في مقهى محلي أنشىء قبل ثلاثة عقود كما هو موضح في اللوحة الخارجية والعاملون فيه من نفس العائلة صغاراً وكباراً..

أسمع قصصاً ملهمة حديثة عن رواد الأعمال والذين أشركوا معهم أخوتهم وأقاربهم في إدارة أعمالهم، أتمنى أن تنتشر هذه الظاهرة ويعود الزمن الجميل لتكاتف العائلة في تحقيق هدف يتفقون عليه ويعطي لأسمائهم قيمة ويورثونه لأبنائهم..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s