كارما

(1)

أثار حفيظته ذلك الاتصال المفاجئ من جاره القديم ورفيق الطفولة (ماجد)، لم يتواصل معه منذ عقد تقريبًا، ألعلّه يريد مالًا؟! لا يتصل عليك شخص من الماضي هذه الأيام إلا إن أراد نقودًا، تبًّا لهذا العصر المادي الذي أفسد العلاقات بين الناس، ولكن ماذا سيرد عليه لو طلب منه ذلك؟!
مهلًا ولماذا يفكر ويستبق الأحداث ويسيء الظن، يجب أن يحسن الظن في الآخرين كما تعلّم في آخر دورة حضرها عن الارتقاء الروحي، آخذ نفسًا عميقًا وقبل الإتصال.
-نعم
-السلام عليكم، هل هذا رقم (محسن)؟!
-نعم يا (ماجد)، ما يزال رقمي كما هو، أسعدتني بإتصالك وأتمنى أن تكون بخير..
-أنا بخير يا صديقي العزيز، أنا في عجالة من أمري لأنني في الطريق إلى موعد ما، المهم، لن أطيل عليك، هل تذكر (موسى)؟! (موسى) صديق الطفولة الذي كان يلعب في مركز الحراسة، الفتى الضخم الذي كنا نتقي شره بإعطائه السندوتشات على ألا يتنمر علينا وأن يلعب معنا لنخيف به بقية الفرق، هل تذكره؟!
-وكيف أنساه؟! ياه، يالها من ذكرى، مر على ذلك عشرون عامًا، ماذا عنه؟!
-لم أخبرك من قبل، (موسى) كان مسجونًا في تهمة قتل غير عمد، اصطدم بعائلة وهو مخمور قبل عشرة أعوام، لا أعتقد أن أحدًا منهم نجا من الحادث، اتصل علي قبل يومين وهو خارج من السجن ويريد مقابلتي، أخشى الذهاب وحيدًا، هل ترافقني؟!
-طبعًا، نحن بالغون وواعون ولا أظنه يشكل لنا تهديدًا بعد اليوم، لقد توقعت أن (الكارما) سترتد عليه يومًا ما نظير تنمره وسوء خلقه، أتدري أنني لجأت لطبيب نفسي بعدما عانيته منه يوم أضعت ضربة الجزاء في المباراة النهائية وخسرنا المكافأة ولامني على ذلك لأنه كان يريد شراء بعض الملذات والمسكرات بها، هناك ندوب على فخذي إلى اليوم من شفرة السكين التي كان يلوح بها على قدمي ليلة الهزيمة، سأذهب معك فقط لأذكره بأنني لن أسامحه..
-المعذرة يا (محسن)، شهدت الموقف معك وأعلم تمامًا ما تشعر به، أنا وصلت لموعدي، سأرسل لك رقمه لتتواصل معه وتحدد معه موعد ومكان اللقاء، ووافني بالتفاصيل، اجتماعي لن يزيد عن نصف ساعة..

(2)

تأمل طويلًا في الرقم، يتصل، لا يتصل، صراع منهك لعقله، ليس من السهل الحديث مع متنمر جلب الكوابيس لعالمك الطفولي، حتى وإن كبرنا سنظل نخشى ذكريات الطفولة السيئة، لكنه قرر أن يتصل، على الأقل ليواجهه لمرة أخيرة..
-السلام عليكم
-نعم (بصوت باكٍ)
-المعذرة، هل هذا رقم (موسى)؟!
-نعم (زادت حدة البكاء)
-أعتذر، هل لي بالحديث معه؟!
-لا أستطيع، لقد.. لقد رحل..
-رحل؟! عذرًا على تطفلي، من أنت ولماذا تبكين؟!
-أنا ابنته، قدم أبي بالأمس، شرب قنينة كاملة من الويسكي وضربني ورحل، بحثت عنه في كل مكان، أعلم أنه ليس في وعيه، لا أستطيع إيجاده، إن كنت تعرفه فساعدني أرجوك..
-حسنًا حسنًا يا…، هل لي بإسمك لو سمحت، أنا (محسن) صديق قديم لوالدك..
-أنا (هدى)، (هدى العطار)..
-مرحبًا بك (هدى)، أرجوك تمالكي نفسك، سأقوم بمكالمة صديقي وسنبحث عن والدك ونعيده إليك..
-نعم أرجوك، ساعدني، فقدت أفراد عائلتي جميعهم، أريد أن أشعر بالأمان مجددًا..
-أعدك بأنني سأفعل، كوني بخير..

(3)

لم ينتظر طويلًا، اتصل على (ماجد)، لم يرد في المرة الأولى، الثانية، لن يتوقف حتى يرد عليه ويشاركه هذه المسؤولية التي القاه فيها..
-(محسن)، لم ينته الإجتماع بعد، ماذا حدث؟! انتظرني لدقائق..
-لا أستطيع الانتظار، اسمعني، يبدو أن المتنمر (موسى) مفقود، أخبرتني ابنته قبل قليل، اسمها (هدى) وتقول أنه عاد للشراب وبعد أن فقد عقله ضربها وخرج ولم يعد، أنا سعيد أنه لم يعد، ما يزال صوت الفتاة في أذني وهي تتهدج من البكاء حزنًا على حاله وعلى حالها، أريد أن أساعدها لا أن أساعده فهي لا ذنب لها، سآتي إليك ونذهب إلى مركز الشرطة ونبحث عنه ونقدم بلاغًا رسميًا فيه بمساعدة ابنته ليعود إلى الحجز فهو خطر على المجتمع، ربما هي فرصتي للانتقام، لا أدري، المهم أنا في الطريق إليك..
-مهلًا، مهلاً (محسن)، ماذا تقول؟! (موسى) لم يتزوج من قبل وليس له أبناء لا بالحلال ولا بالحرام، أنا متأكد من ذلك..
-كيف؟! وابنته التي حادثتني؟! ربما لم يخبرك من قبل..
-أنا متأكد يا (محسن)، كنت أتابع (موسى) لفترة بعد أن تخرجت لأنني أردت أن أساعده على العودة للحياة الطبيعية، لكنهم أخبروني بأنه فقد ذكورته في معركة خاضها في أحد الحواري ولا يستطيع الزواج والإنجاب، وبسبب ذلك انجرف في طريق الإدمان وذلك أدى للحادث الشنيع الذي أخبرتك عنه، عائلة (العطار)، رحمهم الله..
-عائلة (العطار)؟! هل قلت أن اسم العائلة التي قتلت هي (العطار) مثل اسم عائلة (موسى)..
-لا لا يا صديقي، اسم عائلة (موسى) هي (السيّار)، هل نسيت؟!
-اختلط علي الأمر، لكن، لكن الفتاة التي أجابتني قالت أن اسمها (هدى العطار)، لعل الأخر اختلط علي، على العموم أنا في سيارتي وقادم إليك وسنجد حلًا يطوي هذه الذكرى من حياتنا..

(4)

تنفست (هدى) بعمق خلف مقود السيارة في ذلك الشارع الخلفي، ألقت نظرة أخيرة على جسد (موسى) المقيد والمسجى أمامها في الطريق، دهسته خمسة مرات، ما زال يتنفس، لن يهدأ لها بال إلى أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، عشرة أعوام وهي تنتظر لحظة الانتقام بعد أن قتل عائلتها ولم يتبق سواها، عشرة أعوام بين الملاجئ وبيوت الأقارب الذين عاملوها كخادمة، عشرة أعوام بعد أن استوعبت ما حصل لها وقررت أن تستقصي ساعة خروجه بعد أن وصلها الحكم عليه بالسجن بعشرة أعوام فقط، لم تستغرق وقتًا طويلًا لتفقده وعيه بعد أن تجرع زجاجة كاملة كانت قد وضعتها عند باب منزله القديم، العادات السيئة لا تموت بسهولة، أخذت نفسًا عميقًا للمرة الأخيرة، أغمضت عينها، داست على دواسة الوقود كثور يضرب الأرض بحافره ليهاجم، واطلقت العنان لعدالة الانتقام لتأخذ مجراها..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s