الرجل الذي أصبح ثقبًا أسود

(1)

“سأحدثكم عن اليوم الذي انتهى فيه العالم..”

بدت ملامحه هادئة وهو يهمّ بسرد حديثه على تسجيل الفيديو في الصاروخ الفضائي الذي يقلّه إلى المجهول، كانت ملامحه هادئة بعكس وجهه المشتعل، حرفيًا..

“لا تخشوا وجهي المشتعل فأنا لا أشعر بالألم، تخيّلًوا فقط أنكم تتحدثون إلى نجم، نجم حقيقي كباقي نجوم الكون، لا تتعجبوا فسأحكي لكم القصة، أتعلمون، ربما كنت مبالغًا في ردة فعلي وهذا ليس أسوأ شيء حدث لي، ربما للعالم، نعم، أنا أسوأ ما قد حصل لهم، لكنني لا أشعر بسوء، هناك رسالة في الموضوع، ربما أنا أحكي لكم الآن لتصلكم هذه الرسالة، ربما لن تصل، لا أعلم، مهلًا لا تستعجلوني، أنا أتحدث كثيًرا كصرّار الليل، أتعلمون، الآن أشعر بالشفقة على الطبيعة بأشجارها وممالك حيواناتها وبحارها، لم يكن لهم ذنب فيما حدث، أشعر برغبة في البكاء، لا أظن أن عيني قادرة على إفراز الدموع بعد اليوم فلا يوجد سوائل في جسدي، نار ملتهبة فقط، ألم أقل لكم إنني نجم، وفي الطريق لأن أتحول إلى….، أتعلمون، دعوني أحكي لكم القصة أولًا لكي تفهموا، بدأت الحكاية منذ سبعة أشهر تقريبًا، بدأت بشعور الألم الحارق قي صدري، وكأن بركانًا شعر بالحنين إلى غيمة في السماء كانت تظلّه، فانفجر شوقًا إليها”

(2)

(في عيادة الطبيب قبل سبعة أشهر)

قلّب الطبيب أوراق التحاليل والأشعات بحيرة، لا يجد شيئًا مفهومًا..

-هل هناك ما يقلق يا دكتور؟!

-لا أعلم، صدقني لا أعلم، جميع وظائفك الحيوية سليمة، وأعضائك تعمل بصورة مثالية، لا أجد تفسيرًا للألم الذي تشعر به، ولا لحرارة جسدك، تشريحيًا من المفترض أنك ميت، درجة حرارتك تجاوزت ال45، لا أصدق عيني، سأحادث الوزارة فحالتك محيرة بالفعل..

حضر وفد من الخبراء والأطباء في مستشفى تخصصي تابع للدولة، ووفد خبراء أجانب حضر أيضًا لمعاينة المريض الذي وصلت حرارته فوق 100 درجة مئوية، يفترضون أن السوائل بداخله قد تبخرت، لكن كيف؟! تعجز كل أجهزتهم عن قياس وظائفه الحيوية لشدة حرارة جسده، حتى أنه بدأ يضيء مما اضطرهم لأن يرتدوا واقيًا لأعينهم..

-أنا أرى أن الموضوع خرج عن نطاق الطب، هذه الظاهرة تحتاج خبراء في الفيزياء الفلكية، نحن في مجال لم يسبق لنا خوضه من قبل، الأمر خطير..

اتفق الكل على ما حدثهم به الوزير وبدأت التنسيقات مع الوفد الأجنبي الذي نصحهم بمخاطبة وكالة الفضاء الدولية والاستعانة بخبراء (ناسا) ووكالات الفضاء..

(3)

(شمال آيسلندا، بجوار براكين يوجافجالاجوكول)

حكّوا رؤوسهم في حيرة، اقترب رئيس المجموعة التي انتخبت لدراسة حالته:

-لا أعلم كيف أخبرك بذلك، لكن باختصار، هذه صدمة بلا شك، لكنك، لكنك تتحول بشكل تدريجي إلى.. إلى نجم..

-أعلم ذلك سعادة الرئيس، جميع الصحف والقنوات تريد دقائق من وقتي ليعرفوا سر هذه الظاهرة الغريبة..

-لا، لا أقصد نجم شباك ومشهور، أقصد فعليًا أنت تتحول إلى نجم، كما النجوم في الأعلى، أتفهمني؟!

-أنت تمزح، بالتأكيد تمزح..

-كلا، هذ البيئة الوحيدة التي استطعنا فيها دراستك عن قرب بأقل مخاطرة، طقس ايسلندا قارس البرودة، والبراكين لكي نعتاد على حرارتك العالية، أتعلم لماذا وضعناك في العراء ومنعنا عنك الأجهزة والمرايا..

-لا، كنت أستغرب حتى عدم احتياجي للأكل والشرب والملابس وغيرها من الحاجات الأساسية، ما الذي يحدث معي؟!

-سأريك..

أمر الرئيس أعوانه من العلماء يإحضار مرآة ضخمة ووضعوها بالقرب من البركان، طلب الرئيس منه أن يذهب ويرى بنفسه، ذهب ورأى نفسه، وهو لا يصدق عينيه، كان يشتعل، بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، كأنه شهاب اخترق الغلاف الجوي ونسي كيف يطفئ نفسه..

-ماذا يعني ذلك؟!

-بياناتنا تشير إلى أن هناك كرة بلازما تتكون في جسدك، وتجذب الهيدروجين والهيليوم من السماء، سيتحول جسدك إلى حاوية اندماج نووي، ثم يولد من داخلك (نجم)..

-هل سأنفجر؟! (قالها بسخرية)

-كلا، ليس في الحال، لكن جاذبيتك قد توثر بشدة على الكوكب، لم تخطر ببال أي عالم أن يفكر في احتمالية وجود نجم على كوكب الأرض وعلاقة ذلك بالشمس، لكن الأمر خطير جدًا إن لم نتداركه..

-سيدي، سيدي.. (قاطع حديثهم أحد العلماء)

-ماذا هناك؟!

-هناك خبر ينبغي عليكم أن تشاهدوه، خبر عاجل سيفسر كل شيء..

(4)

تسمروا أمام تلك الشاشة الهولوغرامية التي تنقل الحديث، يبدو بأنه مقطع فيديو قديم لأحد العلماء..

“مرحبًا أيها العالم، ربما أقصد وداعًا..

لن أطيل..

عالمكم فاسد، لا فائدة ترجى، حاولت أن أنصحهم ولكنهم منعوني..

أقصد زملائي في معمل سيرن CERN في سويسرا، أنا أحد العلماء الذين ابتكروا مصادم الجزيئات، كانت الفكرة أن نشهد اللحظة التي ولد فيها الكون، الانفجار الكبير Big Bang، نريد فقط مراقبة ما حدث لنفهم النظرية التي تفسر كل شيء في الكون كما أسماها أينشتاين، هذا الكون يتلاعب بنا ولا سبيل لفهمه سوى أن نخوض في فيزياء الكم لنفهم، لكن للأسف..

حدثت كارثة لم يتحدث عنها أحد، تجربة نتج عنها تكوين ثقب أسود صغير، ولو لم نجهض التجربة مبكرًا لتعاظم هذا الثقب وابتلع الأرض وما جاورها..

الكارثة التي أتحدث عنها أن هناك علماء باعوا ضمائرهم وأرادوا بيع هذا السر للدول العظمى ليصبح السلاح الجديد، لماذا أهدد خصومي بالقنابل النووية إن كان بيدي سلاحًا ينتج ثقبًا أسود موجهًا ومحدودًا يبتلع دولة فقط بلا خسائر نووية ويتم التخلص منه بجاذبية مضادة تنتج ثقبًا أبيض فيتلاشيان..

كانت فكرة عبقرية ومجنونة ومرعبة، لكن ضميري لم يسمح لي فطردوني بعد أن علمت بذلك النخبة الحاكمة للعالم فقتلوا زوجتي وهددوا بقتل ابني الرضيع، ولم يعد للحياة طعم بعدها..”

فترة صمت ونشيج بكاء صدرت من العالِم، بينما انتظر المشاهدون بحماس تكملة هذا السر الخطير..

“اللعنة على أولئك الشياطين، عفوًا، هذا اعترافي سيصل إليكم بعد عشرين عامًا، أعتذر منكم لكن لا فائدة، كان يجب علي أن أنهي كل شيء قبل أن نتحول إلى وحوش، هناك نظرية تتحدث عن الأكوان الموازية وولادة الأكوان لأن الطاقة لا تفنى ولا تستحدث، لن أصدع رؤوسكم بالتفاصيل، المهم أنني اخترعت نسخة مصغرة نانوية من مصادم الجزيئات وأخفيتها في قلب طفلي لكي تتنشط بعد عشرين عامًا، في ذات توقيت هذا الفيديو، طفلي سيكون الخلاص لهذا العالم، أعدكم بأنه لن يشعر بألم، ولا أنتم كذلك، وليغفر لي الرب، تأهبوا للرحيل، سأرسل الفيديو الآن مشفرًا لجهة ما وهي ستقدمه لكم بعد المدة المحددة”

ثم رفع العالِم مسدسًا من الأسفل، وضعه في فمه وقتل نفسه أمام الكاميرا ليزيد الجمهور صدمة فوق صدمة حديثه..

(5)

(قاعدة بايكونور الفضائية، كازاخستان)

كان وقع اعتراف العالِم صادمًا، تحولت الأرض إلى صدى ضخم للابتهالات والأدعية، كل دولة وقومية عادت إلى دينها الرسمي وتوقفت الحياة ولم يبق إلا الصلاة، للحظة عاشت شعوب الأرض في سلام كان من المفترض أن يعيشوه منذ زمن بعيد..

كانت صدمة عميقة للشاب الذي اكتشف أن العالِم هو أباه الذي سلمه لعائلة صديقة له لتربيه، وبسبب شعوره بالذنب وافق على اقتراح السلطات الدولية أن يصعد على متن صاروخ مغلف من الداخل بالرصاص المستخدم في المفاعلات النووية، سيذهب بعيدًا في الفضاء إلى أن ينفجر النجم بداخله ويصبح ثقبًا اسود..

تم تجميد الشاب في حاوية نيتروجين سائل من المفترض أن تحتويه لعدة سنوات قبل أن تذوب من حرارته، شارك سكان العالم في ابتهال جماعي، راقبوا الصاروخ وهو ينطلق بعيدًا، عادت العائلات لبعضها، اقترب المحبون من بعضهم، لعل المستقبل يحمل لهم أملًا في حياة جديدة ونجاة من هذا المصير..

زادت حرارة الشاب بشكل فجائي في الصاروخ وذابت حاويته بعد ساعات فقط، قام واقترب من كُوّة زجاجية تظهر فيها الأرض، كوكب أزرق صغير، به من الحياة ما لا يخطر على البال، شعر بغصة وقرر أن يحكي جانبه من القصة، لن يشاهدها أحد على الأرجح، لكنه يريد الحديث على الأقل..

(6)

“وهذه قصتي، أنا الرجل الذي سأصبح ثقبًا أسود، يا للسخرية، إن وصلتكم هذه الرسالة يومًا فاعلموا أنه لا ذنب لي في نهاية العالم، قالوا لي أن كل شيء سينتهي وسيعاد تجسيده في كون مختلف أو موازي إن كان تأثير انفجاري عظيمًا أو ربما يكون انفجارًا محدودًا يقضي فقط على هذه المجموعة الشمسية، لم يكونوا متأكدين من شيء، ولا أنا أيضًا، أشعر بشيء بداخلي يتحرك، تمامًا كيوم شاهدت حبيبتي لأول مرة، أشعر بالشوق إليها الآن فقد منعوني من التواصل معها بعد ان اكتشفوا النجم الذي ينمو في أحشائي، أشعر بحنين إليها، قالوا لي أيضاً أننا -البشر- أتينا من غبار النجوم، أطفال النجوم أو بذور النجوم، لا أذكر فعلًا، المهم ابحثوا عن ذلك، وأحبوا بعضكم وعالمكم، ولا تسمحوا لهوس السيطرة أن يدمركم كما حدث معنا، إن لم تفعلوا فقد يأتي منكم من يغرس في قلب طفله ثقبًا أسود، تمامًا كما حدث معي، لم أعد أعرف ماذا أقول، ها قد اخبرتكم كيف انتهى العالم الذي أعرفه، فأرجوكم، اعتنوا بعالمكم”

أغمض عينيه، توهج أكثر، وأكثر، شعر بالأضواء تخترق جسده ومحيطه، لن يلبث إلا ثوانٍ لتنكمش جاذبيته على نفسها، ويصبح ثقبًا اسود، ويبتلع كل شيء ويعلن نهاية العالم..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s