الجار للجار..

الليلة الأولى الساعة 11:12 م..
تختلف طقوس الليل من شخص لآخر، السكينة الوادعة التي تقذفها العتمة الظاهرة أمامه هي الوسيلة الوحيدة لكبح جماح الأفكار المؤذية التي تسببها العتمة الماكثة بقلبه، أصبح في الفترة الأخيرة حساسًا جدًا إن تعلق الأمر بالضوضاء ونعيق الأشخاص، حتى أن أدنى همسة قد تترك ندبة في طبلة أذنه، لا شيء سوى الهدوء في عتمة الليل يعيده إلى ذاته عندما يجلس على كرسيه في الشرفة المطلة على مدينة نائمة يأمل ألا تستيقظ، هذا الهدوء الذي كدر صفحة بحيرته للتو صوتُ صراخ امرأة قادم من أحد الشقق أسفل منه، سيتحمل قليلًا فهو يعرف أن لا دخل للجيران ببعضها في هذا العالم..

الليلة الثانية الساعة 12:13 ص
صوت صراخ آخر، صراخ عجيب من نوعه، لا تعلم إن كان نتاج تعذيب وضرب مبرح، أو لعبة حميمية يمارسها أفراد متطرفون وجامحون بينما يشي منظرهم في الواقع بالأناة والتهذيب والبرستيج، هؤلاء الأشخاص الذين يحسُن مظهرهم ليواري نخرًا متزايدا في ارواحهم، الصراخ يتعاظم وهذه المرأة تتعذب، هل يخبر الشرطة؟!

الليلة التالية 1:24 ص
إلى الآن لم يصرخ أحد، ما أثار استغرابه فعلًا أن بقية الجيران لم يتحدثوا بالأمر في المصعد، ذلك المصعد الذي يتحول كل صباح لجلسة نميمة من طراز فاخر، يكاد لا ينجو ساكنٌ منها حتى هو، ومتأكد بأنه يومًا ما بعد أن أدار ظهره لرواد المصعد قد تم إنشاء حفلة غيبة على حسابه وكم أنه إنسان هادئ عديم التواصل ويحمل سرًا خطيرًا، فالهادئون في نظر العالم هم قتلة متسلسلين على الأغلب..

ليلة أخرى 2:35 ص
تمنى أن تعود الليالي كليلة البارحة، هدوء يغري الناس للنوم والذئاب للبحث عن قمر يعوون له ويشتكون خيبة الغابة، ارتاح من الصراخ المؤذي والذي يقتلع القلب من مكانه إن كان له قلب ولم يتحول مكانه لحفرة تبتلع ما يقع فيها ولا يعود، أخذ يتنفس بعمق لكنه اضطرب عندما سمع ذات الصرخة، لا بد من حسم هذا الأمر للأبد، قام وارتدى ما يزيل عنه الشكوك إن رآه أحد وحسبه مخمورًا نسي بيته، تجول بين الأدوار وأبواب الشقق يسترق السمع يسترجي أن تصرخ إحداهن ليتأكد، بعد عناء طويل سمع الصوت مجددًا فانطلق لا يلوي على أمره ليتتبع هذا الصوت، هل الجيران يعانون صممًا دائما ولا يسمعون كل هذا الجنون، أصرخة مجون هذه أم نداء استغاثة، استقر به المطاف في الدور السادس، أدنى من الدور الذي يسكن فيه، في الشقة السادسة، أقل رقمًا من الشقة التي يقطنها، دق على الباب ستة مرات، ليفتح له رجل الباب ويتفحصه، لم يسأله عن سر طرق الباب في وقت متأخر من الليل، بل أطال النظر إليه وكلاهما مضربٌ عن الحديث، كأنهما في مسابقة ومن يتحدث أولًا يخسر، أشار الرجل إليه بأن يتفضل عليهم بالدخول، وبدون تردد دخل إلى منتصف الشقة وهو لا يعلم لماذا، كأن في عينيّ الرجل سحرًا غيبه عن الواقع، فوجئ أمامه بامرأة ترتدي شيئا لا يستر شيئا، وتبتسم، ابتسامة شخص يصرخ، صرخة لم يسمعها أحد سواه، اقتربا منه بإغواء وهو متسمر في مكانه، جاءته الإجابة في عقله مباشرة بأنه هو ضحية اليوم والحيوان الذي لبى عواء الذئب بدلًا من القمر، وأن الذئب سينام الليلة مليء البطن مسرور الخاطر، وأن تلبية صراخ الجيران بعد منتصف الليل ماهو إلا مأدبة ينقصها جارٌ فضولي، لن يسمع صراخه أحد..

ليلة أولى تالية 11:13 م
صرخة عظيمة في ذات العمارة، سمعها جارٌ متحمس، يتساءل عن السبب، ويقوده الفضول إلى حتفه..

4 آراء حول “الجار للجار..

  1. أضواء العبيري كتب:

    كل روعة الكلمات ارتسمت في جمال هذا المنشور الذي تكونت فيه أحلى المعاني فعبرت عن جمال ذائقتك، تستحق كل التحية والتقدير.

    ابداع يا سيد الأبداع والتميّز، منشور راقي.

  2. HUDA كتب:

    فالهادئون في نظر العالم هم قتلة متسلسلين على الأغلب..

    جميلة جدا

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s