شيئًا فشيئًا عدت..

شيئًا فشيئًا انفصلت عن الحياة، كأنني نمت قرونًا في كهف ولا أعلم كم لبثت، في غيابت جُبّ ولا سيّارة تلتقطني، في صفحة منسية من رواية لم يجرؤ كاتبها على نشرها..

شيئًا فشيئًا ازداد انعقاد حاجبيّ مما أرى، أريد المواجهة ولكن يخيفني الواقع، حياة تُسيّر بالعلاقات والمصلحة، قلوب سوداء متنكرة بقناع رجل مبتسم، وصحبة توقد على الطين ليبنوا صرحًا على أنقاض هزائمي..

شيئًا فشيئًا تجادلني عزلتي، “أنت من ابتعدت، أنت من ارتحلت، أنت من فكرت وخططت ونفذت، العزلة ارتقاء وأنت أردتها فرارًا، العزلة انتشاء وأنت من قررتها خيارًا”، هنا تقف بقية الخيارات على الحافة تراقبني وأنا على وشك القفز إلى صخور القاع، لسان حالها يقول “خيار الموت ليس بيدك، خيار الرحيل ليس من جنسنا، نحن خُلقنا لمن يرغب بالحياة”، ترتطم الأمواج غاضبة بالصخور أسفل مني، البحر لن يحتوي مأساتي، لن يبتلع خيباتي، لن يصبح مقبرة المنهزمين..

شيئًا فشيئًا يتجلى لي النور، يفيض الوعي، تقترب مني الحياة وتمسك بيدي، تتسع حدقتا عينيّ، تحتويني عزلتي وتقدمني للعالم، أخرج من كهفي، أتسلق الجب، أتمرد على الرواية، أواجه الواقع ولا أخشى الهزيمة، أجرد القلوب من أقنعتها، أهدم صروح خياناتهم، أناجي خيارات الحياة لتكشف لي أسرارها، وألوّح للموت من بعيد بأن الوقت لم يحن بعد، وأربتّ بحب على الأمواج وأغني للبحر أغنية العائد..

هي من أمر ربي

وددت لو أعرف لون روحي
أظنها مرآة تعكس ما تراه
معتمة عندما نخاف
باهتة حين الفراق
صافية وقت الحب
ومتوهجة يوم تكتشف هدف وجودها..

تمنيت لو أرى شكلها
هل لها وجه يشبهني؟!
هل هي بحجم نجمة في عيني؟!
أو لربما هي صغيرة كخلية إضافية في جسدي!
قبس نوراني
يكمن هناك في الغدة الصنوبرية
حيث يعتقد بأنها العين الثالثة
عين اليقين..

أو أسمع صوتها
هل تتحدث مثلنا؟!
هل لغة الأرواح أحرف أم ذبذبات كالموسيقى؟!
وكيف تذهب كل ليلة لعالمها عند نومنا؟!
هل تسير وتجري وتقفز أم أن قوانيننا لا تنطبق عليها؟!
هل لديها حبيب هناك، تودعه كل ليلة على أمل اللقاء؟!

أيزعجها صراخي؟!
أتقلقها دموعي وتقلبات مزاجي؟!
أتضحك معي وتراقص قلبي؟!
أم أنها لا تفهم مشاعرنا فتتجاهلها وتلتفت من حين لآخر إلى السماء لتُبدي حنينها؟!

لا تخيفني الوحوش في الظلام

جن، شياطين، غرباء من عالم آخر، سكان جوف الأرض، عمالقة الأنوناكي، ويكا، فودو، كابالاه، هرمس، إسقاط نجمي، سحر أسود، إلوميناتي، محافل ماسون وعين حورس والدجال المنتظر، مستذئبون، مصاصو دماء، زواحف، قطط ناطقة، جاثوم، بوابات نجمية..

كلها تثير فضولي واهتمامي ولا تستدعي خوفي أبدًا..

ما يخيفني حقيقة هو الوحدة، الخيانة، أن يتم نسيانك، التنكر إليك، اللجوء رغمًا عنك للعزلة، اللا انتماء، الإقصاء لأنك من دين مختلف أو شعب مختلف أو لأنك صاحب رأي وذوق مختلف..
تخيفني الحروب والتهجير والنفاق والمذابح والأنانية والقسوة والتسلط واستغلال المناصب للإضرار بالناس وإجبار الآخرين على فكرة واحدة ورؤية قاصرة..

لا تخيفني الوحوش في الظلام، يخيفني الإنسان..

إبدأ رسالتك لي ب(أحبك)..

“السلام عليكم، صباح الخير، كيف حالك؟!”
لا تبدأ محادثاتك معي هكذا، إن اشتقت إلي قلها، حدثني عن حُبّك لمشروب البستاشيو حتى وإن لم يكن لدي فكرة عن طعمه، صارحني بشكوكك حول مستقبلك والأفكار الوجودية التي تصارعها وتصارعك بلا فائز معلن لهذه اللحظة..

“أهلا، مساء النور، أخبارك؟!”
أخباري لن تثير فضولك، لنعد لصلب الموضوع، هل افتقدت تواجدي؟! هل راودك الحنين للساعات التي كنا نتحدث فيها عن أي شيء وكل شيء؟!
قل لي أنك غاضب على نفسك لأنك صببت سلبيتك على صديق مقرب حاول مواساتك، أخبرني عن الكدمة أسفل ركبتك والتي تجعلك تضحك لأن شكلها يشبه رأس مشهور ما تتابعه، أو عن رسالة حب تلقيتها من مجهول وأنت شبه نائم فظننت أنك تحلم، حادثني بعد منتصف الليل حين تتسابق الأسرار على الخروج من مخبئها وشاركني بعض ما يثقل كاهلك..

“رسالة محذوفة….، المعذرة بالخطأ”
تجذبني المحادثات العميقة ولا تستهويني الرسميات، إن كان هواء المحادثة خانقًا سأغادر كي تتنفس في حرية، إن كنت تريد شيئًا ما قله مباشرة ولا تتصنع الاهتمام، وإن كان لديك عتب قل لي “أحبك” قبلها..

“أحبك كثيرًا، وأفتقدك”
من هنا تعلم أن الرسالة ستحوز اهتمامي وأنني سأصغي لكل كلمة تقولها بعد ذلك، فالمحبين وحدهم يعلمون أنها كلمة السر ومفتاح الكنز وقطعة السكر التي ترفض الذوبان إلا في فمك..

صندوق أشيائي الضائعة

من أغرب الأمور التي قد تمر بها في حياتك أن يستوقفك رجل غريب في الشارع، الأغرب أن يسلمك صندوقًا مع مفتاحه، كنت أتوقع أنني ضحية خدعة أو مقلب حيث يخبرني بأن في الصندوق قنبلة وعلي أن أحملها بعيدًا عن العامة..
ولأنني لست من صنف الأبطال، أرجعت له الصندوق بأدب فأعاده إليّ وقال: هذه كل أشيائك الضائعة منذ أن ولدت، قد سلمتك الأمانة وحان وقت رحيلي..
ولكن..
أنت أيها الغريب، عُد..
ماذا تقصد بأن في صندوق ممتلكات أضعتها؟!
هل كنت أنت من وجدها ؟!
كيف وجدتها؟!
ووجدتني؟!
هل سرقتها؟!

رحل الغريب بلا أثر..
لم أمهل نفسي كثيرًا، آثرت العودة إلى مكان آمن لأفتح الصندوق..
كوب وحيد من القهوة كان كافيًا لأن يرفع مستوى الفضول عندي لأقصاه، وبأصابع متوترة فتحت الصندوق الذي يشبه أي صندوق آخر تعرفونه فلا داعي للوصف..

إقرأ المزيد

هل تعلمون أين تعيش الأفكار؟!

كيف تفسر كتابتك لنص في لحظة تجلٍّ لتكتشف بعدها أن نصًّا مشابهًا كتبه أحدهم في النصف الآخر من الكرة الأرضية وقبل قرنٍ من ولادة نصّك؟!

هل هو توارد خواطر؟!

خاطرة لا تعترف بالزمن الخطّي فتنحّت جانبًاً إلى أن جاءت الفرصة لتغزو عقلك يوم فتحت لها النافذة..

أنا أؤمن بأن الأفكار مشاعة في الأثير..

أنت مجرد حاوية اختارتك هذه الفكرة وتلبستك لتقدم نفسها للعالم من خلالك..

وأظن أن حلم كل كاتب أن تُقدم له الدعوة لزيارة العالم الذي تعيش فيه الأفكار..

إن سنحت لي الفرصة يومًا سأعمل مندوبًا هناك يوصل الأفكار للنوافذ، فرؤية ما بداخل العقول النيّرة تجربة ثريّة بحد ذاتها..

وإلى ذلك الحين سأكتفي بفتح أبواب ما يكتبون لألقي التحية على أفكارهم لعل أحدها يوجه لي دعوة حصرية لعالمهم..

خواطر عزلة الكورونا

أنا متفائل..

لماذا؟!

السبب هو أن البشرية دائمًا ما وجدت طريقها بعد كل حدث عالمي أثار هلعها

التوازن الذي سنّه الله في الكون والأرض يستدعي ذلك

كلما ضاقت (فرجت)

كلما زادت حلكة السواد اقترب (الفجر)

لذلك أنا موقن بالخير القادم

الأرض تتعافى

بنباتاتها وغاباتها وحيواناتها وكل الكائنات

انظر للطبيعة هذه الفترة وستعرف ما أقصد

الشعور الجمعي للبشر مؤثر

الأكثر تأثيرًا هو الوعي الجمعي

الإحساس بالمسؤولية تجاه أحبابنا وأوطاننا والإنسانية

المواساة واللطف والإيثار

ومهما طغت الأنانية أو الانهزامية هذه الفترة ستنحسر لأن البشر في منتصف درس حياتي مهم قد ينتهي بفقدان بعض من يحبون لكنهم سيكرمون ذكراهم بتكاتفهم مع البقية

لا يحتاج فيروس كوفيد19

لأن يذكرنا بقيم تجاهلناها أو يمنعنا عن ذنوب أو يعاقب شعبًا دون آخر

لديه مهمة واحدة لتدميرك من الداخل

تصرفاتنا كبشر هي من أعادت لنا الحس الإنساني والإيمان بالقيم والاقتراب من خالقنا

لا نحتاج لفيروس كي يذكرنا بالهدف من وجودنا في الأرض

هناك إشارات كثيرة لنظريات مؤامرة وحروب كسر عظم بين الدول والأمم

هل يهمك ذلك كثيرًا ؟!

هل تستطيع أن تغير؟!

لو كنت تستطيع فابدأ بنفسك

واستغل العزلة في الإنجاز والتعلم والاقتراب من ذاتك وأن تدعو الله أن يلهمك الحكمة والبصيرة

اكتشفت أن ابنتي تجيد الرسم، أولادي يتنافسون مع أصدقائهم، زوجتي أعادت اكتشاف نفسها في المنزل بعد أن ألهتها الدراسة عن مواهبها

حتى انغماسي في القراءة لإعداد بحث التخرج ومذاكرة دروس الإحصاء المرهقة كانت وسيلة لي لأركز على نفسي قليلًا بعيدًا عن ضغط الدوام والمحاضرات

تمنيت لو كنت متفرغًا للقراءة أو الكتابة أو حتى تعلم مهارة جديدة لكن هناك أولويات والعائلة والدراسة والصحة على رأسها

أنا وأنت والآخرون

في أغلب البلدان

نمر بنفس الظروف

نفس المشاعر

ذات الأفكار عن المستقبل

الخوف والترقب والأمل

هذا تذكير بأننا في النهاية ننتمي لنفس الأنسانية ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى

هناك طاقة جديدة آتية

ولك الخيار أن ترتفع وترتقي كملاك

أو تنحدر كشيطان

ويا لها من نظرة

يأتي الإلهام بلا سابق إنذار، وأعرف أنه لا يهتم بمناسبة التوقيت، يمرّ مشهد ما أمامك في طريق مزدحم فتهطل عليك فكرة نص أو رغبة للرسم أو التقاط صورة تخلده لكن الزحام يجبرك على المُضي في طريقك رغم أنك ما زلت متسمّرًا في اللحظة، فتقوم عيناك بالمهمة وتُبقيك في أتون الرغبة إلى أن تقرر الوقوف جانبًا وتنقل المشهد إلى يديك لتمارس سحرها عليه لئلا يتسرب رمل ذاكرته ولا يعود..
هكذا شعرت يوم قابلتك، تسمرّت عينيّ، لم أحمل مظلتي معي فسقطت الكلمات والبورتريهات على رأسي بينما وقف الإلهام جانبًا يضرب كفًا بكف، أنت من أتيت بلا سابق إنذار هذه المرة، أردت حقًّا أن ألتقط ما تساقط لكنك طالعتني بنظرة، لمحتها وغصت في بحرها، نظرة جمدت الثواني وأوقفت رفرفة الفراشات والطيور المحلقة والسدم السرمدية من أكبر جرم لأصغر وتر فائق..
تلك النظرة التي احتبست الكلمات خلفها وتراقصت المعاني في عمقها، تحكي حبّاً غامراً، عشقاً خالداً في أديم الزمن، يحرر الثواني وأجنحة الفراشات ويعيد الطيور لدربها والأبعاد لتوازنها، فما الكون إن لم يكن عينيك..
لم يكن حُبًّا من النظرة الأولى..
كان من نظرة لا تعترف بالترتيب ولا تنحاز للأولويات..
ويا لها من نظرة..

قل له أنني أفتقدني

أستميحك العذر، هل رأيت طفلاً مر من هنا؟!

هو في سن العاشرة لكنه يبدو كأنه في الثامنة، بريء كروحٍ ندية، عيناه تلتمعان، وشعره أشهب محترق من شموس الظهيرة..

لا أحمل صورة له لكنه حافي القدمين بظفر مكسور، يرتدي بنطالاً أزرق بثقبين في الركبة اليسرى، وقميصاً رياضياً أخضر وأصفر يحمل الرقم 10، وهناك كدمة دامية أعلى وجنته اليمنى اكتسبها دفاعاً عن نفسه..

هل لمحت طفلاً كهذا يبحث عني؟!

طفلٌ يلتفت يمنة ويسرة بلا كلل، يراقب العابرين كأغلفة الكتب، يختزن في عقله أي كلمة يراها، يميز النوايا الخبيثة لكنه يمررها بحسن ظنه، يبكي بصمت إن جرحت مشاعره، يتلعثم في حديثه، لكنه إن تحمس ينطلق بلا توقف..

هل رأيت طفلاً بهذه الأوصاف، طفلاً يشبهني؟!

قل له إنني آسف، سأحكي له القصص كل ليلة، سأتركه يكبر كما يريد، لن أستعجل نضجه، لن أطالبه بالتفوق المجرد من المتعة، ولن أوبخه إن رفض تحمل المسؤولية مبكراً وتمسك بعادات الطفولة..

أخبره أن يعود..

قل له أنني اشتقت إليّ، وأنني أتمنى لو لم أكبر..

رجاءً، دعوني أتخرج أولاً ثم اقدموا من الجانب المظلم من القمر 🙏🏼👽

أشعر بالعجز..

فبينما أنا غارق في إنجاز واجباتي ومشاريع المواد الجامعية لهذا الفصل، هناك ثُلة من الأبطال الخارقين على قمة جبل يحاولون إفشال مخطط غزو لغرباء من الفضاء الخارجي يقبعون في الجانب المظلم من القمر..

يجهل سكان الأرض هوية هؤلاء الأبطال، ولا يعلمون السرّ الذي يجعل الغرباء يتوافدون مراراً لغزو كوكبنا المتداعي، ولا يوجد وقت لنعرف السبب فنحن مشغولون للغاية، أنا على سبيل المثال سيتداعى عالمي وجهدي إن لم أُسلّم هذه الواجبات في موعدها، وهناك من ينتظر مباراة مصيرية على لقب قاريّ ينتظره منذ عقود، وأحدهم مع عائلته في مطعم هذه اللحظة يحتفلون بتسليم آخر قسط لمنزلهم الجديد، وعريس يعد الدقائق ليجتمع بعروسه الليلة في فرحهم..

ماذا إن غزانا الغرباء الآن، سيهلع البشر، ستُعلّق الدراسة، لن يكون هناك منزل بأمان، ستلغى مباراة الكأس، ستنتظر العروس فارسها ليخلصها من الخطر، وسيشعر الأبطال في قمة الجبل بالعجز كما أشعر الآن..

ربما علي أن أتوقف عن مشاهدة قصص الأبطال الخارقين هذه الفترة وأدعو أن يتركنا الغرباء في سلام إلى يوم تخرجي..