تعلموا منهم

 

يميل بعض الكُتّاب إلى التدرج بالمعلومة، رغبةً في التمهيد أو لئلا يصدم القارئ، وكذلك لأن المنطق يقول إنّ هذا هو الترتيب الصحيح لعرض الأفكار..

سأكسر هذا التدرج وأصدمك قبل أن تقرأ ما تبقى من هذا المقال، فأنا أريدك أن تتعلم من كيانات لن تتوقعها أبدًا ولن يخطر في بالك أنك تستطيع الاستفادة منهم تمامًا كما لا يمكنك إشعال شمعة بنار سوداء..

هذه الكيانات عزيزي القارئ هي: الشياطين..

وقبل أن توجه لي سهام الانتقادات وتصبّ علي لعنات تحفّها ذات الشياطين، اسمعني قليلًا فربما أُقنعك.. 

وقبل البداية..

لنتعوذ بالله من شرورهم، ونتعامل معهم كأعدائنا الأبديين في الحياة كما أُمرنا، فهم طاقة ظلامية شريرة متطرفة ترى في رغبة سيدها الملعون بأن يغوي البشر ويملأ جهنم منهم هدفًا للحياة لا بد من تحقيقه..

الشيطان عزيزي القارئ هو مسخ من جنسه، سواء كان جنيًا أو بشريًا، وفيهم المرتبط مباشرة بنسل إبليس، وفيهم المعاهدون له من ملوك وأعوان وجند، وفيهم كذلك من أصله بشري، وسنفصل في هذا الأمر وقائع لم يثبت صحتها مثل الزواحف في كتاب ديفيد آيكه (السر الأكبر)، وارتباطهم بنظريات المؤامرة عن الحكومة العالمية العميقة، لكن ليس هذا لب المقال، من هذا الكاتب صحيح العقل الذي سيتغزل في الشياطين وإن كانت شيطانة فاتنة كليليث؟! 

بعيدًا عن هدف الشيطان في هذه الحياة، و عن مسخه وقبحه وتردداته السلبية ووعيه المدمر..

هل لاحظت عزيزي القارئ يومًا حرصه الشديد على إيذائك وإغوائك وإغراقك في الآثام.. 

لو أنك رئيس شركة وجاءك موظف مستعد للعمل 24 ساعة، مكرسًا كل جهوده للعمل، داعمًا لآراء رؤسائه، مطيعًا طاعة عمياء لا ترى إلا ما يرى المسؤولون، مجتهدًا في عمله، لا يحمل ذرة ولاء للعائلة والقيم والحياة والكون، فقط يكرس كل وقته وطاقته للعمل، هل ستوظفه؟!

موظف مثالي، أليس كذلك؟! 

أنت الإنسان صاحب الإرادة الحرة، والعقل الخلاق، والتفكير الخارق، والقوة الجبارة، ألا يستفزك أن يكون شيطانٌ قد اختار البقاء في الجانب المظلم من الحياة، ولكنه يعطي كل ما لديه لتحقيق هدفه في الحياة، بينما أنت تتكاسل عن ذلك..

ألا يخبرك عقلك، وتقودك فطرتك للاستفادة من كل شيء أمامك بالطبيعة، انسيابية الأمواج، مرونة النهر، عطاء السحاب، دقة مواعيد الشمس، تعاون النمل، انقيادية قطيع ماشية خلف كلب يقودهم للأمان، تعاقب الفصول، وخرائط النجوم التي تهديك لبر الحقيقة..

يخبرونك أن تصنع عصيرَ ليمون إن لم تحصل على فاكهتك المفضلة، يعلمونك أن تبحث عن الجانب المشرق في أعلى البئر، يهمسون لك بأن خلف العقبات جنة، ويقول الله سبحانه إنّ بعد العسر يسرًا.. 

كل شي سلبي في الكون يعلمنا أن نمتنّ للجانب الإيجابي، وكل شيطان يحاول أن يفسد علينا الحياة يذكرنا بأن هناك أيضًا ملائكة يسعون لمصلحتنا بأمر الله، وهذه الثنائية الكونية، الخير وغيابه، توسع آفاقنا لنشكر أكثر وننشر الخير أكثر..

لعلك ترى أنني أتدرج هنا بالمعلومة كما يفعل بعض الكتّاب، لكن سأصدمك هنا أيضًا كما فعلتُ في البداية، في حلقة إذاعية مع د. صلاح الراشد في برنامج (ثورة إيجابية)، يقول من الخطأ أن نعتبر أن الملائكة هم عكس الشياطين أو هم ضد الشياطين، فالملائكة أعدادهم بالمليارات وربما أكثر، ولهم مهام عظيمة في السماوات بأكوانها، وملاك واحد عظيم يكفي لأن يقضي على كل الشياطين بالأرض فلا مقارنة، لكن المقارنة الحقيقية هي بين الإنسان المتنور الملائكي الجميل وبين الشيطان..

ولكي تصل لهذه المرحلة الإنسانية العظيمة، يجب أن تعرف عدوك وألاعيبه، وتتعلم كذلك من حرصه وسعيه الحثيث لإفسادك..

وسأنصحك بكتاب تلبيس إبليس لابن الجوزي لتتعرف أكثر على أساليب الشياطين..

لا أعلم إذا كنت قد اقتنعت بفكرتي، أو ربما تعتقد أن شيطانًا ما تلبّسني كما يتلبّس بعض الشعراء اللطيفين الذين يعتقدون أن مركز الكون خُلق لأجلهم، لكنني أطمئنك، سيتعبون معي فخيالي أكبر من أن يستوعبه أي شيطان، ولعله هذه المرة هو من سيتعلم مني..

أختم المقال بألّا أعتذر للشياطين أو أشكرهم لاستخدامهم في المقال، فلربما يمنحهم ذلك حبوًرا وراحة بال، ومهنتهم لا تسمح بالمشاعر اللطيفة بالحضور، ولن أشتمهم كذلك وأقول تبّا لكم كما تفعل ترجمات الأفلام في القنوات العربية، فمن يشتمهم كأنما أهدى لهم مدائن فُلّ.. 

أضف تعليق