
أحيانًا أجلس لأكتب، فأجد في رأسي عالمًا كاملًا ينتظر أن أفتح له الباب، شخصيات تتحدث، أفكار تتزاحم، صور لا أعرف من أين جاءت، وجملة أولى تجر خلفها عشر جمل أخرى، ثم أتوقف عند كلمة، أعيد قراءة جملة، أبدل كلمة، أقرأ فقرة من بدايتها وأقرر أن ترتيبها لا يعجبني، وأعود إلى الصفحة الأولى لأتأكد أنني لم أرتكب خطأ في حق هذا العالم الذي يعبث في رأسي ولم يولد بعد..
وبعد ساعات أكتشف أنني لم أكتب شيئًا جديدًا، فلقد كنت أنظف بداية العمل السردي وأتخيل في الوقت ذاته سير الأحداث المستقبلية التي تنتظرني لأكتبها، كما أرتب غرفة طفل ما زال في رحم أمه، بينما أختلف مع نفسي على ألوان الأثاث ودهان الغرفة، وبعد أن أكمل ترتيب وتنظيف وتنقيح ما كتبت، أترك العمل جانبًا بعد أن أرهقت عقلي، وأعود له في وقت لاحق، وتراودني نفسي على العودة من جديد للبداية لأنطلق منها لبقية الأحداث، وتصيبني لعنة الكمال، وأتوقف عند كلمة، جملة، فقرة،….إلخ..
في كتاب The INFJ Writer للكاتبة لورين سابالا، وهو يتناول الكتابة الإبداعية لدى الأشخاص من نمط INFJ -وأنا أحدهم- لكنني وجدت أن كثيرًا من أفكاره تتجاوز هذا التصنيف لتلامس تجارب الكتّاب على اختلاف طبائعهم وطرقهم في التعامل مع الكتابة، فتبدأ الكاتبة من تجربتها الشخصية مع المرض والضغط النفسي، وتروي كيف وجدت في الكتابة والتأمل والخلق الإبداعي وسيلة للتعامل مع ما يثقل جسدها وعقلها. وترى أن بعض الأشخاص يمارسون الإبداع بوصفه حاجة داخلية تمنح ما يتشكل في أعماقهم طريقًا إلى الخارج.
تذهب سابالا إلى أن كبت هذه الحاجة قد يزيد معاناة الإنسان، وأن ممارسة الفن تساعده على عبور الأزمات والاقتراب من ذاته، ولا نرى ضرورة لأن نحول هذه التجربة إلى قانون يقول إن كل من لا يكتب سيمرض، لكنني أفهم المعنى الذي تريد الوصول إليه، فأحيانًا لا نعرف مقدار ما نحمله في الداخل حتى نجد وسيلة نخرجه بها، والكتابة إحدى هذه الوسائل، وتتحدث الكاتبة كذلك عن تقبّل الذات، وعن دور التشجيع والمساندة في منح الإنسان الثقة ليعبّر عن نفسه، فالكاتب يحتاج أحيانًا إلى من يطمئنه بأن ما يريد كتابته يستحق أن يرى النور وليس أن يعلمه الكتابة، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الاطمئنان إلى مطالبة مبكرة بالكمال، وهنا يقع الكثير من الكُتّاب في هذا الخطأ..
إقرأ المزيد








