الرحلة من هابيل إلى قابيل

بقلم أ. مهدي عصام

هذا موضوع ثقيل أخذ مني جهداً نفسياً هائلاً. مع الحادثة الأخيرة التي وقعت في مصر، والمعروفة بمقتل “فتاة الشاي”، كانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير. نحن نتحدث عن حالة من التبلد المشاعري وجمود العواطف تفقد معها الاهتمام بأي شيء حولك. فكيف لفتاة تبلغ خمسة عشر عاماً، ترتكب جريمة قتل بدهس بائعة شاي، وتكون أول ردة فعل لها هي الابتسام أمام الكاميرا بكل وقاحة؟! بل وتقوم بحركة بذيئة بإصبع يدها! إن ما أثار اهتمامي وقسم ظهري هو تلك “الابتسامة” وحركة الإصبع الناتجة عن وعي.

وهنا نأتي لتفكيك هذا الوعي؛ يتجلى الأمر في عبارة: “من أمن العقوبة أساء الأدب”. فجريمة القتل في أثرها لدى الفتاة مجرد حادث مروري ثانوي، لأن بائعة الشاي ليست مهمة ولا قيمة لها. عندما يشعر الفرد بأن هناك دائماً مخرجاً ماديّاً أو سلطويّاً لأفعاله (كالاتصال بالأب أو التلاعب بالحقائق ليتولى الأخ المسؤولية) فإن الأفعال تفقد وزنها القيمي. الجريمة تحولت إلى “مشكلة إجرائية” لها حل، وهذا يحول البشر إلى أرقام وثانويات في خلفية المشهد. والنتيجة؟ ناس تكسر وتسرق وتقتل وهي عارفة أن هناك من سينجيها، ففقدت الأفعال ألوانها وضاعت بوصلة الأخلاقيات.

إقرأ المزيد

رهبة الخمسين

كنت ممن يفضل الجلوس مع كبار السنّ في صغري في مجالسهم المعتادة عند المرسى الذي تنطلق منه قوارب الصيد، تفاعلهم اللطيف مع بعضهم يدفعني لسؤالهم عن الحياة بأسلوبي العفوي، لكنني كنت أستشعر تضجرًا خفيًا في نبرة ردودهم وتجاعيد الزمن على ملامحهم، وكأنهم يوجهون لي رسالة فحواها: “دع الحياة تعلمك يا صغيري”. كنت أتخيلهم شيوخًا في أرذل العمر يوزعون الحكمة مجانًا على من يرتادهم ويحتفظون بأسرار لا نستوعبها عقولنا، وكأنهم اكتسبوا هذا الطبع من البحر..

الآن عندما أتذكر هذه المواقف وبحسبة زمنية بسيطة، للتو أستوعب أن أعمارهم حينها كانت في نهاية الأربعين وبداية الخمسين، لكن لعل مشقة السير في رحلتهم أضفت عليهم أعمارًا فوق أعمارهم، وبينما أرى ملامح رفاق جيلي الآن وبسبب النعم التي تتوالى علينا فمن المستحيل أن تمنحهم عمرًا يتجاوز نهاية الثلاثين، بل أن هناك من هم في الخمسين من أعمارهم لكنهم يظهرون وكأنهم في عنفوان شبابهم ونضارتهم، وهنا يراودني ذات الشعور أعلاه: لماذا أشعر برهبة الخمسين رغم ذلك؟!..

الخمسون من عمرك، اليوبيل الذهبي لذكرى ولادتك، الخمس الكبرى كما يسمونها في أميركا The big Five، ذلك العمر الذي يقربك أكثر من محطة الانتقال لعالم لم نسمع عنه سوى شذرات لا تروي فضولنا، خمسة عقود مضت تثير في عقلك حقيقة لا مفر منها: ما سيأتي أقل دهشة مما مضى وأكثر وضوحًا..

إقرأ المزيد

رحلة كتاب ولد مرتين

هل مرّ بك شعور أن عملك الأول وُلد مشوَّهًا إلى حد ما؟

لم أكن أتوقع أن تبدأ رحلتي مع الكتابة في الخامسة والثلاثين من عمري. لا تُعلن موهبة الكتابة عن نفسها دائمًا في وقت مبكر. بعض الكُتّاب يكتشفونها منذ الطفولة من خلال فضولهم وميلهم إلى المراقبة ورغبتهم في سرد ما يرونه حولهم. لكن آخرين يصلون إلى الكتابة في مراحل متأخرة من حياتهم، بعد سنوات طويلة امتلأت بالقراءة والتجارب والتأمل. تلك السنوات تبدو صامتة في ظاهرها، لكنها تجمع ببطء الوقود الذي سيشعل لاحقًا شرارة الإبداع.

أعتبر نفسي من هذه الفئة التي بدأت متأخرًا، وقبل ذلك بسنوات مررت بتجربة مرض مبكرة تركت أثرًا عميقًا في حياتي، لكنني تعافيت بفضل الله ثم بدعم عائلتي وأصدقائي. بعد تلك المرحلة سافرت مع زوجتي إلى الولايات المتحدة لمواصلة الدراسة، وهناك بدأت الكتابة تأخذ مكانًا مختلفًا في حياتي.

لم أكن قد كتبت بجدية من قبل، لكن القراءة كانت جزءًا أصيلًا من عالمي منذ الصغر. قرأت آلاف الكتب وشاهدت عددًا هائلًا من الأعمال السينمائية، وكانت القصص بأشكالها المختلفة تسكن خيالي منذ سنوات. ومع تشجيع بعض الأصدقاء، قررت أخيرًا خوض تجربة كتابة ونشر كتابي الأول.

وكما يحدث مع كثير من الكُتّاب، استغرقت كتابة ذلك الكتاب أشهرًا من التفكير والمراجعة. فالكتاب ليس مجرد نص يُكتب، بل تجربة يسكب فيها الكاتب شيئًا من تأملاته وأسئلته وذكرياته، على أمل أن يجد قارئًا يشعر بأن تلك الكلمات تمس جزءًا من تجربته هو أيضًا.

إقرأ المزيد

ترنيمة يوم ميلاد ما 🔆

بيدأ الإنسان حياته 

بأن يلعب في الطفولة

يحب ويتمرد في مراهقته 

يجد شغفه ويمارس هواياته في العشرين

يتطور ويتفرغ لأبنائه في الثلاثين 

يبحث عن الروحانية في الأربعين

يستقر في الخمسين

وقد يصارع الأمراض والعلل بعدها إلى ينتهي شريط الحياة 

أما أنا فولدت قارئا 

بحثت عن الروحانيات في مراهقتي

عبثت بي الحياة في العشرين

صارعت الأمراض والعلل في الثلاثين 

تمردت في الأربعين 

وها أنذا أقترب من الخمسين 

أبحث عمن ألعب معه لعبة الحياة 

لست أعلم كيف اختلطت أوراقي هكذا

ولا كيف أعاد الزمن ترتيب نفسه بشكل أحجية

يصعب حلها على من لم يجربها 

كل ما أعلمه هو

أن كل تجربة خضتها كانت في توقيتها المثالي 

ومن يدري ما الذي ينتظرني لاحقا

فهذه الأحجية لم تكشف كل أوراقها بعد.. 

لقائي مع طالبة (تخصص صحافة) بجامعة جازان

-احكِ لنا عن طفولتك… كيف كانت بدايتك في الحياة؟ وما أكثر ما تتذكره من تلك السنوات الأولى؟

طفل فضولي جدًا، هذا ما أتذكره، أسأل عن كل شيء وأجرب كل شيء وأقرأ كل شيء، لم أكن شقيًا بالمعنى الحقيقي لكن التعامل معي كان يحتاج إلى الصبر على شغفي الدائم بمعرفة كل شيء حتى وإن لم أفهمه، خاصة أننا كنا نسكن في حارة البلد بجيزان قريبًا من البحر وهو يمدك بالعديد من التساؤلات التي لن تجد إجابتها إلا لو خضت غمار البحر..

-كيف تصف الجو العائلي الذي نشأت فيه؟ وما القيم أو العادات التي أثّرت فيك من أسرتك؟

جو هادئ لطيف، أبي وكيل مدرسة ابتدائية وأمي ربة منزل مهتمة بتربيتي وأخوتي، كنت محظوظًا بعائلة ممتدة تقرأ، وهكذا في كل منزل هناك كتاب ما ينتظرني، القراءة شكلتني لحد ما في تلك الفترة خاصة المجلات القديمة مثل ماجد وباسم وسمير وميكي وغيرها.. 

إقرأ المزيد

حب سرمدي

-هل تحبني؟!

-أحقًا تسألينني؟! أحبك كما لم يحب أحد من قبل، ولو حسبت مرّات اهتزازات الأوتار الفائقة منذ انفتاق الكون لما تجاوزت نبضات حبي لك..

-هل تحبني؟!

-أما زلت تقولينها؟! نعم أحبك وأحبك وأحبك وكأن كل مافي الحياة يقف رأسًا على عقب في كل الأبعاد ليثبت ذلك..

-هل تحبني؟!

-في كل مرة أقولها لك تهرب دمعة من أعماقي، أحبك ولو عشت مليارات الحيوات بعدك فلن ينبض قلبي لغيرك..

-هل تحبني؟! هل تحبني؟! هل تحبني؟! هل تحبني؟!

أعاد صوت خطيبته الحنون سؤاله مع كل مرة يضغط فيها زر التشغيل لآخر رسالة صوتية منها، سألته يومها لكنه لم يشاهد الرسالة ليجيبها، حتى سمع خبر وفاتها في حادث تلك الليلة، ليستمر أسيرًا لذلك السؤال الذي يجوب ما وراء الكون يبحث عن إجابة تقفز في الزمن لتصلها.. 

هل أنت حساس ؟!

الحساسية التي دائمًا ما يتهم بها البعض خاصة في محيط العمل والعلاقات، وبلا أدنى فرصة لهم للدفاع عن وجهة نظرهم ومبادئهم، هنا وصايا قد تناسبك:

-لا تتحمس في الدفاع عن وجهة نظرك في قضية ما، اترك الجانب الآخر يقتنع بأنه انتصر في النزال، خاصة وأنك لا تعلم بأن هنالك نزال في الأساس..

-لا تُبد اعتراضك عندما يقررون أمرًا قد يغير طريقة حياتك وروتينك اليومي الذي تقدسه ويشعرك بالثبات، اصمت وابتلع هذا التغيير لمواءمة الأمر، لكن لا تثق بهم بعدها مطلقًا ولا تعمل سوى ما يستوجب عليك بلا زيادة..

-لا تطالب بحقك بشكلٍ فج وصادم حتى لا تتهم بالعصبية والحساسية بل واجههم بكل هدوء، وإن رفضوا بردود رسمية وجافة وباردة ومراوغة فاتبع الوصية الأولى، ولأنك لست ملزمًا بتحمل أساليبهم فالجأ للطرق الرسمية ومعك ما يثبت حق وليتضرر من يتضرر طالما يرفضون الحل بشكل ودي..

-لا توافق مباشرةً على الانضمام لأي جهة، خصوصا إن عرّضك ذلك لأن تصطدم بقيادات تبحث عن تلميع ذاتها وطريقةٍ لاستغلالك، الذين إن اعترضت عليهم في أمر ما أو تضايقت من تجاهلهم اتهموك بالحساسية، لذلك اتبع سياسة الأرض المحروقة ولا تخرج بصمت، بل اهدم المعبد بمن فيه ثم اصطحب سلامك الداخلي معك بلا أدنى ذرة ندم، وليتولوا هم الأمر ويعيدوا البناء بعيدًا عنك كما يفضلون..

-اقتنع بأنك حساس، وهي خصلة جميلة تعني أنك تهتم وأنك دقيق الملاحظة وتركز بالتفاصيل، وأنك تحب بصدق وعمق، واعمل وأعطِ من قلب سليم، ولكونك شخصاً حساساً فوق اللزوم كما يزعمون، فهذا يعني بأنك تتمتع بإدراك فائق واستخدام لكل حواسك لأعلى حد ممكن، ترى ما لا يراه الآخرون، تسمع أدق الأصوات، كل لمسة لديك لها معنى، كل رائحة تستجلب مشاعر وذكريات، تدلل نفسك بالتذوق البطئ المليء بالمعاني..

-تأكد بأن ذوقك راقٍ جداً فيما تلبسه وتسمعه وتتذوقه وتقرؤه، ينبهر من حولك بقدراتك، يصغون لأحاديثك، يشعرون بالأمان حولك، يتمنون أن تطول الثواني والدقائق والساعات بجانبك، لكنك بالمقابل هش تجاه النقيض، المناظر التي تزعجك ونظرات الاحتقار والحسد والكبر، الأصوات المقلقة والصاخبة، اللمسات الخشنة، الروائح المنتنة، الذائقة العفنة، قد تهد كلمة جدار ثقتك، وتفسد تلميحة متنمر جمال يومك، ويدمر خداع مقرب إيمانك بمن حولك.. 

-أنت تعيش في أقصى درجات الإحساس البشري فتشعر بكل شيء، ومع تقادم الأيام تبني الحوائط بينك وبين أحاسيسك فتذبل، بينك وبين الآخرين فيتباعدون عنك، تعيش الوحدة التي لا تؤثر فيك فأنت تستمتع بها، وعلى النقيض تفتقد أهم ما قد يقدمونه لك، التحفيز المستمر الذي هو كالهواء والماء لروحك المتعطشة.. 

-ولأنك حساس، فأنت أكثر من يرى الأطياف اللونية العديدة المختبئة في طيات المشاعر الهشة الواضحة التي يبدونها، ولست ملزمًا بشرح ما تحمله لوحة روحك من طبقات لا يراها الآخرون..

لذا سأنصحك بأن تكون متوازناً في عرض ذاتك وردود أفعالك، ستكون أصعب مهمة تواجهها على الإطلاق، أن توازن بين ما تريد وبين ما أنت عليه وبين ما يتوجب عليك فعله أو التنازل عنه من أجل البقاء، وحدك من يفهم بصدق ما تعنيه تلك المشاعر، وحدك من يمتلك الحساسية اللازمة لفك شفرات الجمال من حولك..  

هذه الهبة.. 

هي أثمن ما تملك..