واقع.. حلم.. كابوس..

كنت أعتقد أن الواقع والأحلام هما عالمان موازيان، إلى أن شاهدت الواقع يحضر في أحلامي والأحلام تعكس واقعي فأيقنت بأنهما عالمان متداخلان متقاطعان بل وعالماً واحداً..

الأمر يشبه اللون البرتقالي، الواقع الأصفر مع الأحلام الحمراء يجتمعان ويتداخلان، تظهر لنا من الخارج برتقالية، بينما من الداخل صراع محتدم، واقعٌ يتمنى أن يكون أكثر بهجةً وإشراقاً، وكوابيس تغزو الأحلام فتزيدها قتامة..

دعوني أحدثكم عن أسوأ كوابيسي التي بالمقابل هي واقعي الذي أتشبث به بضراوة، بينما في كوابيسي أواجه خطر الموت اختناقاً أو غرقاً أو سقوطاً من علو ألف طابق، وأبرز صدري متحدياً الموت بألف قطع كما كانوا يعذبون أسراهم في نيبون القديمة، وأعتنق الظلام ومخلوقاته وأحادثهم وأسامرهم، اعتدت على عوالم الرعب حتى باتت جزءاً مني، إلا إنني ويا للمفارقة أخاف الوحدة، أحلم بكوني أعيش وحيداً في مدينة نائية، لا أحد يستمع لي، ولا أحد يأبه لوجودي، أحادث الجدران والقطط، ويسمع نحيبي الصامت جرذ يشفق علي من مغبة التنظيف اليومي فيسرق بقايا طعامي الماسخ، يلقي علي نظرة حزينة ويعود ليحكي لعائلته الممتدة عن أهمية البقاء معاً وإلا باتوا وحيدين مثلي..

أما في الواقع فأنا أدمنت الوحدة، الحديث إلى أفكاري والاستماع لها، عقدنا هدنة منذ قررت كتابتها لتتحرر، وكأنها ترد لي الجميل فتقترب مني وتصادقني، بعد أن كانت سجينة وأنا السجان، متلازمة ستوكهولم التي تجعل المخطوف يتعاطف مع الخاطف، أحببت أفكاري وأحبتني وصرنا نختلس الأوقات لنعيش عزلة تحفها الموسيقى وننسجم مع ذبذباتها لنصل إلى نيرفانا مثيرة تنتهي بأن أكتبها وتُقبّلني بعدها وتبتسم وتلوح لي وهي موقنة بالعودة ما أن أجد فراغاً في جدولي المزدحم لأستدعيها..

لماذا أحب الوحدة في واقعي وأخشاها حد الموت في كوابيسي ؟!

لماذا انفصل اللون الأصفر عن الأحمر ؟!

هل واقعي حلم ؟!

وكابوسي هو الواقع الفعلي ؟!

هل أنا وحيد بالفعل وأرتدي اللون البرتقالي الذي يرتديه المحكومون بالإعدام في انتظار لحظة الرحيل ؟!

سأغمض عيني الآن وأتخيل ..

بأي لون سأعود ..

صدمة

كان مجلس العزاء مكتظاً بالمواساة، أحاديث جانبية عن كل شيء تقريباً عدا الفقيدة، ربما تمحورت معظمها عنه، ينظرون إليه بعين الشفقة وهو منعزلٌ ساهمٌ يحدق في الفراغ أمامه وأخوته يبادرون بالاعتذار للمعزين عن وضعه وبأن صدمة موت أمه هي من جعلته بهذا الحال..

خيوط من النور امتطتها فراشات زرقاء تبتسم له وتدعوه للعب معها، أوراق شجر حمراء وخضراء متوهجة تتطاير حول النور فتتحاشاها الفراشات بخفة، يحاول أن يلمسها لكن الصداع الشديد يعيده مجدداً لمجلس العزاء حيث لا يعلم لماذا تأخرت أمه في إعداد وجبته المفضلة..

زاد تهامسهم حوله، أحدهم يجزم بأن الصدمة أفقدته عقله، الآخر يصمم بأن لا، بل هو يعاني من التوحد، ثالث يتذكر طفولته الشقية وتأتأته ويخبرهم بأنها أعراض فرط حركة وأن الأدوية التي يتناولها جعلت عقله هكذا مغيّباً، رابعهم يردد إنّا لله وإنّا إليه راجعون، من سيرعاه بعد أمه..

تداخلت أطياف حالكة السواد تبدد خيوط النور، الفراشات ارتعدت هلعاً ورفرفت بأجنحتها بعيداً، الأوراق تحللت بعدما تشبعت سواداً، عناكب تغزل خيوطها كما يغزل نساج كفن الرحلة إلى العالم الآخر، تدنو منه العناكب وتشير إليه بأرجلها المدببة تريد الاقتراب أكثر، يهشها ويغمض عينيه براحتيه المرتعشتين..

لا بد أن الكهرباء في عقله اشتدت عليه، قالها أحدهم، وأكّد الآخر أنه فقط حزين ويريد البكاء لكنه لا يستطيع، ثالثهم يرى أنه يحتاج إلى دخول المصحة كي لا يتفاقم الأمر أكثر، يقوم ويتبرع بإخبار أخوته، الرابع يتحسر ويترحم على يُتمه..

أطلق صرخة عميقة، صرخة كأنها خرجت من رحم الحياة، أرعبت المجلس وأربكت نظامه، توقفوا عن استقبال المعزين وترددت خطواتهم بين اقتراب لمواساته ليكف عن الصراخ وترقب لردة فعل جنونية قد تصبح مادة دسمة للحديث عنها في مجلسٍ آخر..

همد فجأة، ألقى برأسه على صدره وكأنما انقطع آخر حبل في وعيه، اقترب أخوته منه في وجل، حاولوا إيقاظه، حاولوا إنعاشه، حاولوا حثه على العودة..

كان ينظر إليهم في شرود، من أعلى، وهو ممسكٌ بيد أمه..

لا تتحدث عن نفسك

لا تتحدث عن نفسك، هذه وصيتي الأولى، احفظها جيداً، فحينما تتحدث مع شخص ما (صديق – زميل – غريب) سيهز رأسه قليلاً مع ابتسامة رخامية، ثم يبادر بالحديث عن نفسه، ستسمع له قليلاً بذات الابتسامة الرخامية وهزة الرأس وارتفاع الحواجب وتنتظر دورك، وتنتظر، وتنتظر، معركة ستنتهي باستسلامك لأن زمام الحديث صار بيده ولن يتخلى عنه ولو بالدم..

لا تتحدث عن نفسك، هذه وصيتي الثانية، التكرار يعلم ال….. (الشطار طبعاً ماذا توقعت ؟!)، حينما تتحدث عن نفسك أمام أشخاص هذه المرة، ستجد نفسك متلاحق الأنفاس بين ضباع الكلمات، يريدون كلمة فقط ليغيروا مسار الحديث وينهشوا روحك حياً بتجاهلهم، كلمة على غرار (الاتحاد) وأنت تتحدث عن مباراة الأمس ليتحول الموضوع بقدرة قادر للدوري الأوروبي وكأس آسيا وكأس العالم وجمال الروسيات ومقارنة بين طيران الاتحاد والإمارات وكل منهم يحكي رحلاته ومغامراته متلاحق الأنفاس قبل أن ينقض عليه قطيع ضباع الكلمات ويغيروا مجرى الحديث عن أشياء لا تهم أحداً..

لا تتحدث عن نفسك، أعلم أعلم، تكرار ممل، الخ الخ الخ، لا تخشى اتهامهم لك بالغرور حينما تتحدث عن نفسك فكلنا مغرورون وقصصنا أجمل القصص ومواقفنا لم يتعرض لها أحد و….، ربما يمكنك أن تتحدث عن نفسك في مواقع التواصل بإسهاب وستضمن ألا يقاطعك أحد، أقصى ما يمكنهم فعله هو تجاهلك أو الحديث من خلفك بالسوء، وهم سيتجاهلونك أو يتحدثون عنك من خلفك بضراوة على أية حال كي لا تتحدث عن نفسك مجدداً..

تحدث مع نفسك، نعم عد واقرأها جيداً، (مع) وليس (عن)، تحدث في مفكرتك، في مذكراتك، مع (حبيب) يتذوق كل كلمة منك قطرة من شهد مصفى، ويرى تعبيرات وجهك وأنت تتحدث مقطعاً من فيلم غنائي كلاسيكي لا تمل من تكراره..

مراقب

ها أنذا في مناسبة زواج، ذات الابتسامة الجامدة على وجهي، أحادث أناساً لا أتذكر أسمائهم وأهز رأسي معهم في حماس بانتظار نهاية المشهد الذي سيتكرر معي في كل جلسة عزاء، اجتماع عمل، أو رحلة عائلية..

أتحدث وأوثق بالصور وأنشر في مواقع التواصل الاجتماعي لأعود لاحقاً لمنزلي أشاهد كل ما حدث وأستمتع وكأنني أشاهد فيلماً لأول مرة وكأن شخصاً غيري هو من قام بالعمل ..

أجدت في الحياة دور المراقب، ألعب هذا الدور بجسدي الماكث في مكانه لا يتزحزح، أستنشق المتعة من الهواء وأكتنزها ولا أطلقها للعلن، عقلي يحلل ما تنقله له عينيّ ويحول الصور إلى كلمات مكتوبة تختزن في عقلي الباطن لحين الحاجة، وأظن أن ذلك من تأثير القراءة والمشاهدة المستمرة للأفلام..

رأيت أكثر مما عشت في عوالم الكتب والسينما، تخيلت نفسي مكانهم، عند بحيرة في آلاسكا متجمد الاطراف أصيد السمك من حفرة، على ضفاف نهر أمازوني أترقب سهماً مخدراً يخترقني فأستيقظ في قدر مغلي، مع جيش طاغية أجبر شعبه على القتال ليغذي طموحاته التوسعية، جالساً في مقهي أحتسى كاكاواً ساخنا بالمارشيميللو أراقب المطر في ليلة خريفية قبيل الشتاء..

ابحثوا عني في الحفلات، في صالات المغادرة، في قاعة انتظار في مستشفى، منزوياً أراقب من حولي، أسجل ملاحظاتي، أغوص في عقلي الباطن، وأكتب..

فوضى عقل

لا أحد ولا شيء يشبهني أكثر من مكتبتي ولابتوبي وجوالي، هي التجسيد المطلق لما يدور في عقلي من فوضى، كتب وملفات مكتبتي تحتاج لتصفية وفهرسة، مئات (المجلدات الجديدة) وآلاف المقاطع والصور والكتب والمستندات في لابتوبي تحتاج لفلترة صارمة حيث يعود بعضها لبداية القرن، وآلاف الصور ومئات المشاريع والكتب والمقالات والمواقع أيضاً في جوالي ترتجيني لأن ألقي عليها نظرة..

هكذا يعمل عقلي، كأنه في دوامة من الأفكار والمشاهد التي تدور أحداثها في مليار سنة من عمر الأرض، تجدني حيناً في الماضي وحيناً في المستقبل وحيناً على قيد الواقع وأحياناً في ممالك الخيال، أنسى كثيراً أنني موظف ومعلم، ولولا صياح أطفالي ونداءاتهم لي لأرى ما يصنعون لنسيت أنني أب، وأتذكر أنني متزوج حينما أرى الجانب الأنثوي في منزلي الذي أنسى أيضاً أنني اسكنه..

توقي للترتيب والتنميق وحرصي على التخطيط المستمر والتدوين هو نداء لا ينقطع من روحي لعقلي أنِ انتظِم، تأجيلي للأعمال راكمها كدعوات المساكين على الظلمة يحملونها أوزاراً مثقلة يوم الحساب، أعيش في 2013 في عالم الأفلام والمسلسلات وفي 2002 في ذوق الأغاني وفي 1996 في رواق كتب التراث والدين وفي عام 2010 لآخر الأعمال الروائية، ولكم أن تتخيلوا ما فاتني وأنا أؤجل بسبب كثرتها، صار الإحساس بالمتعة أقل بل هو للواجب أقرب، صرت ميالاً للتخلص من كل شيء لأزيح الضغط من رأسي، فقدت (هارد ديسكاً) سقط على الأرض قبل شهرين وكانت ملامحي وقتها أقرب لملاكم روسي، بلا أدنى تعبير يذكر، وكأنني ارتحت إلى حد ما..

تنتابني رغبة أحياناً لتدمير كل شيء، جمعها جميعاً في عقلي وإضرام النار فيها، لا بأس بإلقاء قليل من الذكريات معها وكثير من العلاقات التي لا نفع لها سوى استنزافي كذبيحة معلقة ذات عيد يتأملها أطفال يتلذذون بالمنظر كما يفعلون وهم يعذبون القطط الضالة..

#اعترافات_متأخرة

(1)

لم أطالع أبداً أي إبرة تدخل جسدي سواء كعلاج أو سحب دم مع أني تعرضت لها مئات المرات بلا مبالغة وبدون ألم يذكر لكن في كل مرة أشيح النظر بعيداً..

(2)

كوني ابن مدينة ساحلية وناشط في الحركة الكشفية، كانت المفارقة أنني لا أجيد السباحة، هذه المعلومة التي أثارت الاستغراب دوماً ولم أجد مبرراً مقنعاً لأدافع عن نفسي ..

(3)

شغوف بالأنماط والأشكال والأرقام، طالما تهربت من محادثات مملة بأن أعد أي شيء حولي، مربعات البلاط أو تلك الدوائر الصغيرة في السجادة، النقاط في حروف صفحة ممزقة، ولو استطعت أن أعد رمل الشاطئ لما ترددت، قد يكون لدي طيف توحدي وأنا لا أعلم..

(4)

أرسل الرسالة لأحدهم، أنتظره دقائق ليجيبني، أرسم سيناريوهات خيالية في عقلي لإجاباته أثناء ذلك، أختار ما يناسبني منها، يعاود الرد علي بعدها بلا ردة فعل مني سوى ابتسامة الكترونية باهتة..

هل أنت حساس ؟!

كونك شخصاً حساساً فوق اللزوم..

يعني بأنك تتمتع بإدراك فائق واستخدام لكل حواسك لأعلى حد ممكن، ترى ما لا يراه الآخرون، تسمع أدق الأصوات، كل لمسة لديك لها معنى، كل رائحة تستجلب مشاعر وذكريات، تدلل نفسك بالتذوق البطئ المليء بالمعاني..

ذوقك راقٍ جداً فيما تلبسه وتسمعه وتتذوقه وتقرؤه، ينبهر من حولك بقدراتك، يصغون لأحاديثك، يشعرون بالأمان حولك، يتمنون أن تطول الثواني والدقائق والساعات بجانبك..

لكنك بالمقابل هش تجاه النقيض، المناظر التي تزعجك ونظرات الاحتقار والحسد والكبر، الأصوات المقلقة والصاخبة، اللمسات الخشنة، الروائح المنتنة، الذائقة العفنة..

قد تهد كلمة جدار ثقتك، وتفسد تلميحة متنمر جمال يومك، ويدمر خداع مقرب إيمانك بمن حولك..

تعيش في أقصى درجات الإحساس البشري فتشعر بكل شيء، ومع تقادم الأيام تبني الحوائط بينك وبين أحاسيسك فتذبل، بينك وبين الآخرين فيتباعدون عنك، تعيش الوحدة التي لا تؤثر فيك فأنت تستمتع بها، وعلى النقيض تفتقد أهم ما قد يقدمونه لك، التحفيز المستمر الذي هو كالهواء والماء لروحك المتعطشة..

سأنصحك بأن تكون متوازناً..

ستكون أصعب مهمة تواجهها على الإطلاق..

أن توازن بين ما تريد وبين ما أنت عليه وبين ما يتوجب عليك التنازل عنه من أجل البقاء..