الثانية صباحاً

يبدو أن هناك قريناً ما بداخلي يرتبط بالثانية بعد منتصف الليل، ساعة الاعترافات الصادقة كما أحب أن أسميها، لحظة تأمل ومراجعة قد تشفي ندبة ما في روحك أو تخسف بك لأعمق نقطة في محيط الاكتئاب فتنتظر أصبوحة فاتنة كي تنتشلك..

باليتة الألوان التي تعيد ترتيب قزحيتي كل صباح من الدور العاشر في مجمعنا السكني في ولاية جوهور قد دفعتني لأن أصمت أكثر إن لم يكن لدي ما يقال، أن أمنح بركتي للسلام الداخلي كي يشفيني، فعرفت سرّ العزلة التي يمارسها العارفون في أحضان الطبيعة..

إقرأ المزيد

موتوسيكلات تحت المطر

في طريقنا إلى الجامعة مساء الأمس، هطل المطر شديداً كالطوفان، ربما نحن من شعرنا بأنه كذلك بينما الماليزيون عدّوه نزهة لطيفة اعتادوا عليها، ما أحزننا هو لجوء بعض سائقي وراكبي الموتوسيكلات تحت الجسور انتظاراً لانتهاء السحب من صبّ أحزانها عليهم فيعودون للطريق وملابسهم تتقاطر وتحتاج لعشرة شموس كي تبخر الماء الذي التصق بها..

إقرأ المزيد

اعتد على ذلك أو اندهش

الاعتياد، اللون الرمادي الذي يسلب طاقة الألوان من حوله، هو العلاج الذي يقضي على كل الأمراض المستعصية، يكفي أن تعتاد على السرطان لتتخلص من الآمه، أو تعتاد الفقد فتدخر دموعك، أو كما في حالتي تعتاد الغربة..

الاعتياد ينتزع الإبهار من عالمك، يغذيه الروتين القاتل، تستيقظ، تأكل، تعيش يوماً باهتاً كأفلام العشرينات الصامتة، تنام قرير عين العقل أما عين الروح فقد أزيحت للمنطقة الرمادية في الدماغ..

تريد أن تتخلص من آثار فراق حبيب، اعتد على ذلك، يوم، يومان، شهر، ستكون بخير، لن ينفجر بركان لأجلك ولن تهطل الشهب لتواسيك، اعتد على ذلك، وستشرق الشمس كل يوم وتغيب ويظهر القمر عابساً والنجوم تتمزق نوراً فتحسبها -مغتراً- تومض لك..

لا شيء يهزم الاعتياد كالدهشة، المفاجآت بألوان الطيف، كتاب أحمر كالنار، مظلة برتقالية، مشاعر صفراء فاقع لونها، ضحكة خضراء، طريقٌ أزرق كماء السماء، سيمفونية نيلية وقلب بنفسجي..

كي أقتل الاعتياد في غربتي، قُدت سيارة بمقود على اليمين لأول مرة، مكثت يوماً كاملاً تحت نخلة على شاطئ بلوري، ذقت لحماً مطهياً بالجزر، رأيت بابل بعينيّ صديقين عراقيين، ركضت نحو سيارتي في المطر، وتناولت قهوة بيضاء..

الاعتياد علاج للآلام، أما الدهشة فتعيده إلى بداية اللعبة، لجولة أخرى مع الحياة..

فإنك من المنظرين

تقول الحسناء تصف جمالها في قصيدة موسى بن بهران: جنان الخلد قد جمعت لديّا..

خالد، خلود، خلّاد، مخلد..

إنّ الأسماء تعبر عن أصحابها، هكذا يقال، أسميت ولدي البكر (خالداً) تيمناً بالبطل (خالد بن الوليد) رضي الله عنه والذي خلّد اسمه في التاريخ بعبقريته العسكرية كما يحكيها (العقاد) في “عبقرية خالد”، وهذا الاسم يذكرني بطفولتي في مدرسة خالد بن الوليد الابتدائية حيث كان والدي أحد مسؤوليها، فارتبط بي اسم خالد بطلاً ونشأة وعائلة، أمّا إن كان اسمك (خلود) فعيشي لأقصاك تيمناً بمعناه..

بقدر ما يبدو الخلود مثيراً للاهتمام، أن تعيش بمعزل عن الموت، بمحاذاته، يمر بجانبك ولا يلقي لك بالاً، تشهد نهضة الحضارات وانهيارها ونهضتها من جديد في دورات زمنية محسوبة ومتكررة في التاريخ تريد منا أن نتنبه لها ونستفيد ونتغير ونسمو..

أن تكون خالداً، يشيخ أبناؤك وأحفادك أمامك، يرحلون وتبقى غصة ألم الفقد بداخلك تضطرم كنار معبد مجوسي رغم أنك قد عشت اللحظة مئات المرات من قبل..

كما يقول العراب الراحل د. أحمد خالد توفيق:

“هل فهمت الآن الحكمة من كون عمر الإنسان لا يتحاوز الثمانين في الأغلب؟ لو عاش الإنسان مائتي عام لجـنّ من فرط الحنين إلى أشياء لم يعد لها مكان”

إقرأ المزيد

نيويورك.. نيويورك..

كما تغنيها ليزا مانيلي في الفيلم الشهير بنفس العنوان (New York New York) مع روبرت دينيرو وقبلها غناها الأسطورة فريد استير، يا لها من مدينة..

هذه زيارتي الخامسة لها، حفظت شوارعها من أفلام سبايدرمان والعراب وفي كل مرة أرى وجهاً متجدداً لها كأنها شخصية خالدة لا تموت، أجيال تلو أجيال عاشت فيها وغادرتها وهي لمّا تشيخ بعد، رغم حزنها على المهاجرين الذين تم نبذهم على شواطئها في القرنين الماضيين، وبرجا التجارة الذين انهارا بفعل فاعل، وتنازع المافيا الايطالية والايرلندية عليها لكنها صمدت، هذه التفاحة الكبيرة كما يسميها أهلها تستقبل في أحضانها كل الأطياف رغم قسوة الظروف، وأتحدى أن تجد مدينة في العالم مثلها تصلّي بكل لغات الأرض..

إقرأ المزيد

كوكتيل لندن / واشنطن

أغادر الليلة إلى مدينة نيويورك للمشاركة في المعسكر الدولي الثاني للكشاف المسلم في كامب مينسي بولاية بنسلفانيا مع وفد جمعية الكشافة السعودية..

زيارتي الأولى للولايات المتحدة كانت قبل 14 عاماً في 2004 على وجه التحديد، كنت أحد المشاركين في برنامج فولبرايت الدولي بترشيح من وزارة التعليم والسفارة الأميركية في السعودية وكانت أول محطة لي هي مطار دالاس في واشنطن دي سي..

كانت الرحلة مليئة بالمواقف الغريبة والمخجلة والتي أتذكر تفاصيلها لهذه اللحظة..

سافرت بعد زواجي بشهرين تقريباً تاركاً إياها بكل فقد تخوض العام الأخير قبل التخرج من الجامعة..

إقرأ المزيد

ترنيمة البداية..

مرحباً.. أنا وليد..

كاتبٌ في هذا العصر ولعلكم تجدون هذا غريباً، لوهلة فكرت أن أسجل حديثي على مقطع مرئي كما يفعل المؤثرون، ثم فكرت مجدداً، لم لا أكتب ؟!

اعتبروها محاولة أخيرة لضخ الوعي في عقولكم..

هذا الأسلوب من الكتابة يسمى وجهة نظر الراوي أو المراقب أو السارد، حيث أن من يروي الأحداث قد يكون هو البطل أو العدو أو مجرد مراقب يدون الأحداث بتجرد من المشاعر، ربما مستقبلاً ستتعرفون بأنفسكم على أساليب أخرى للكتابة..

لا يهم ذلك الآن..

مضى خمسون عاماً على آخر كتاب نُشر، كنت يومها في بداية مراهقتي، مكتبة والدي الراحل كانت ملاذي الأجمل بعيداً عن ترهات المراهقة المعتادة، أعيش في عوالمها وأنفصل عن واقعي..

قررت أن أكتب يوماً ما قصة، أخذها والدي مني بهدوء وابتسم من دون أن يقرأها ورماها في المدفأة، وكأنه انتزع كبدي ووضعه في النار حتى نضج ثم أعاده مشوياً بداخلي، بقدر الألم الذي شعرت به حينها إلا أن شيئاً بداخلي تغير للأبد..

إقرأ المزيد

البيضة التي كانت فأساً..

قررت الشجرة أن تضع خليفة لها فتمخضت عن بيضة بلون ترابي مزيج من ألوان الخشب والطين والرماد، ألقت عليها سيقانها وجذورها ورعتها إلى أن فقست عن برعم صغير..

كبر البرعم في كنف أمه الشجرة، استطال واستغلظ، قرر أن يتحرر فسحب قدميه من وطنه وخطرت له الفكرة أن يطير، احتضن شجرته وجرى بأقصى ما يستطيع و..

طار..

نبت له جناحان..

صار فراشة..

بلون أخضر زاهي يشبه عين فاتنة سمراء..

إقرأ المزيد

البحر الذي أنصت لقلبه

أنا وأنت

موجتان تنبضان في البحر

يرتفع نبضك

تعاكسين الريح والتيار وتقدمين إليّ

أرتفع وأقترب منك

نصبح موجة واحدة

ننبض معاً

يعرفنا السمك فيصغي إلينا وتأتينا النوارس والدلافين

ننبض كما لو أن البحر جسدنا

فيغار القمر منا ويحتجب بالسحب وتهطل دموعه خلالها

فيضطرب الجسد

ننبض بشكل متسارع ثم نهدأ ونستكين

فتبتسم السحب وتكف أدمعها ويخجل القمر فتضيء ملامحه

وتقترب الأنجم رغم ضياءه فتراقب نبضنا

وتنام النوارس على صفحتنا

ترتفع موجتنا بالشغف وتهبط بالحب والسلام

أبتعد بموجتي قليلاً لتعود وتقبّلك

وننبض