لأنه يفترض بالعقلانية أن تكون وسطية ومنطقية ومنصفة، ولكن هنا لا أتحدث عن الشخص الذي يفضل استخدام عقله في تحليل الامور والذي نرمز له بالحرف T (المفكّر) في تصنيف الشخصيات الـ16 MBTI لمايرز وبريجز..
هنا أتحدث عن من يستخدم عقله (المحدود) في قياس كل شيء، فيغيب عنه التعاطف والحكمة والبصيرة لأنه يستلزم الحصول على دليل مادي وشيء تدركه الحواس ليصدق، في حين أن التوازن مطلوب كشيء فردي نحتاجه في حياتنا وكذلك في الفسيفساء الجماعية التي تمثل البشرية، لا بد من عقلانيين يبحثون عن الإيمان والحكمة في رحلة روحية يحتاجونها، وبالمقابل روحانيون متعاطفون يحكمون صوت العقل والمنطق حتى يقووا ذكاءاتهم المتعددة والجوانب القيادية ومهارات الحياة..
لم أكن أعرف أنني سأواجه نفسي بهذه الطريقة، حين داهمتني لحظات من الصحوة الروحية كما يسمونها..
إن كان سبق لك أن وقعت في حفرة بلا قرار، تنتظر الارتطام بجحيم هيديس، أو سكان جوف الأرض، أو حتى اللب المصهور الذي لا تنجو منه المعادن، فستفهم شعوري حينها..
كانت فترة تفجرت فيها المشاعر والأحاسيس والذكريات وكأنها تريد أن تتطهر مني وأتطهر منها، ومعها طفت جروح الطفل الداخلي لتنكأ نفسها بلا إرادة مني..
عاودتني ذكريات المرض وخيبات الأمل ودروس العلاقات، وما بين هذه الحالة وبين الغربة والوقوف على حافة الاكتئاب، الذي كاد أن يعيدني حتمًا للوقوع في ذات الحفرة، بينما كانت جحافل الشياطين بالقاع تستميت لأن ترد اعتبارها بعد هروبي من قبضتهم..
ولكن فجأة، جاءت التباشير والإلهامات الإلهية، وفُتحت بصيرتي، وكأنني أرى العالم لأول مرة على حقيقته الأولى، تماما كما يراه الوليد لحظة ولوجه للدنيا قبل أن يصرخ إعلانًا لحضوره. وأدركت أنني أولد من جديد في كل مرة أواجه نفسي بشجاعة، وأن النفس تحتاج للضياع أحيانًا لتجد نفسها مجددًا، وتخوض نزالًا آخر في حلبة الحياة..
وبدأت أفقد قيمة الأشياء، وكأن قلبي ناله الجمود فجأة وفقد قيمته..
(2)
قد تفقد شخصاً، وطناً، ذكرى، ألم هذا الفقد لا يعدل خسارة قيمته بداخلك وما يعنيه لك..
اطمئن عزيزي لا رغبة لدي لاستعدائك، من برأيك هذا الكاتب غير المهذب الذي يبني كتاباته على أمل استنطاق كل الشتائم حتى التي لا نراها في المعاجم، فقط ليرضى بداخله ميلًا مازوخيًا لمسح كرامته بالأرض، أنا لست من هؤلاء الكتّاب، ولا أعلم إن كانوا موجودون حقًّا -في غير الصحافة الرياضية و أبواق جوبلز النازية وما شابهها..
كل مافي الأمر أنه استفزتني أمور معينة وأريد أن تشاركني امتعاضك وازدرائك لهذه الممارسات، فلا أريد أن أبقى وحدي في هذا الجانب من الطريق أندب العقلانية والجدية في زمن التافهين، والحياة مع الجماعة رحمة كما يقولون، أما الموت رحلة فردية لعالم أوسع وليس تجربة جماعية كما تعلم..
أولى هذه الممارسات هي….
أتدري لن أشرحها لك، بل سأصف لك المشهد كما هو ونعود لنتناقش حول ذلك..
هل مرّ عليك موقف ما، تقابل فيه شخصًا بالصدفة في مكان عام أو مناسبة، وبينما أنت تعرفه يقينًا لأن مساراتكم تقاطعت في دراسة أو عمل أو هواية قبل أعوام، وتتحدث معه بحماس وترحب به، تصطدم بأنك نسيت اسمه، وتشعر بالحرج لذلك..
ذات الشيء يحدث مع الأشياء، مكان، أغنية، لون، فيلم، شخصية روائية، قطعة أثاث، شجرة، طائر، سمكة، نجمة، نعرفها ونتذكر شكلها وأين رأيناها وكيف ومتى، ولكن ننسى اسمها..
بل قد ننساها وهم معنا وأمامنا بسبب انشغال أذهاننا في مهمة أخرى، كما حدث لي قبل نشر هذا المقال مع رئيس تحرير صحيفتنا (آخر أخبار الأرض) الأستاذ محمد الفريدي، الذي استمر يناديني بإبراهيم طيلة محادثتنا، إلى أن نبهته لذلك، حيث أرجع السبب لكثرة المحادثات والمهام ولا لوم عليه..
حوار مع أ. حسين السنونة -صحيفة النهار السعودية الإلكترونية
يؤكد القاص والروائي وليد قادري في حديثه مع صحيفة “النهار” السعودية: أن القصة تحتاج لجمهور أوسع من خلال أندية القراءة وورش الكتابة والمسابقات المستمرة وتحويلها لإنتاجات مرئية وسمعية ومسرحية أكثر من احتياجها للمهرجانات لو كانت ستقتصر فقط على الدراسات النقدية وإلقاء الكاتب لقصصه على المنبر. في رأيي أن القصة تُقرأ ولا تُلقى مهما كان تمكن القاص من الإلقاء. ولا يمنع من وجود ملتقيات تحتفي بالقصة وكُتّابها ويستفاد من تجاربهم وإصداراتهم.
ماذا تقول عن تجربتك القصصية بعد السنوات من خلال النشر والاحتفاء بالإصدارات المتعددة ؟
أشعر أنني ما زلت في بداية الطريق. صحيح أن نشر خمسة كتب منها مجموعتين قصصيتين عن دار تشكيل (ذات حكاية 2018 – الأبواب التي رأت 2019) منحني الثقة إلى حد ما، والاحتفاء بها وبتجربتي السردية من خلال مشاركتي في سلسلة قصص من السعودية الصادرة عن هيئة الأدب والترجمة والنشر وفي معارض الكتب المحلية والخليجية وأمسيات الشريك الأدبي منحني مسؤولية أكبر.
لكن الأمر تغير بالنسبة لي ولم يعد فقط مرحلة إنجاز ونشر، كل كتاب لي كان فرصة للتعلم أكثر من كونه إنجازًا. وعندما أعود للبدايات قبل 12 عامًا وأقارنها بما أنا عليه الآن أعود ممتنًا لكل تلك المسافة التي تعلمتها وإن لم يكن الطريق سهلًا.
فتحولت إلى صاحب مشروع أكبر من كوني كاتب قصة فقط يجمع القصص في مجموعات تخلد أثره، وإصداراتي القادمةوأولها مجموعتي القصصية (قصص تمردت على قبعة الكاتب) ويليها عمل سردي عن أساطير منطقة جازان، سيتضح المشروع بكامل معالمه للمهتمين والأحباب.
وهذا جعلني أدرك أن الكاتب الحقيقي لا بد ألا يتوقف عن اكتشاف نفسه ودوره ورسالته في الكتابة والأدب وفي الحياة عمومًا. فالكتابة رحلة مع الذات قبل القارئ، وما زلت أتعلم مع كل قصة ونص جديد.
كيف تفسر ضعف حضور القصة في المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية؟
حضور القصة لدينا ليس ضعيفًا بالمعنى المباشر، بل أن العديد من كتاب القصة لديهم حضور بارز في العديد من الأمسيات الثقافية والمناسبات الأدبية وهذا يسري أيضًا على الشعر لو أردنا المقارنة. لكن طبيعة القارئ في عصرنا هذا بدأت تميل للأعمال الطويلة التي تتوازى مع ثورة المنصات الرقمية بأعمالها المرئية المتعددة ما بين أفلام ومسلسلات.
للأسف لم تتمكن القصة من اختراق هذا المجال كما السابق، أذكر العديد من القصص القصيرة لتشيخوف ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهم تم تحويلها لأفلام وحلقات مرئية. هذا قد يدعو المشاهد لمتابعة مجموعة قصصية كاملة لكاتب ما فقط لأنه شاهد قصة منها مجسدة على الشاشة. ومع أن القصة تحتاج لقارئ يمنحها الانتباه الكامل إلا أنها تحتاج لتغيير طرق حضورها فهي قادرة على التجسد كلما وجد الكاتب صوته الحقيقي.
ماذا تقول عن تطور المشهد الثقافي في المملكة في كل المجالات الأدبية؟
هذا موضوع ثقيل أخذ مني جهداً نفسياً هائلاً. مع الحادثة الأخيرة التي وقعت في مصر، والمعروفة بمقتل “فتاة الشاي”، كانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير. نحن نتحدث عن حالة من التبلد المشاعري وجمود العواطف تفقد معها الاهتمام بأي شيء حولك. فكيف لفتاة تبلغ خمسة عشر عاماً، ترتكب جريمة قتل بدهس بائعة شاي، وتكون أول ردة فعل لها هي الابتسام أمام الكاميرا بكل وقاحة؟! بل وتقوم بحركة بذيئة بإصبع يدها! إن ما أثار اهتمامي وقسم ظهري هو تلك “الابتسامة” وحركة الإصبع الناتجة عن وعي.
وهنا نأتي لتفكيك هذا الوعي؛ يتجلى الأمر في عبارة: “من أمن العقوبة أساء الأدب”. فجريمة القتل في أثرها لدى الفتاة مجرد حادث مروري ثانوي، لأن بائعة الشاي ليست مهمة ولا قيمة لها. عندما يشعر الفرد بأن هناك دائماً مخرجاً ماديّاً أو سلطويّاً لأفعاله (كالاتصال بالأب أو التلاعب بالحقائق ليتولى الأخ المسؤولية) فإن الأفعال تفقد وزنها القيمي. الجريمة تحولت إلى “مشكلة إجرائية” لها حل، وهذا يحول البشر إلى أرقام وثانويات في خلفية المشهد. والنتيجة؟ ناس تكسر وتسرق وتقتل وهي عارفة أن هناك من سينجيها، ففقدت الأفعال ألوانها وضاعت بوصلة الأخلاقيات.
هل مرّ بك شعور أن عملك الأول وُلد مشوَّهًا إلى حد ما؟
لم أكن أتوقع أن تبدأ رحلتي مع الكتابة في الخامسة والثلاثين من عمري. لا تُعلن موهبة الكتابة عن نفسها دائمًا في وقت مبكر. بعض الكُتّاب يكتشفونها منذ الطفولة من خلال فضولهم وميلهم إلى المراقبة ورغبتهم في سرد ما يرونه حولهم. لكن آخرين يصلون إلى الكتابة في مراحل متأخرة من حياتهم، بعد سنوات طويلة امتلأت بالقراءة والتجارب والتأمل. تلك السنوات تبدو صامتة في ظاهرها، لكنها تجمع ببطء الوقود الذي سيشعل لاحقًا شرارة الإبداع.
أعتبر نفسي من هذه الفئة التي بدأت متأخرًا، وقبل ذلك بسنوات مررت بتجربة مرض مبكرة تركت أثرًا عميقًا في حياتي، لكنني تعافيت بفضل الله ثم بدعم عائلتي وأصدقائي. بعد تلك المرحلة سافرت مع زوجتي إلى الولايات المتحدة لمواصلة الدراسة، وهناك بدأت الكتابة تأخذ مكانًا مختلفًا في حياتي.
لم أكن قد كتبت بجدية من قبل، لكن القراءة كانت جزءًا أصيلًا من عالمي منذ الصغر. قرأت آلاف الكتب وشاهدت عددًا هائلًا من الأعمال السينمائية، وكانت القصص بأشكالها المختلفة تسكن خيالي منذ سنوات. ومع تشجيع بعض الأصدقاء، قررت أخيرًا خوض تجربة كتابة ونشر كتابي الأول.
وكما يحدث مع كثير من الكُتّاب، استغرقت كتابة ذلك الكتاب أشهرًا من التفكير والمراجعة. فالكتاب ليس مجرد نص يُكتب، بل تجربة يسكب فيها الكاتب شيئًا من تأملاته وأسئلته وذكرياته، على أمل أن يجد قارئًا يشعر بأن تلك الكلمات تمس جزءًا من تجربته هو أيضًا.
-احكِ لنا عن طفولتك… كيف كانت بدايتك في الحياة؟ وما أكثر ما تتذكره من تلك السنوات الأولى؟
طفل فضولي جدًا، هذا ما أتذكره، أسأل عن كل شيء وأجرب كل شيء وأقرأ كل شيء، لم أكن شقيًا بالمعنى الحقيقي لكن التعامل معي كان يحتاج إلى الصبر على شغفي الدائم بمعرفة كل شيء حتى وإن لم أفهمه، خاصة أننا كنا نسكن في حارة البلد بجيزان قريبًا من البحر وهو يمدك بالعديد من التساؤلات التي لن تجد إجابتها إلا لو خضت غمار البحر..
-كيف تصف الجو العائلي الذي نشأت فيه؟ وما القيم أو العادات التي أثّرت فيك من أسرتك؟
جو هادئ لطيف، أبي وكيل مدرسة ابتدائية وأمي ربة منزل مهتمة بتربيتي وأخوتي، كنت محظوظًا بعائلة ممتدة تقرأ، وهكذا في كل منزل هناك كتاب ما ينتظرني، القراءة شكلتني لحد ما في تلك الفترة خاصة المجلات القديمة مثل ماجد وباسم وسمير وميكي وغيرها..