قلبه أخضر 

قبل اختراع بالتة الألوان الرقمية في برنامج الرسام على الحاسوب المكتبي مرورًا بالفوتوشوب وأدواته المعقدة وصولًا للاكتشافات الطبية التي تقول إنّ عين الإنسان قادرة على رؤية عشرة ملايين لون تقريبًا، أزعم وأعتقد أنّ البشر كانوا يوحدون مسمى لون بعينه على كثير من الأشياء المتشابهة بصريًا ولا يعترفون بالدرجات اللونية التي لاحقًا استفاد منها على الأغلب باعة الدهانات.. 

لا تهمنا المعلومة أعلاه، كما لا تهمنا المعلومة التالية التي تتناول ذكرى لي مع والدي وأصدقائه في جيزان، حيث كانوا يطلقون على أي شخص حنطي أو أسمر اللون بأنه (أخضر أو أخضراني)..

ولو رجعنا للتاريخ وبالتحديد في وصف القدماء للون السماء والبحر وحتى عروق الإنسان ، لوجدنا اختلافًا عما نعرفه اليوم عن الألوان، فالعين ترى طيفًا هائلًا من الألوان لكن اللغة هي من تقسمه إلى أسماء، والمسميات تتطور مع الزمن لكن يبقى أثرها، ولك أن تستشهد بمسمى (ذوو الدماء الزرقاء) الذي كان يطلق على الطبقة الأرستقراطية الحاكمة والتي تحافظ على بياض جسدها بعيدًا عن الحقول والمعارك والأسواق فتبرز العروق بلون أزرق فيعتقد بقية الشعب أن هؤلاء الملوك دمهم أزرق بالفعل..

يكفي حديثًا عن الألوان هنا ونعود لوصف (أخضراني) للشخص الأسمر في مجتمع جيزان، وذلك يقودنا لمقولة أخرى يطلقونها على الشخص الذي ما زال يتمسك بشبابه ومراهقته وميله للرومانسية بأن (قلبه أخضر)..

إقرأ المزيد

عن الكتابة أتحدث 

(ا)

علامات تدل على أنك (ممسوس) بالكتابة:

أنت مراقب جيد لكل ما حولك بحثًا عن فكرة جديدة للكتابة..

هادئ في مظهرك الخارجي لكنك صاخب كطبول حرب بداخلك..

ترى نصوصك وقصصك بعد حين وتتساءل:

“من الذي كتبها؟!”..

الأفكار تعبرك وتخترقك وتكتب نفسها بلا حول منك ولا قوة..

إن داهمتك فكرة وأنت واقف، تجلس..

وإن كنت تقود السيارة تقف جانبًا..

وإن كنت تتكلم مع أحدهم تتململ أو تعتذر باتصال مفاجئ أو لتلبية نداء الطبيعة..

تصفعك (قفلة) الكتابة من وقت لآخر كجدار في وجه الأفكار.. 

(ل)

 كنت -وما زلت- أنظر بافتتان لأصحاب المواهب كالتصوير والعزف والغناء والرسم والتصميم وحتى الإلقاء والخطابة، والكيفية التي يدغدغون فيها حواسنا ليضيفوا معنى أعمق للأشياء..

حتى جربت الكتابة..

كانت الكتابة هي الجسر الذي نقلني إلى ضفتهم، ساعدتني كي أُسخّر أحرفي لأتذوق الموسيقى وأسمع الألوان وأرى ما خلف الصور واللوحات والقصائد..

كانت الكتابة هي الهبة التي احتجتها والحاسة التي استشعرت بها الفنون..

إقرأ المزيد

البرد اشتد

مع أنني أكتب هذا المقال في مفترق الطرق بين الصيف والخريف لكنه ليس حنينًا للشتاء بل لشيء آخر..

قبل أن تبدأ القراءة، توجه لليوتيوب -أو التكتوك إن رغبت بنسخة أقصر- وابحث عن هاتين الأغنيتين:

الأولى لفرقة ABBA

أغنية (Voulez Voux)

والثانية إعلان قديم لثوب الدفة 

أغنية (البرد اشتد)

خذ وقتك يا صديقي سأنتظرك وأكمل قهوتي السوداء..

*** 

كتابة وموسيقى وقهوة سوداء..

صورة نمطية متكررة للمثقف أليس كذلك؟! 

أعدك أن المقال ليس عن هذا أيضًا..

حدثني الآن عن مشاعرك بعد الاستماع للأغنيتين سواء كنت من ذلك الجيل الذي عرفها بالطفولة أو أنك لم تسمعهما من قبل، أما لو كنت متحفظًا على الموسيقى – وهذا حقك- فلتكتف بهذا القدر فما سأكتبه بعد هذا المقطع لن يضيف إليك شيئًا..

إقرأ المزيد

عباءة التطرف

(1)

هل أنت عقلاني متطرف؟!

وقعها عجيب على الأذن، أليس كذلك؟!

لأنه يفترض بالعقلانية أن تكون وسطية ومنطقية ومنصفة، ولكن هنا لا أتحدث عن الشخص الذي يفضل استخدام عقله في تحليل الامور والذي نرمز له بالحرف T (المفكّر) في تصنيف الشخصيات الـ16 MBTI لمايرز وبريجز..

هنا أتحدث عن من يستخدم عقله (المحدود) في قياس كل شيء، فيغيب عنه التعاطف والحكمة والبصيرة لأنه يستلزم الحصول على دليل مادي وشيء تدركه الحواس ليصدق، في حين أن التوازن مطلوب كشيء فردي نحتاجه في حياتنا وكذلك في الفسيفساء الجماعية التي تمثل البشرية، لا بد من عقلانيين يبحثون عن الإيمان والحكمة في رحلة روحية يحتاجونها، وبالمقابل روحانيون متعاطفون يحكمون صوت العقل والمنطق حتى يقووا ذكاءاتهم المتعددة والجوانب القيادية ومهارات الحياة..

إقرأ المزيد

صحوة متأخرة

(1)

لم أكن أعرف أنني سأواجه نفسي بهذه الطريقة، حين داهمتني لحظات من الصحوة الروحية كما يسمونها..

إن كان سبق لك أن وقعت في حفرة بلا قرار، تنتظر الارتطام بجحيم هيديس، أو سكان جوف الأرض، أو حتى اللب المصهور الذي لا تنجو منه المعادن، فستفهم شعوري حينها..

كانت فترة تفجرت فيها المشاعر والأحاسيس والذكريات وكأنها تريد أن تتطهر مني وأتطهر منها، ومعها طفت جروح الطفل الداخلي لتنكأ نفسها بلا إرادة مني..

عاودتني ذكريات المرض وخيبات الأمل ودروس العلاقات، وما بين هذه الحالة وبين الغربة والوقوف على حافة الاكتئاب، الذي كاد أن يعيدني حتمًا للوقوع في ذات الحفرة، بينما كانت جحافل الشياطين بالقاع تستميت لأن ترد اعتبارها بعد هروبي من قبضتهم..

ولكن فجأة، جاءت التباشير والإلهامات الإلهية، وفُتحت بصيرتي، وكأنني أرى العالم لأول مرة على حقيقته الأولى، تماما كما يراه الوليد لحظة ولوجه للدنيا قبل أن يصرخ إعلانًا لحضوره. وأدركت أنني أولد من جديد في كل مرة أواجه نفسي بشجاعة، وأن النفس تحتاج للضياع أحيانًا لتجد نفسها مجددًا، وتخوض نزالًا آخر في حلبة الحياة.. 

وبدأت أفقد قيمة الأشياء، وكأن قلبي ناله الجمود فجأة وفقد قيمته..

(2)

قد تفقد شخصاً، وطناً، ذكرى، ألم هذا الفقد لا يعدل خسارة قيمته بداخلك وما يعنيه لك..

إقرأ المزيد

لو سمحت أريد استفزازك 

اطمئن عزيزي لا رغبة لدي لاستعدائك، من برأيك هذا الكاتب غير المهذب الذي يبني كتاباته على أمل استنطاق كل الشتائم حتى التي لا نراها في المعاجم، فقط ليرضى بداخله ميلًا مازوخيًا لمسح كرامته بالأرض، أنا لست من هؤلاء الكتّاب، ولا أعلم إن كانوا موجودون حقًّا -في غير الصحافة الرياضية و أبواق جوبلز النازية وما شابهها..

كل مافي الأمر أنه استفزتني أمور معينة وأريد أن تشاركني امتعاضك وازدرائك لهذه الممارسات، فلا أريد أن أبقى وحدي في هذا الجانب من الطريق أندب العقلانية والجدية في زمن التافهين، والحياة مع الجماعة رحمة كما يقولون، أما الموت رحلة فردية لعالم أوسع وليس تجربة جماعية كما تعلم..

أولى هذه الممارسات هي….

أتدري لن أشرحها لك، بل سأصف لك المشهد كما هو ونعود لنتناقش حول ذلك..

إقرأ المزيد

أسامينا

هل مرّ عليك موقف ما، تقابل فيه شخصًا بالصدفة في مكان عام أو مناسبة، وبينما أنت تعرفه يقينًا لأن مساراتكم تقاطعت في دراسة أو عمل أو هواية قبل أعوام، وتتحدث معه بحماس وترحب به، تصطدم بأنك نسيت اسمه، وتشعر بالحرج لذلك..

ذات الشيء يحدث مع الأشياء، مكان، أغنية، لون، فيلم، شخصية روائية، قطعة أثاث، شجرة، طائر، سمكة، نجمة، نعرفها ونتذكر شكلها وأين رأيناها وكيف ومتى، ولكن ننسى اسمها..

وهنا تساؤل يطرح نفسه: لماذا نحتفظ بملامح الآخرين والأشياء، بينما ننسى الأسماء ؟! 

بل قد ننساها وهم معنا وأمامنا بسبب انشغال أذهاننا في مهمة أخرى، كما حدث لي قبل نشر هذا المقال مع رئيس تحرير صحيفتنا (آخر أخبار الأرض) الأستاذ محمد الفريدي، الذي استمر يناديني بإبراهيم طيلة محادثتنا، إلى أن نبهته لذلك، حيث أرجع السبب لكثرة المحادثات والمهام ولا لوم عليه.. 

وهنا موقف حدث معي وقد يحدث لغيري كما أظن..

إقرأ المزيد

حوار مع صحيفة النهار السعودية الإلكترونية

حوار مع أ. حسين السنونة  -صحيفة النهار السعودية الإلكترونية

يؤكد القاص والروائي وليد قادري في حديثه مع صحيفة “النهار” السعودية:  أن القصة تحتاج لجمهور أوسع من خلال أندية القراءة وورش الكتابة والمسابقات المستمرة وتحويلها لإنتاجات مرئية وسمعية ومسرحية أكثر من احتياجها للمهرجانات لو كانت ستقتصر فقط على الدراسات النقدية وإلقاء الكاتب لقصصه على المنبر. في رأيي أن القصة تُقرأ ولا تُلقى مهما كان تمكن القاص من الإلقاء. ولا يمنع من وجود ملتقيات تحتفي بالقصة وكُتّابها ويستفاد من تجاربهم وإصداراتهم.

ماذا تقول عن تجربتك القصصية بعد السنوات من خلال النشر والاحتفاء بالإصدارات  المتعددة ؟

 

أشعر أنني ما زلت في بداية الطريق. صحيح أن نشر خمسة كتب منها مجموعتين قصصيتين عن دار تشكيل (ذات حكاية 2018 – الأبواب التي رأت 2019) منحني الثقة إلى حد ما، والاحتفاء بها وبتجربتي السردية من خلال مشاركتي في سلسلة قصص من السعودية الصادرة عن هيئة الأدب والترجمة والنشر وفي معارض الكتب المحلية والخليجية وأمسيات الشريك الأدبي منحني مسؤولية أكبر. 

لكن الأمر تغير بالنسبة لي ولم يعد فقط مرحلة إنجاز ونشر، كل كتاب لي كان فرصة للتعلم أكثر من كونه إنجازًا. وعندما أعود للبدايات قبل 12 عامًا وأقارنها بما أنا عليه الآن أعود ممتنًا لكل تلك المسافة التي تعلمتها وإن لم يكن الطريق سهلًا. 

فتحولت إلى صاحب مشروع أكبر من كوني كاتب قصة فقط يجمع القصص في مجموعات تخلد أثره، وإصداراتي القادمةوأولها مجموعتي القصصية (قصص تمردت على قبعة الكاتب) ويليها عمل سردي عن أساطير منطقة جازان، سيتضح المشروع بكامل معالمه للمهتمين والأحباب. 

وهذا جعلني أدرك أن الكاتب الحقيقي لا بد ألا يتوقف عن اكتشاف نفسه ودوره ورسالته في الكتابة والأدب وفي الحياة عمومًا. فالكتابة رحلة مع الذات قبل القارئ، وما زلت أتعلم مع كل قصة ونص جديد. 

 

   كيف تفسر ضعف حضور القصة في المشهد الثقافي في المملكة العربية السعودية؟ 

 

حضور القصة لدينا ليس ضعيفًا بالمعنى المباشر، بل أن العديد من كتاب القصة لديهم حضور بارز في العديد من الأمسيات الثقافية والمناسبات الأدبية وهذا يسري أيضًا على الشعر لو أردنا المقارنة. لكن طبيعة القارئ في عصرنا هذا بدأت تميل للأعمال الطويلة التي تتوازى مع ثورة المنصات الرقمية بأعمالها المرئية المتعددة ما بين أفلام ومسلسلات. 

للأسف لم تتمكن القصة من اختراق هذا المجال كما السابق، أذكر العديد من القصص القصيرة لتشيخوف ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهم تم تحويلها لأفلام وحلقات مرئية. هذا قد يدعو المشاهد لمتابعة مجموعة قصصية كاملة لكاتب ما فقط لأنه شاهد قصة منها مجسدة على الشاشة. ومع أن القصة تحتاج لقارئ يمنحها الانتباه الكامل إلا أنها تحتاج لتغيير طرق حضورها فهي قادرة على التجسد  كلما وجد الكاتب صوته الحقيقي.

   

ماذا تقول عن تطور المشهد الثقافي في المملكة في كل المجالات الأدبية؟    

إقرأ المزيد

الرحلة من هابيل إلى قابيل

بقلم أ. مهدي عصام

هذا موضوع ثقيل أخذ مني جهداً نفسياً هائلاً. مع الحادثة الأخيرة التي وقعت في مصر، والمعروفة بمقتل “فتاة الشاي”، كانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير. نحن نتحدث عن حالة من التبلد المشاعري وجمود العواطف تفقد معها الاهتمام بأي شيء حولك. فكيف لفتاة تبلغ خمسة عشر عاماً، ترتكب جريمة قتل بدهس بائعة شاي، وتكون أول ردة فعل لها هي الابتسام أمام الكاميرا بكل وقاحة؟! بل وتقوم بحركة بذيئة بإصبع يدها! إن ما أثار اهتمامي وقسم ظهري هو تلك “الابتسامة” وحركة الإصبع الناتجة عن وعي.

وهنا نأتي لتفكيك هذا الوعي؛ يتجلى الأمر في عبارة: “من أمن العقوبة أساء الأدب”. فجريمة القتل في أثرها لدى الفتاة مجرد حادث مروري ثانوي، لأن بائعة الشاي ليست مهمة ولا قيمة لها. عندما يشعر الفرد بأن هناك دائماً مخرجاً ماديّاً أو سلطويّاً لأفعاله (كالاتصال بالأب أو التلاعب بالحقائق ليتولى الأخ المسؤولية) فإن الأفعال تفقد وزنها القيمي. الجريمة تحولت إلى “مشكلة إجرائية” لها حل، وهذا يحول البشر إلى أرقام وثانويات في خلفية المشهد. والنتيجة؟ ناس تكسر وتسرق وتقتل وهي عارفة أن هناك من سينجيها، ففقدت الأفعال ألوانها وضاعت بوصلة الأخلاقيات.

إقرأ المزيد