خوفٌ ممزقٌ يحتضر

كان الخوف يمشي في أمان، يحاذي جذوع الأشجار، ينزوي بين الظلال كي لا يراه أحد..

وعندما رآه الناس انطلقوا خلفه، كان يجري وهم وراءه وهو لا يدري لماذا يطاردونه ؟!

فهو يعلم بأنه مؤذٍ لهم وهو لا يريد أن يؤذيهم..

سمع صوت السباع من خلفهم..

زاد في سرعته وزادوا معه هرباً من السباع، سقط أرضاً في الغابة فالتموا حولوه وتنازعوه..

أحاطت بهم السباع، حريق وغرق وارتفاعات وغرف مغلقة وعناكب ومتنمرون وفراق أحبة وغيرها كثير، كان الناس يمزقون الخوف ويطعمونه لهم، هدأت السباع عندما تذوقت طعمه، مكث الناس دهراً في منتصف الغابة، كلما زمجرت السباع قاموا ليمزقوا مزيداً من الخوف بأيديهم ليسكتوا سباعهم..

أشرقت شموسٌ عدة والخوف ممددٌ بقلب محتضر، كلما مزق الناس منه شيء عاد لينمو، ربما سيموت الخوف في أمان إن توقف قلبه..

ألبُكّة وخردل بعسل الصنوبر ..

(1)

كانوا في المنتصف، صاحب المطعم وصديقه الصحفي المتخصص في مجال الأغذية والطبخ وثلاثة آخرون معه: ذواقة وناقد وثالثٌ يراقب..

جلسوا على طاولة مربعة، خمسة كراسي أحدها استعاروه من الطاولة الخلفية، ضوء الشمس يسترق النظر عبر ثنايا ستائر البامبو الفخمة على النوافذ..

الجو بارد لا يطاق وزاده برودة ذلك الهدوء الذي جمعهم قبل أن يطلق صاحب المطعم كلمة بددت السكون:

-ألبُكّة.. هاه..

وهز رأسه بندم ممزوج بالغضب وقام يجر خطواته نحو الباب ففتحه وأشار بيده للبقية أن تفضلوا خارجاً، تمعن في ملامحهم العابسة غير الراضية على طرده إياهم وهو يستذكر الأحداث التي سبقت هذه اللحظة في الأيام الثلاثة الماضية..

إقرأ المزيد

ماذا لو استيقظت ؟!

ماذا لو كنا التقينا هناك في عالمنا

روحان بقلبٍ واحد ونجمةٍ ..

ماذا لو كا‫نت أرواحنا مرتبطة بالنجوم ‬

‫ونحن نيامٌ على هذه الأرض ‬

‫وكلما خبا نجمٌ وأفَل ‬

‫استيقظنا ..‬

‫ماذا لو كان الأكسجين الذي نتنفسه ‬

‫هو مخدر يمنعنا من رؤية الحقيقة ‬

‫التي لن نراها إلا حينما ينقطع عنا للأبد ..‬

‫ماذا لو كنت ظلّاً ‬

‫أفِرُّ من عتمتي إلى نورك كي أبقى ..

‫ماذا لو كنت خيالاً ‬

‫أجوب العوالم والقصص بحثاً عن قلبٍ جمعنا‬

‫أحمل نجمة توشك على الأفول في يدي ‬

‫أصعد للسماء ‬

‫ينقطع عني الهواء ‬

‫تخبو نجمتي ‬

‫فأستيقظ ‬

‫وأجدك ..‬

ليتني كنت صخرة

ابحث عن صخرة

اخترها معزولة ومنفردة ووحيدة مثلك تماماً

اربت عليها واطلب صداقتها

احكِ لها عن مشاعرك وعن الخدلان الذي تواجهه

حدثها عن صعوبة تعاملك مع البشر

أسرر لها بأمنياتك

كحلمك بأن تجوب العالم ذات يوم

وأملُك بأن تسافر للنجوم ولا تعود

وبرغبتك بأن تصبح صخرة مثلها

أو أن تستبدلها بقلبك

أصبحت دُمية

تحولت إلى ما يشبه الدمية

فأحدهم يحتضنني قبل نومه بشدة فأختنق

وآخر يضعني في دولاب انتصاراته مع دُمىً أخرى

وثالثٌ يغرس الدبابيس في جسدي كأنه يمارس طقوس سحر الفودو

أصبحت دمية جامدة لا تشعر

دمية تتحمل هراءهم ودموعهم والضربات الموجعة على الحائط حينما يرمونني لأنهم غاضبون

وها أنذا بزيٍ متسخ وخيوط ممزقة على ناصية الشارع بجوار مكب النفايات

قد أكل فأرٌ أحشائي المتدلية وقرر النمل أنني منزلهم الجديد

روتين

استيقظت فجأة، وبحركة آلية توجهت إلى دورة المياه، وقفت تتأمل وجهها في المرآة، رفعت حاجبيها، تثاءبت، مطت شفتيها وزمتها، أغلقت عينيها ثم فتحتهما بأقصى اتساع، وضعت يدها على حافة الحوض واقتربت من المرآة، التصق أنفها بأنف انعكاسها، وبينما هي تبحث عن تجعيدة جديدة في بشرتها، استفزتها التقلصات العجيبة التي يتعمد الانعكاس صنعها في وجهها، تشعر وكأنه يسخر منها، وكأنه يقلدها، غضبت لوهلة، غسلت وجهها وجففته وفرشت أسنانها، عاد انعكاسها يقلص ملامحه باستخفاف، امتعضت واتسع بؤبؤ عينيها، تلك الحركات المجنونة التي يقوم بها الفرد حينما يعلم أنه غير مراقب..

هز انعكاسها كتفيه بلا مبالاة وأعطاها ظهره وتوجه إلى الباب وفتحه بينما هي تراقبه في حقد، عادت لسريرها بداخل عالم المرآة وهي تغمغم وتستنكر هذا الروتين الصباحي المعتاد..