ندّاهة.. (من الأساطير الجيزانية)

في منتصف حقل الذرة، والليل يتثائب كحارسٍ كهل على بوابة مقبرة ينتظر استيقاظ الديكة، وقف (فواز) جاحظ العينين ويردد بلا انقطاع:

” فاطم، … فاطم حسن،… فاطم..” قبل أن تمتد يدٌ فاتنة لكتفه وتسحبه إليها بلا حول له ولا قوة منقادًا كشاة في يوم النحر..

****

-“فاطم حسن..

اختلفت الروايات حولها، ولكنني أذكر أن ابن عمي حكى لنا أنها جنية فائقة الجمال وأنها ابنة (حسين مسفر جحفان) ملك الجن في الجبل الذي نراه في أفق قريتنا، لقد أحبت شابًا من البشر وهربت معه، ولكن أعوان والدها أدركاهما وصلبوا الشاب ثم خيّر أهل قريته بين الرحيل أو حرقهم أحياء..

إقرأ المزيد

ربما أن

لننظر إلى الأمور بطريقة مختلفة:

ربما أن
الشخص الذي يعاني من أعراض عقلية أو لديه مسّ من جنون أو تعامل مع كيانات أخرى خارج وعينا البشري، يحمل قدرات أعلى منا واستجابته لذبذبات الكون أقوى منا لكن عقله لم يستجب بالشكل الملائم وهذا لا ينفي تفوقه عنا

ربما أن
الطفل الذي يولد بعرض طبي معين هو وسيلة لاجتماعنا حوله وإشعاره بالحب وإشعارنا بحبنا لبعضنا وأن هناك أموراً أهم في الحياة

ربما أن
رحلة شفاءنا من الأمراض تبدأ بمسامحة أنفسنا والآخرين والاقتراب من مكامن الخير والجمال وأن معاناتنا هي وسيلة تعليمية ستنتهي بتفوق

ربما أن
الطفل الذي هجره أبواه عند ولادته واعتبر (غلطة حب) هو مبارك لأنه سيحصد الحب الذي يستحقه منا والذي لن يستطيع والداه إعطاءه

ربما أن
العزلة والانطواء والسلام الداخلي هي الوسيلة التي نصل بها لأعماقنا لنكتشف مزيدا من أسرار الكون المرمزة بداخلنا لأن الحياة الاجتماعية ستكون مشتتة للإنسان الموكل باكتشاف سر جديد يضيفه للبشرية
..

الساحرة التي أحبتني

كانت ساحرة..

تشربت فن الويكا، نهلت من علوم هرمس، غاصت في طقوس الفودو، أطلقت عنان قوى الطبيعة الأربعة واتحدت مع الأثير، تلك القوة الخامسة التي تسري في عروق طاقة الكون كما الدم..

كانت قاهرة..

بتعويذاتها الرونية تلقي بالشياطين عند أقدامها، تزرع الرعب في قلوب أعدائها، تلهم كهنة الدرويد وأحبار القابالاة وكل شامان يحبو يتلمس خطاه في بلاط السحر، وتئدُ كل سلطان اعتقد أن جيوشه تكفي للقضاء على كيان تحدى ليليث يومًا ما..

كانت مرعبة، مخيفة، مهيبة..

و..

في عيني..

رقيقة..

متماهية مع الطبيعة، منسجمة مع قوانينها ونواميسها، تغني للأشجار، تنام عند الجداول، تصافح الندى كل صباح، ترقص تحت المطر، تحادث الطيور والسناجب، تحمل اليراعات على كتفها فتضيء، تداوي البسطاء بأعشاب البراري، وتبتسم، فيذوب قلبي..

كانت شيطانة بأعين الكافرين بقدراتها، ولكنها ملاكي الحارس وتوأم روحي العتيق، فكرة رحيلها ترعبني، والحياة من دونها تخيفني، من دون ضوء مهيب من عينيها، يهدئ روعي..

في هذه اللحظة المنطفئة في أحراش الغابة، أنا بلا حول ولا قوة، مقيدٌ بين شجرتين، والناس من حولي يتهامسون رعبًا وفرحة وتشفّ، يشيرون إلى قرنين متصدعي أعلى رأسي، وإلى قدميّ اللتان تشبهان أقدام الماعز، يرونني مسخًا رجيمًا لا يحق له الحياة، وأنا أتغاضى عن همساتهم الجارحة وأرقب جاحظ العينين ساحرة قلبي هناك، في وسط نار مؤججة من قيح نفوسهم، بين اللهيب، تحترق في صمت، تترمد، تحمل الرياح بقاياها فتتلقطها الأغصان بأسى، وتعوي الذئاب كمدًا على فقدان قمرها، وكأن نجمة النهار تهاوت على رأس عزازيل، وكأن الأغنيات فقدت لحنها فتناثرت صرعى..

وأنا أسقط بداخلي كرمل متحرك، أنفاسي المتلاحقة تبحث عن عطرها، وعينيّ الداميتين تجولان علها ترى طيفها، منتظرًا الخلاص من عذابي لأرافقها لعالم آخر يجمعنا، وقلبي المفطور ينزف من سيف قسيسهم ولا يجف، وكأن دمي الأزرق قد تآمر علي معهم ليمنعني من اللحاق بها بعد أن قتلوا لحظة الوداع..

ألا تبًّا للبشر..

ألا تبًّا لكم..