من أنت في قصتك؟! 

(1) 

تتحدث الروائية ك. م. ويلاند في كتابها (كتابة أنواع الشخصيات النموذجية) عن رحلات التحول المتتابعة في دورة حياة البطل -لمن سمع من قبل عن رحلة البطل كتقنية روائية Hero’s Journey – وقبل أن أغوص عميقًا في هذه الرحلات، دونك المرجع بالإنجليزية للفائدة فلا علم لي بوجود نسخة معربة.. 

Writing Archetypal Character Arcs

by K.M. Weiland

وهذه الرحلات أو المراحل التي يخوضها البطل هي: 

العذراء  Maiden – البطل Hero – الملكة Queen – الملك King – العجوز الحكيمة Crone – الساحر الحكيم Mage..

لن أتحدث عن تقنيات الكتابة فلها موقعها المناسب وأسلوبها الخاص في مقال مستقل، لكنني هنا سأسقط صفات هذه المراحل الشخصية وتحولاتها على رحلتنا الشخصية الواقعية، لأنني أؤمن بأن الأدب انعكاس للحياة كما أن الحياة مرآة للأدب.. 

هناك ثلاثة فصول أساسية في هذه الرحلة.. 

الفصل الأول يحمل ثيمة التفرّد individuation ، ويتناول شخصيتي العذراء والبطل، ويعرّج على أسئلة الهوية والذات، من أنا؟!

الثيمة الغالبة في الفصل الثاني هي التكامل integration ويمثلها شخصيتا الملك والملكة، وتجيب هذه المرحلة عن تساؤلات مثل: 

ماذا أفعل بمسؤوليتي تجاه الآخرين؟!

أما الفصل الثالث فهو عن التجاوز Transcendence ويمثلها هنا شخصيتا الساحر والعجوز الحكيمة ويهتم بالأسئلة الكونية الكبرى وما وراء الذات والحياة والفناء..

لنبدأ بتعريف هذه المراحل وقارنها أنت بمسار حياتك الحالي كما تراه:

نموذج العذراء:

جوهر الرحلة هنا هو الخروج من التبعية واكتشاف الذات، وسؤاله الشخصي: من أنا بعيدًا عما يريده الآخرون مني أن أكون؟! 

نموذج البطل:

رحلته تقتضي الخروج لمواجهة العالم واختبار القوة ومن ثم توجيهها للخدمة، وسؤاله الأزلي: هل أستطيع مواجهة التنين؟! 

وهنا نستطيع استبدال التنين بأي عقبات أو مخاوف تعيقه عن الاستمرار..

نموذج الملكة: 

رحلة انتقال إلى موقع القيادة وحماية المجتمع وتحمل مسؤولية الآخرين، وذلك من خلال السؤال: كيف أستخدم قوتي لحماية من حولي؟!

نموذج الملك:

هي رحلة الصراع الداخلي بعد بلوغ السلطة، وتعلُّم التضحية بها وبالذات من أجل شيء أعظم، والمعضلة هنا: هل أستطيع التضحية بما بنيته؟! 

يدخل في ذلك أيضًا مفاهيم التخفف والتخلي وغيرها..

نموذج العجوز الحكيمة:

رحلة مواجهة الفقد والموت والتخلي عن التعلق بالشكل القديم للحياة، وسؤالها ماذا يبقى مني عندما أفقد ما كنت أظنه أنا؟! 

هي لحظة البقاء على الحافة والنظر للهاوية والسماء بذات الوقت..

نموذج الساحر الحكيم:

وهنا رحلة الوصول إلى التجاوز والحكمة والتخلي عن وهم التحكم، وسؤالها الأكبر: هل أستطيع ترك العالم دون الحاجة للسيطرة عليه؟! 

ومع أنها رحلة تجاوز لكنها عودة بشكل مختلف لرحلة العذراء بحثًا عن الهوية الجديدة..

من الضروري هنا التنويه عزيزي القارئ بأنها ليست مراحل عمرية متتابعة، فقد تكون في مرحلة البطل وأنت في الستين أو في الملك وأنت في العشرين وهكذا، وكذلك ليس لها ارتباط بكونك امرأة أو رجل، هي فقط توصيف لمرحلة ما من حياتك..

لكن هل هذه فعلًا نظرة إلى مراحل الحياة التي نعيشها أو تعيشها الشخصية الروائية أم هناك أسرار أخرى تختبئ خلف هذه المراحل ؟! 

(2) 

ما ناقشناه بالأعلى هو الطبقة الأساسية للرحلة، فهيا لنتعمق أكثر لنصل للجوانب التي لا نحب التحدث عنها والطبقات التي لا تُرى لأول وهلة..

إنها طبقة المرآة التي تعكس ما فينا بدون مواربة ولا مراعاة..

سننتقل من الشخصية التي تمتلك حقيقة تعلمتها عن ذاتها سابقًا، وتستخدمها لمساعدة الآخرين على التغيير، لنتوغّل في الجوانب المظلمة لكل شخصية أو ما يسمى بالصورة الظلية shadow self التي تحدث عنها باستفاضة العالِم كارل يونغ -رفيق فرويد اللدود..

هذه الجوانب الظلية ستقابل شخصياتنا الست بالأعلى، وإن افترضنا أنها شخصيات إيجابية بالمطلق، فالجوانب الظلية تُظهر لنا حالتين، الأولى بها جانب سلبي انسحابي والثانية بها جانب عدواني..

فمثلًا:

شخصية العذراء..

قد تحمل جانب الضحية damsel السلبية أو الفاتنة vixen العدوانية..

شخصية البطل..

قد تحمل جانب الجبان coward السلبي أو المتنمر bully العدواني..

شخصية الملكة.. 

قد تحمل جانب ملكة الثلج snow queen السلبية أو شخصية الساحرة الشريرة sorceress العدوانية..

شخصية الملك..

قد تحمل جانب الدمية puppet السلبي أو جانب الطاغية tyrant العدواني..

شخصية العجوز الحكيمة..

قد تحمل جانب الناسك hermit السلبي أو جانب الساحرة العجوز المشعوذة witch العدوانية..

وأخيرًا شخصية الساحر الحكيم..

قد تحمل جانب البخيل miser السلبي أو جانب الساحر الشرير sorcerer العدواني.. 

وبهذا يكون لدينا 18 احتمالًا مختلفًا لك في قصتك، يعتمد ذلك على مسيرتك في رحلتك وأين وصلت وكيف استفدت من جوانبك الإيجابية وتخلصت من السلبية..

السؤال هنا:

متى يتكون لديك الجانب الظلي الذي ذكرناه بالأعلى؟! 

وببساطة نجيب بأنه ردّة فعلك على عدم النجاح للارتقاء أو الصعود أو الانتقال من مرحلة لأخرى في رحلتك، وردّة الفعل هذه تجعلك سلبيًا أو عدوانيًا بحسب ما تقرر أنت أو يُفرض عليك..

لنضرب مثالًا (والحديث للجنسين):

نجاحك في رحلة العذراء بعيدًا عن تبعية الآخرين سيوصلك لمرحلة البطل، لكن فشلك سيحولك إلى ضحية مستغيثة ضعيفة تدعي المظلومية أو يحولك إلى نرجسي يستغل مزاياه لعرقلة البقية ودفعهم لتبعيته هو..

طبق هذا الحديث على بقية مراحل الرحلة وسترى الانعكاس الذي لا تود أن تراه إن أخفقت..

وبالمقابل سيساعدك هذا على رؤية ظلال شخصيات الآخرين وتحديد مسارهم في رحلة الحياة، وأين أخفقوا، وكيف يستطيعون العودة والانتقال للمرحلة التالية.. 

(3)

وهذا يقودني لسؤال فضولي عزيزي القارئ، سواء إن كنت تعرفني من قبل أو سبق أن قرأت لي:

من أنا في قصتك؟! 

هل كنتُ مرشدًا غيّر طريقك بكلمة ثم غادر؟!

هل كنتُ حاكمًا وفّر لك الاستقرار أم أبًا هيأ لك الرحلة؟!

هل كنتُ تنينًا تحاول تجاوزه؟!

أم تراني متنمرًا بينما أعتقد أنني بطل؟!

وهذا يوصلنا لسؤال ثالث كذلك..

فالسؤال الأول 

موجود في عنوان المقال (من أنت في قصتك؟!)

والسؤال الثاني 

هو المثال الذي ذكرته لك (من أنا في قصتك؟!)

والآن اسأل نفسك 

(من أنت في قصص الآخرين؟!) 

وهل يرونك كما ترى نفسك؟! 

فبينما تعيش حالة البطل في قصتك، ستكون شخصية مساندة وربما هامشية في قصصهم، ولكنهم انعكاس لك كذلك كما أنّك انعكاس لهم، وهنا تكمن أسرار التواصل الإنساني والعلاقات.. 

تأمّل في هذا السؤال طويلًا.. 

ثم عد لرحلتك بعد أن تتغلب على جوانب الظل لديك لتتمكن من العبور للمرحلة التي تليها.. 

لنعد للكتاب الذي تتحدث فيه ويلاند عن 36 نموذجًا في رحلة البطل..

تحدّثنا هنا باختصار -وأرجو أنه غير مخل- عن 18 نموذجًا منها، ست شخصيات أساسية و12 ظلًا للشخصيات..

يتبقى معنا ست مراحل انتقالية و12 خصمًا وجوديًا..

هل تريد أن نستعرض البقية؟!

لن أنتظر إجابتك فأنت بالتأكيد لديك فضول لتعرف..

لدينا ست شخصيات أخرى أو مراحل تسمى بالشخصيات المستقرة أو الانتقالية بين مرحلة وأخرى وهي:

الطفل child: 

البراءة والبدايات..

العاشق lover: 

من اكتشف ذاته وحاول إقامة علاقات دون أن يفقد نفسه..

الوالد parent: 

الذي تجاوز إثبات ذاته والآن يحاول رعاية غيره..

الحاكم ruler: 

القادر على تنظيم عالمه بنفسه بلا مساعدة..

الشيخ elder: 

صاحب الخبرة الذي لا يحتاج لإثبات نفسه لأحد..

المرشد mentor: 

الشخصية التي تساعد البطل في رحلته، وهي للمعلومية أشهر شخصية سردية في الروايات..

لاحظ أنها شخصيات بينية تقع بين مراحل العذراء والبطل والملكة والملك والعجوز الحكيمة والساحر الحكيم..

ثم يأتي بعد ذلك الخصوم الوجوديين الرمزيين، فالجوانب الظلية التي استعرضناها هي خصومك بالداخل وكما قلنا هي ما ستصبح عليه الشخصية إن فشلت في تجاوز مرحلتها، لكن الخصوم الرمزيون هم العقبات بالخارج والتي تمنعك من التجاوز والتطور..

فالعذراء لديها خصمان 

السلطة authority والمفترس predator

لو فشلت في مواجهتهما فسيحوّلانها إلى ضحية أو ستتمرد وتصبح فاتنة مغوية..

والبطل سيجابه فيها 

التنين dragon والملك المريض sick king 

لو فشل في مواجهة التنين سيصبح جبانًا ولو اغتر بنجاحه سيستولي على حُكم الملك المريض ويصبح متنمرًا..

الملكة ستلتقي 

الغازي invader والعرش الفارغ empty throne

إن لم تتمكن من التغلب على الغازي ستصبح باردة الطبع سلبية وهذا لا يليق بالملكة الأم التي تهتم برعاياها، وكذلك العرش الفارغ قد يجعل منها ساحرة شريرة تتحكم فيمن سيعتلي العرش..

الملك سيجد أمامه

الكارثة cataclysm أو المتمرد rebel

وكلاهما تهديد لقدرته على الحماية وسيتحول في حالة فشله إلى دمية يتحكمون به أو طاغية يذيق البقية الويلات..

العجوز الحكيمة ستواجه 

آفة الموت death blight أو المغوي tempter

هل ستصمد إزاء فقدان الأحبة أو تستسلم للإغواءات التي تريدها أن تعود للخلف بدلًا من الارتقاء، وقد تصبح راهبة منعزلة أو مشعوذة..

وأخيرًا مرحلة الساحر الحكيم 

الذي سيرى أمامه 

الضعف البشري human weakness والشر evil

لو لم يساعد الناس على الارتقاء سيحتفظ بعلومه بنفسه ولن يشاركها بخلًا أو يغريه الشر ليصبح ساحرًا خادمًا له.. 

(4)

الآن وبعد استعراض أهم ما ذكرته الكاتبة عن الشخصيات الأساسية وظلالها وشخصياتها المستقرة بين مراحلها الانتقالية وعن الخصوم الذين يعيقون تقدمها وفي ذات الوقت يمنحونها الحافز القوي والتحدي لترتقي..

هنا تأتي المفارقة:

فالشخص نفسه يستطيع أن يؤدي نموذجًا إيجابيًا في قصة إنسان، ونموذجًا سلبيًا في قصة إنسان آخر، ونموذجًا مختلفًا تمامًا في قصته عن نفسه..

وهكذا يصبح السؤال الموازي: 

من أنت في قصتهم؟

أقوى بكثير من السؤال  الذي بدأنا به المقال: 

من أنت في قصتك؟!

لأن هذا السؤال الموازي يا صديقي قد لا تملك أنت الإجابة عنه..

أضف تعليق