
قبل أن نخوض في تحليل العنوان، ما رأيك أنت عزيزي القارئ؟!
هل ترى أن الإبداع عمل فردي بحت لا تنفع معه تعددية العقول والآراء وقد تفسد العمل؟!
أم أن بعض الأعمال قد يستفيد من هذه التعددية ويضفي عليها طبقات أعمق ووجهات نظر أكثر اتساعًا؟!
وهل أنا يا ترى أتحدث عن الكتابة فقط في الأسئلة أعلاه أم عن كل الفنون الإبداعية بلا استثناء؟!
لنأخذها فكرة تلو الأخرى ونربطها بما انتشر مؤخرًا باسم ورش الكتابة ودورات تعليم الكتابة وقس على ذلك بقية الفنون الأخرى..
هل الكتابة عمل فردي؟!
ويشترط فيها قدر عالٍ من الموهبة، ولا يحتاج معها الموهوب لتعلم أي أسرار تخص نوع الكتابة الذي يفضله إلا من خلال المراقبة والقراءة والدراسات النقدية والدخول في عباءة كاتب كبير يعامله معاملة المعلم مع طالبه أو الشيخ صاحب الطريقة مع مريديه..
وربما مع مرور الوقت وتطور مستوى القراءة والأدوات سيستطيع هذا الكاتب إنتاج أجمل المقطوعات الأدبية وأرقى الحوارات وألطف العبارات الشاعرية، والتي حتمًا ستنال رضا المجتمع الذي أحاط نفسه به من نقاد وكتاب مخضرمين وبيئة مقفلة على نفسها، وسيكون له حضوره الأبرز في المسابقات والجوائز والمجلات المتخصصة والصفحات الثقافية..
وكما قال لي أحد الكُتّاب يومًا ما: الكتابة موهبة لا تستطيع تعليمها لأحد، ومن الظلم رفع طموحات وآمال الراغبين في الكتابة لإرضاء جيب الجهة التي تدربهم أو غرور من يدربهم..
هذه وجهة نظر ترى في ورش ودورات الكتابة مضيعة للوقت وتعزيزًا للآمال الزائفة وتساهم في ملء رفوف المكتبات بإصدارات لا قيمة أدبية لها..
سأعطيك رأيي في ختام المقال..
هل الكتابة عمل جماعي؟!
وأنوه هنا إلى أن دورات الكتابة وورش الكتابة غالبًا ما تكونان متلازمتين في مجتمعنا، ولا يكاد يمر عليّ عمل درامي في الآونة الأخيرة إلا ويلفت انتباهي عدد أعضاء ورشة كتابة العمل في شارة البداية، ربما ذلك نتيجة تعقيد الأعمال في الفترة الأخيرة من ناحية الحبكة والمفاجآت التي تبقي المُشاهد متعطشًا لما سيحدث..
في الأعمال القديمة على سبيل المثال دراما أسامة أنور عكاشة وصالح مرسي وكذلك الكوميديا المنفصلة المتصلة مثل طاش ما طاش ومرايا، نجد أن طريقة تقسيم العمل إلى فصول منطقية متتابعة وحضور العواقب الأخلاقية والسرد المنطقي للأحداث شيء معتاد فلا نحتاج لتتبع مسار شخصية ما أو العلاقات المعقدة بين الشخصيات التي يستطيع الكاتب المخضرم تتبعها من خلال خريطة يضعها على سبورة ويكتب الحلقات مشهدًا مشهدًا..
لكن الأعمال الحديثة لا تعمل بهذه الطريقة وخصوصًا في هوليوود وذلك انعكس عالميًا في الأعمال الأوروبية والآسيوية ولاحقًا في المنطقة العربية وما جاورها، فالحبكات أعقد مما نظن، والتفاصيل أكثر مما نعتقد، ويصعب على كاتب واحد الإحاطة بها، بذات الطريقة التي يعمل بها رسامو الأفلام الرسومية المتحركة حيث هناك شخصية أو أكثر يتولى مسؤوليتها رسام منهم، وهناك من يتخصص في الخلفية اللونية والحركية، وما إلى ذلك من تفاصيل..
تطورت هذه الورش من جمع المبدعين في غرفة ليساهموا في صنع رؤية موحدة للعمل، إلى حراك جماعي يستهدف الموهوبين ويدربهم على الطريقة المناسبة لكتابة حلقة مثلاً أو رسم مشهد أو تصميم، وعلى هامش ذلك يطلبون منهم قراءة كتب متخصصة عن الحرفة الإبداعية أو حضور دورات تعلمهم هذه الأساسيات، وذات الشيء ينطبق على ورش التمثيل والإخراج والتصوير والرسم والعزف والنحت والتشكيل الخزفي وغيرها..
مما يقودني لهذا التساؤل: هل الكتابة تختلف عن بقية الفنون؟!
وأترك لك استنتاج الإجابة عزيزي القارئ..
وهنا سأدلي برأيي فيما ناقشناه أعلاه..
أولًا:
لدي إيمانٌ تام، بأن أي كتابة أو عمل سردي لا أستطيع تخيله بصريًا حتى وإن كان خارج منطق هذا العالم، لهو عمل لا ينتمي للسرد بأي شكلٍ كان، ويبقى هناك استثناءات بالطبع..
وأي رواية يصعب علينا أن نحولها لفيلم قصير، فهي عبارة عن رصّ لغوي لا أكثر، ومهما كان العمل تأمليًا فلسفيًا يدور في عقل ومشاعر شخصيته أو شخصياته بلغة فاخرة ساخرة ففي السينما والتلفزيون وحتى اليوتيوب مؤثرات صوتية وبصرية تستطيع أن تجسد هذه الأفكار والتأملات والفلسفات طالما هناك منطق سردي يحكم العمل وليس شعرًا رمزيًا حضر متنكرًا في رداء عمل سردي، والدليل أمامك حينما تستعرض الروايات الفائزة بجوائز على الأقل منذ بداية الألفية وأخبرني كم عملًا منها تحوّل لتجربة فنية بصرية مقارنة بالروايات العالمية الفائزة بجوائز مشابهة، لدرجة أن حفلات التكريم مثل الأوسكار لديها جائزة مخصصة لأفضل سيناريو مقتبس من عمل سردي..
ولذلك فإن أي عمل سردي سوف يولد في عقل صاحبه بصريًا قبل تثبيت حروفه على أرض العمل المكتوب، وكلما زاد تعقيد العمل زاد الاحتياج لعقول أخرى تمسك حبال الأفكار وتثبتها لئلا تعصف بها الأحداث وتتداخل وتفقد منطقيتها، وهنا تتضح لنا طريقة عمل المجموعة، كاتب رئيسي أو صاحب فكرة العمل، كتّاب موهوبون لديهم إحاطة بجوانب العمل، ويتخصص كل منهم في حوارات أو شخصية أو بناء درامي يساعد في تحويل العمل لمشاهد ثم فصول ثم حلقات أو أفلام، وهنا تأتي فائدة ورش الكتابة ودورات تعليم الكتابة لأنها عملية بالمعنى الحقيقي للحرفة ولا تنظر كثيرًا للنظريات النقدية والتجارب الكتابية الحديثة..
ثانيًا:
تجاهل كلامي أعلاه في حالات التدفق، إذا دخل الكاتب في حالة تدفق سردية سواء قصة أو رواية فيصعب عليه جدًا تسليم العمل لورشة أو شرحه في ندوة أو حتى تعلّم أي شيء يفيده أثناء العمل، والمنطق يقول بأن يكمل العمل كما رآه في عقله ثم يعرضه على عقول أخرى ويرى نقاط القوة والضعف والفجوات المنطقية ثم يعمل على سدها سواء في ورش جماعية أو يتعلم أصول بناء العمل السردي من أساسه ليفهم أين وقع الخلل..
هنا نعود للسؤالين أعلاه..
هل الكتابة عمل فردي؟!
نعم في الحالة الخام للعمل والتي تتحول لعمل مكتوب منشور..
هل الكتابة عمل جماعي؟!
نعم في حال رغب الكاتب في تحويل رؤيته لمنتج بصري (فيلم – مسرحية – مسلسل – إلخ)
هل ورش الكتابة مهمة؟
وهل هناك أجمل من تلاقح العقول؟!
هل دورات تعليم الكتابة مهمة؟!
طبعًا، وهي أجدى من اللقاءات الفردية مع كاتب ما..
وهل ينبغي أن ندفع مقابلها وتتحول إلى تجارة؟!
هنا نصل إلى لب المشكلة التي نختلف دائمًا عليها، وبالنسبة لي يصعب جدًا أن أدفع مقابلًا لشخصٍ يعلمني مهارة أستطيع الحصول عليها في كتاب أو في المقاطع المرئية أو حتى عن طريق الذكاء الاصطناعي والتطبيقات المتخصصة..
وأستثني من ذلك حضور الدورات التي تتولاها جهات حكومية وبسعر رمزي يعطيك شهادة مزاولة مهنة أو إتقان حرفة..
هل حللت العنوان بشكل كافٍ لك عزيزي القارئ أم أن الأمور ما زالت تتأرجح بين تيارين؟!
لن يزيدك التأرجح سوى دوارًا..
العمل الفردي ليس للكل، والجماعي ليس للكل، اختر ما يناسبك ويتواءم مع إبداعك وتفضيلك للطريقة التي ستقدم عملك بها..
