
يكرمني بعض الأصدقاء بطلب مشورتي فيما يخص نشر الكتب والتسويق لها، ولأن تجربتي حديثة وخبرتي بسيطة حتى الآن فأشير عليهم بما تيسر من الخبرات التي اكتسبتها من نشر ستة كتب مع ثلاث دور للنشر..
فعندما ينتهي أحدنا من مسودة كتابه، يتصاعد سؤالان ملحّان إلى رأسه وتبدأ فرحة الإنجاز بطلب المزيد من الحطب لئلا تذوي، فكتاب لم ينشر بعد هو طفل يترقب بحبور يومه الأول في المدرسة..
أعرني أذنيك ومع كل خطوة سأهمس لك بها تخيلها معي وكن في اللحظة:
قبل الكتابة والنشر والتسويق
اسأل نفسك “من أنا؟”
ومن باب الحرص والسلامة واستشراف المستقبل، تخصص في نوع أو نوعين على الأكثر من الأجناس الأدبية والكتابية: مقال – قصة – رواية – شعر – بحث تخصصي – نصوص مفتوحة – تطوير ذات – تنمية بشرية (تطوير المجتمعات) – ترجمة – مذكرات وسير ذاتية – إلخ
فالتنقل بين الأجناس بدون خطة محكمة وبدون تدريب وبدون هدف سيفقدك هويتك فأنت لست كاتبًا خارقًا بعد، وقد تصل إلى مستوى عمالقة كأنيس منصور ومصطفى محمود وغازي القصيبي ود. أحمد خالد توفيق ود. نبيل فاروق الذين برعوا واستفاضوا وتجاوزت مؤلفاتهم مئات العناوين وفي مجالات مختلفة، وإلى أن تصل لمستواهم وتقرأ أضعاف أضعاف ما تكتب وفي كل الاتجاهات، اكتف بنوع أو نوعين فقط لشحذ تركيزك وسهولة تسويقك لاسمك ولما تكتب..
وهنا يأتي السؤال الأول وهو “كيف أنشر كتابي؟!”
أولًا..
حدد جمهورك والفئة المستهدفة ونوع كتابك..
تقول توني موريسون:
”إذا أردت أن تقرأ كتاباً عن موضوع معين ولكنه لا يتوفر في المكتبات، اكتبه أنت”
فاجعل من كتابك إضافة للمكتبات والقراء..
ثانيًا..
ضع خطة..
اكتب أو اجمع كتاباتك، عدّل ونقّح ثم نسّق ونظّم ما كتبت في ملف ببرنامج (وورد word)، ثم أرسله لمن تثق بهم للتعديل وأخذ رأيهم وبعدها خاطب دور النشر..
فبدون خطة صارمة لن تنجز خصوصًا لو كان عملًا روائيًا، وبينما الكتابة هي عمل عفوي، ستفقد أثرها بدون تنسيق وتخطيط وبدون فكرة واضحة عما تريد أن تكتب أو تصور شبه نهائي عن مسار الأحداث وسمات الشخصيات، ولو لم تنتبه لهذه الأمور فلن تكمل كتابك..
ثالثًا..
في فترة الكتابة عليك بخطوتين إن رغبت..
ابتعد تمامًا عن الكتب المشابهة لما تريد أن تكتبه حتى لا تتأثر – قدر المستطاع حتى لا تُحرم لذة القراءة..
وتستطيع تجاهل ذلك إن وصلت لاحترافية كافية تمنعك من التأثر بكتابات الآخرين..
والخطوة التالية أن تذهب إلى المكتبة وتأخذ تصورًا كافيًا عن دور النشر والأغلفة والأسعار وأسلوب التنسيق الداخلي وكتابة الإهداء والفهرس والتنظيم حتى تستنير بها في تصميم كتابك..
رابعًا..
كتابك هو طفلك فاعتن به..
عامله كأي كتاب منشور وناجح..
اكتبه من القلب..
استثمر في نفسك، وثق بقدراتك، وابحث عن أفضل دور النشر المحلية، ولا تسترخص عملك حتى لو كلفك الكثير، فالعائد المعنوي أهم..
واستعن كذلك بأصدقائك المصورين والرسامين في غلاف الكتاب، هم أولى بك وأنت أولى بهم..
أما الطباعة خارج المملكة فتجربة لا أنصح بها -مع أنها رخيصة بالمقارنة- لكنك ستصطدم بعوائق عديدة قد تلهيك وسينتهي بك الحال أن توزع الكتاب إهداءات لكل القامات الأدبية التي تعرفها وسيضعونها مجاملة في مكتباتهم مهمشةً منسيةً..
خامسًا..
العربة قبل الحصان أم الحصان قبل العربة..
لا يهم..
أحضرهما معًا وكن مستعدًا وابدأ..
وتذكر:
خطة – كتابة – تعديل – تنظيم – تصميم – نشر
ونأتي هنا للخطوة التي تلي النشر والسؤال الحتمي التالي: كيف أسوّق لكتابي؟!
دعني أولًا أصحح لك المعلومة المذكورة في العنوان، أنت ستسوّق لاسمك ولصفتك ككاتب وليس لكتابك، وكذلك لا تنس أن العمل الجيد سيسوّق لنفسه بغض النظر عن كاتبه حتى لو بعد حين..
سادسًا..
تواجد باستمرار..
سواء في العالم الافتراضي من خلال تغريدات ومنشورات وصور وتغطيات واقتباسات أو من خلال انضمامك لمجموعات ثقافية وأدبية تمنحك الفرصة لتوسيع دائرة معارفك واهتمامك، ولا بأس من كليهما معًا، لن يعرف الناس عنك وكتبك إن لم تكن حاضرًا في المشهد ولو بصمت..
سابعًا..
أنت الناشر الخاص بك..
من البديهي أن تكون خدمات النشر والتوزيع والإعلان لكتبك من ضمن مهام دار النشر أو الوكيل الأدبي، لكن تفاديًا للإحباطات عليك أن تلبس دور الناشر والموزع للحظات، وزّع كتبك على المقاهي، في الملتقيات الأدبية التي تستضيفك، كذلك لا تستهن بحفلات التدشين والتوقيع واستغل مبادرات الشريك الأدبي فهي ترحب بهكذا مبادرات، وكذلك حسابات القراءة في مواقع التواصل الاجتماعي، شارك اقتباسات كتاباتك في كل مكان يرحب بذلك، شارك نسخًا إلكترونية من كتبك إن لم تتعارض مع سياسات دور النشر، شارك في المسابقات الثقافية وفي مجموعات الواتساب الثقافية وفي أندية الهواية، تذكر أن الناس قد لا تقرأ كتبك لكن ستعرف اسمك، واسمك يومًا ما سيسوق لأعمالك..
ثامنًا..
حدد جمهورك بعناية..
أهم وصية هنا:
لا تُهدِ كتبك إلى النخب الأدبية ما لم تجمعك بهم علاقة ودية متبادلة، لن يقرؤوها على أية حال وستموت في مكتباتهم، فالقليل جدًا من المخضرمين في عالم الأدب والثقافة سيقضي من وقته ولو دقائق لقراءة ما كتبت إلا في حالات محدودة، كأن يُعرض عليه نقد الكتاب بمقابل أو لصفحة ثقافية، أو كتابة مقدمة لكتابك، أو للوصول لهدف ما في نفسه -ولن أستفيض أكثر هنا- أكرر لا تُهدِ كتبك لهم إلا لو تم طلبها منك أو أهدوك نسخًا من أعمالهم بالمقابل، وهذا نوع من المجاملات الثقافية المنتشرة منذ أن كانت الكتب تدون على الحجر وورق البردى والرقع الجلدية، لكن اهدها لكل من يطلب منك ويصعب عليه شراءها لأي سبب كان، أما الوصية الثانية فتعتمد على ما تكتبه، فلو كان كتابك رواية، ابحث عن المهتمين بالروايات، ولو كان نصوصًا أو شعرًا أو قصصًا ابحث عن المهتمين بها، وهكذا، وأين ستجد المهتمين؟!
عد للوصية السابقة..
تاسعًا..
متى سأصل؟!
هل هذا مهم حقًا؟!
استمر في مشروعك الكتابي لأجلك، أن تكتب لهو خير دليل على أنك استطعت تسويق نفسك لنفسك، وأنت أول محبيك وأول داعميك وأول جمهورك، فقط استمر وتأكد أن ما تكتبه له حياته الخاصة وسيصل لمن يحتاجه يومًا ما، حتى من دون اسمك، ويومًا ما سيقرأ لك أحدهم وسيبحث عنك وعن كل إصداراتك، استقبله بامتنان وترحيب، وتوجه للأعلى واشكر الله أن منحك هذه الفرصة للتأثير وأن سخرك للناس وأن تركت من خلفك علمًا نافعًا وممتعًا سيستمر ما أراد الله له ذلك..
