تنانين

 

لأبدأ بهذا الحوار من سلسلة روايات هاري بوتر:

هاجريد العملاق: أنا أحب التنانين..

هاري: تحب التنانين؟!

هاجريد: نعم، إنها مخلوقات أُسيء فهمها كثيرًا..

****

لا يأتي ذكر المخلوقات الأسطورية كـ(العنقاء) و(أبي الهول) و(الحصان المجنح) و(الساتير) و(القنطورات) و(الغيلان) بدون أن يأتي (التنين) في مقدمتها..

السؤال هو:   

هل التنين أسطورة خيالية أم حقيقة بائدة تحولت إلى أسطورة؟!

هل كان يعيش في عهد الديناصورات أم ما بعده؟!

لا أحتاج تذكيرك عزيزي القارئ أن هناك كذلك من يشكك في وجود الديناصورات وأن الترويج لها كان لإثبات نظرية داروين في النشوء والترقي الطبيعي، وأن هذا الترويج كان نكاية في الكنيسة وسفر التكوين والذي ذكر صراحة التنانين، لكن هذا ليس محور حديثنا هنا.. 

نعود للأسئلة أعلاه، ونرى إن كان وجود التنين هو محض خيال الشعوب القديمة، والتي تخيلت أفعى مقدسة تنفث النار وتطير.. 

سأتناول كل ذلك بتفصيل غير ممل، وقبل ذلك دعني أؤكد على اعتقادي بأنه حيوان حقيقي كان موجوداً في فترة من فترات عمر كوكبنا..

****

قبل أيام من كتابة المقال كنت في نقاش مع الكاتب الموهوب عيسى جبران حول عدد من المواضيع أثناء العمل على روايته، ومن ضمن تلك النقاشات حضرت سيرة التنين فأخبرته بأنني أحضّر لمقال عن التنانين وأنني لأول مرة أعرف أن الكلمة لها أصل عبري Tannin ودخلنا في جدل حول من أثّر على من؟! 

هل اللفظ العربي لهذا المخلوق من العبرية أم أن العربية أثرت على العبرية؟! 

خاصة أن هناك الكثير من الكلمات المتشابهة في اللغتين خصوصًا في انتمائها لعائلة واحدة، وتشعب بنا النقاش لأنواع التنانين ومسمياتها في الثقافات المختلفة ورمزياتها المختلفة، وهنا وصلت لقناعة أن كتابة المقال بهذا الشكل قد يحوله لواجب أكاديمي أو عرض موسوعي ويصبح عقابًا للقارئ الذي يخشى أن يعود لمقاعد الدراسة، لذلك سأقلل هذه التشعبات قدر المستطاع وأثير نقطة مهمة، كيف يمكن لكائن بهذه المسميات والتاريخ أن يكون محض خرافة؟! 

وهنا سأبدأ من حيث انتهينا وأتناول حضور التنين في الثقافات القديمة والإسرائيليات من الكتب المقدسة، ففي سفر التكوين “فخلق الله التنانين العظام”، وفي المزامير “سبّحي الرب من الأرض يا أيتها التنانين”، وفي سفر الرؤيا “فقبض على التنين: الحية القديمة الذي هو إبليس والشيطان”، وتم وصفه كذلك بمسمى لوياثان في سفر أيوب، وبينما في الإسلام ذكر مرة واحدة في حديث عن عذاب الكافر في قبره في صحيح ابن حبان، وشُبّه في الحديث بالحية العظيمة متعددة الرؤوس..

هذا يقودنا لعدة استنتاجات: 

يتضح من ذلك أن التنين يشبه الحية، وهنا يثار الجدل حول شكل هذه الحية أو الأفعى أو الثعبان مهما تعددت المسميات والأشكال لهذا الجنس الزاحف وعلاقته بالشياطين، فهل كان يُقصد بالاسم هنا أن التنين اسم من أسماء جنس الحيّات؟! 

هناك أسطورة إسرائيلية تقول أن الحية هي من أدخلت لوسيفر إلى الجنة ليغوي أمنا حواء بأكل التفاحة، فعوقبت بنزع أطرافها وتحولت لكائن زاحف، وينبغي أن نتمسك بالقصة القرآنية هنا بعيدًا عن الإسرائيليات، إن هذه الأسطورة تفسر ارتباط الحيّة بالشر في العديد من الروايات والأدبيات، مثل الساحر فولدمورت الذي لا ينبغي ذكر اسمه في روايات هاري بوتر، هل قلت اسمه؟! 

أعتذر لمحبي هذه السلسلة..

نستنتج  كذلك أنها كائن عظيم، ولربما عاشرت المخلوقات الأسطورية القديمة التي كانت تحكم الأرض كما شاهدنا في سلسلة الديناصور جودزيلا والغوريلا كونج وبقية الثلة الجبارة، وكيف أن قصتها بشكل غريب تتقاطع مع التايتانز في الأساطير الإغريقية والتي طُردت من الأرض على يد زيوس وإخوته، وهذه قصة أخرى تشبه ما نعرفه في الإسلام عن دور الملائكة في طرد الكائنات التي طغت في الأرض قبل البشر، وهذا يجعلنا أيضًا نتساءل:

هل هي قصة واحدة تتكرر بأشكال وصيغ ومسميات مختلفة؟! 

لكن أسطورة التنين لا تنتهي هنا، بل تنقسم بشكل عجيب بين دول وعشائر أوروبا التي تتخذ من التنين شعارًا لها، وبين قصصهم الأسطورية التي ترى في التنين حارسًا للكنوز القديمة والممالك الغابرة، وبين اتخاذه سلاحًا يقضي على الأعداء بنفث النار فاقترن بالشر والشيطان والقوة المفرطة، وأنه كائن قادم من قلب الجحيم..

حراسته للكنوز أيضًا ذكرتني بأدبياتنا القديمة خصوصًا في ألف ليلة وليلة عن المردة وكبار الجن الذين يحرسون كنوز الفراعنة والملك سليمان عليه السلام، فهل التنين في الأصل شكل من أشكال الجن أو حيواناتهم؟! 

وأن اختفائه من عالمنا يعود لأنه يسكن في بعدهم الخاص في هذا الكوكب، سؤال يثير الجدل أكثر أليس كذلك؟!

الغريب أن صورته في الشرق مختلفة تمامًا، جسده أطول وأنحف، أرجله أقصر، حكيم، مناصر للخير، ولديه دلالات عميقة مؤثرة في الثقافة الآسيوية..

أختم هنا بقصة القديس جورج الذي قتل التنين وأنقذ الأميرة الخائفة بينما أبواها يعتصرهما الألم خلف أسوار القلعة، وكان التنين في هذه السردية يأتي ليخطف ضحاياه من أهالي تلك البلدة إلى أن قرروا افتداء المملكة بالأميرة، ولعلك تتذكر قصة عروس النيل، والأضحيات التي كانت تقدم لمولوخ في بابل القديمة..

أظنك عرفت الآن من أين أتت أسطورة الفارس الذي يذهب لإنقاذ الأميرة من التنين، بينما تُفسّر هذه القصة بأن القديس جورج تمكن من إنقاذ الأميرة من الشيطان، وهذه الرمزيات لم تتكرر عبثًا، وهناك العديد من الكتب والمقالات التي ستعطيك تفاصيل أكثر عن تواجد التنين في الأساطير القديمة والتاريخ الغابر.. 

تعددت صور التنين ومسمياته، هو كائن ضخم بأجنحة كبيرة وأرجل عظيمة عند حضارات، وكائن زاحف طائر ذو أقدام صغيرة في حضارات أخرى، ينفث النار في أسطورة ما، ويتحكم بالماء والريح والرعد في أساطير أخرى، وخليط من الطائر والأفعى والوحش وله رؤوس عدة عند شعوب مختلفة، وهناك تنانين تعيش في البر والجبال والكهوف، وأخرى تسكن السحاب فوق الماء، وبعضها يسكن القلاع القديمة، ويأتي مع أعاصير الصحاري وعواصف المحيطات، وكأن غضب الطبيعة كما وصفه الأولون يشبهه بشكل أو بآخر..

أما عن أسمائه فهو تنين وتيامات عند العرب والعبرانيين وشعوب بلاد الرافدين وحضارات شرق المتوسط، وهو فافنير في اسكندنافيا، ولادون وهايدرا عند اليونان، ودراجون في الغرب ولعلك تربط بين اسم دراكولا وبينه في لفظة Draco والتي تعني التنين أو الحية في اللاتينية..

لفت انتباهي الحضور الطاغي للتنانين في الروايات والأفلام والمسلسلات وبشكل مختلف، فتارة هو كائن مدمر شرير وتارة أخرى كائن ناطق حكيم وحارس للمعرفة والأسرار والكنوز، وهذا ما دفعني للبحث عنها أكثر، والتساؤل عن مدى حقيقة تواجدها في العالم أو أنها رمز استخدم عبر العصور للتعبير عن الغضب والشر والدمار، وهل التنين هو كائن أسيء فهمه كما أسيء فهم بروميثيوس وسيزيف ولوسيفر وغيرهم كما تروج بعض الأعمال الأدبية لتبرر للشيطان سر عداوته للبشر وتربصه لهم لأنه ساعدهم وتمت خيانته كما يحلو لإبليس أن يتمسكن ويدعي المظلومية..

أشهر الأعمال التي ظهر فيها التنين بشكل رئيسي هي:

Game of thrones  – Harry Potter – Lord of the Rings and The Hobbits – Dragon Heart – Eragon – Reign of Fire – Dragon Slayer

وظهر كذلك بصورة كرتونية لطيفة في:

Pete’s Dragon – Mulan – How to Train your Dragons – Spirited Away – Raya and The Last Dragon – Sleeping Beauty and Maleficent

والتي جعلت من التنين كائنًا نستطيع مصادقته..

أختم بفكرة طالما شاغلتني نظرًا لإيماني بوجود هذا الكائن على كوكبنا في زمن ما وحضارة ما ومهما كان مسماه وسبب انتقال أسطورته من شعب إلى آخر..

وهذه الفكرة هي: 

أين اختفى التنين؟! أين ذهب؟! هل انقرض؟! 

ولماذا وجدنا آثار الديناصورات ولم نجد للتنين كذلك؟! 

علمًا بأن كل أساطير العالم على حد علمي لم تتحدث عن الديناصورات وسبب انقراضها القديم، فكيف وجدنا عظامها ولم نجد أثرًا للتنانين؟! 

هل من المعقول ألا يوجد رابط بين تلك الكائنات العظيمة مثل الديناصورات والتنانين والتايتانز والكايجو وغيرها؟! 

بل إن لفظة الديناصورات حديثة نسبيًا وتعني السحالي العظيمة، فهل اخترعنا وجود الديناصورات؟! 

هذا سؤال لمقال آخر يا صديقي..

ولو وجدت فرصة لتربية تنين صغير من أم التنانين فسأخبرك عزيزي القارئ، أقلها لنتخلص من صداع الازدحام المروري ونصل لأعمالنا بسلاسة ونحن نلامس الغيوم..

أما أم التنانين فهو اسم يطلق على الملكة دينيرس تارغاريان من لعبة العروش من سلسلة كتب أغنية الجليد والنار، وليس له علاقة بأم الصبيان وأم العفاريت صديقاتنا اللدودات، لئلا يختلط عليك الأمر، لكنني لن أستغرب إن وجدت غولة ما تسمي نفسها كذلك، فلديهم شُحّ في المسميات هذه الأيام.. 

اترك تعليقًا