رسائل الوجود

بقلم: نورة زكري

رسائل الوجود

من أعماق روحي السحيقة إلى الكيان الذي لا يراه الكثير، والذي زينت الأرض بردائها الأخضر والأزرق و تخللتها جميع الألوان..

إلى الطبيعة..

يا من فُتنت بجمالها الساحر ومنْ سمعتُ صوتها الصامت، يا من استوطنتْ كياني وروحي واحتضنت جوف قلبي، أنت التي أراكِ تتزينين بـثوبك ذو الألوان الزاهية التي تبعث الدفء لما حولها في الربيع، و ترتدين ثوبكِ الأبيض و كأنكِ عروسٌ في الشتاء، و في الخريف تتلونين بـألوانك الهادئة بذلك الثوب و كأنكِ لوحةٌ فنية، أما في الصيف تقبلين عليّ بـإشراقتكِ و بحماسك المشتعل دائمًا بـذلك الثوب المشرق و المليء بـالحيوية..

إلى غاباتكِ الساحرة البهية..

كأنكِ آنستِ وحدتي الهادئة بنسيمكِ العليل و همست الأشجار لي و كأننا نجري محادثة صامتة لا يسمعها أحد، أشكي إليكِ همومي الدفينة و كأنكِ جنيّة تلقي عليّ سحرًا يجعل قلبي الصاخب يهدأ في لحظات من تأملك..

إلى الروح الزرقاء: المحيط..

في أوقاتٍ كثيرة أشعر أنني أشبهك، أبدو هادئة لمن ينظر لي، لكنني أخفي عالمًا عميقًا لا يعرفه أحد، أنت من أراكِ تتلألئين تحت أشعة الشمس، كأنكِ ياقوتٌ أزرق يطفو فوق الماء، دومًا ما أراكِ بعيدة المنال، لكنني أحبكِ كثيرًا، و أحب سماع صوت خرير الأمواج، و أستمتع برذاذها المتساقط على وجهي، و كأنكِ تمسحين دموعي الخفية، أنتِ التي تخفين عالمًا بهيًا يختفي خلف ستارٍ أزرق، يخافكِ الكثير لكني سأظل أحبكِ دومًا ..

إلى تلك الأرض الخضراء الشاسعة: المروج..

 أنت يا من كنتُ أركض فيكِ ولا أملّ، أنت التي كنتُ أقطفُ أزهاركِ لأصنع منها تاجًا أبيضَ بـزهور الأقحوان، وأشم رائحتك وكأن الأرض تهمس في أذني بـسلامٍ أخضر لا يوصف لشدة روعتك، يامن أخذتِ بُقعةً في قلبي لتزرعي فيها وفي عقلي الذكريات التي تتراقص فرحًا على نسائمِ هوائكِ العليل..

إليك يا من ترسم البسمة في كل من يراك و تزهر الأرض عند قدومك: المطر..

أنت من كنت أتراقص فرحًا بـقدومك، و أجري تحت قطراتك و أخرج كل نباتات بيتي لترتوي من مياهكِ العذبة، أنتِ التي حين تأتين لا تطرقين الأبواب بل تتسللين إلى كياني لتهمسي فيه بـقدومكِ، لتجعلي عيناي تنظران إلى نافذة غرفتي، لأتفاجأ بـقدومكِ وأخبر المستيقظين و أوقظ النائمين لنتسابق كلنا لمن يخرج إليكِ و يستمتع بـقطراتكِ..

إلى تلك الشامخات في الأرض: الجبال..

أنت التي تعانقين السماء بثباتٍ لا يتزعزع و تقفين كأنكِ حارسة الأرض و سرُ قوتها، يظنكِ البعض صامتةً لا تتكلمين، لكنني أعلم أن في صمتكِ حكاياتٌ لا تُروى، و نبضٌ عميق لا يشعر به أحد إلا من جلس و تأمل فيكِ طويلًا، يامن تكسوكِ الشمس ذهبًا عند شروقها و تلف حولكِ وشاحًا من الحنين عند غروبها، و في الليل تحتضنكِ النجوم فتصبحين آيةً في جمال الطبيعة..

إلى الممتدة في الأرض بهدوء: السهول..

أنت يا من تحتضنين الأرض بـبساطٍ أخضر من السكينة لا ينتهي، وتلفين الحياة بين يديكِ في بساطتكِ البهية، أراكِ ساكنةً لكن في سكونكِ نبضُ ضجيجٍ لا ينتهي، و كأنكِ قلب الأرض حين يقرر الطمأنينة، يا من تراقصت الرياح لأجلك لتميل أعشابكِ برفق، لتصبحي أمواجًا بلا صوت..

إلى تلك المنسابات بقوةٍ و عذوبة: الشلالات..

يا من أبهرتني بنغماتكِ الساحرة، أسمعك قبل أن أراكِ، بـألحانكِ العذبة التي تعزف بـالصخور، وكأنكِ تهمسينَ في كياني بوجودكِ بالقرب وتجعلي قدماي تتحركان دون وعيٍ مني، لأتأمل في جمالك وتسكن الطمأنينة قلبي، و أراكِ تتلألئين تحت أشعة الشمس في غروبها وشروقها كاللؤلؤ يتساقط من السماء، أنت التي تنسابين بشموخ، لا توقفكِ الصخور بل تزيدكِ قوةً وجبروت..

إلى المرصعات في السماء: النجوم..

يا من زينتِ بساط السماء المعتمة كأنكِ لآلئ ساطعة، أنت التي أضأتِ عتمة الليل بصمتٍ مهيب يشعرني بالأمان لتسكن الراحة قلبي الصغير، أراكِ تتوارين خلف البعيد لكن وجودكِ يملأ القلب فرحًا، و كأنكِ تهمسين أن الجمال لا يحتاج أن يكون قريبًا ليشعرنا بدفئه، في بعض الأحيان عندما أختنق و يضيق صدري فقط أريد الخروج و تأملك..

إلى ذلك الضوء الساكن في الظلام: القمر..

يامن تقولين عن نفسكِ أنكِ معتمة، لا أننا نراكِ نورًا يتدلى من سماء الليل كحلمٍ أبيض يأبى الابتعاد، أراكِ هادئةً للغاية و كأنكِ تستمعين إلى ضجيج عالمي الصاخب الذي لا يهدأ، أنتِ تغمرين الليل بوشاحٍ فضي رقيق، لتخفي قسوة الظلام و تجعليه أكثر طمأنينة..

لا يزال هناك الكثير في قلبي لأقوله لكِ أيتها الطبيعة، لكنني سأنهي هذه الرسالة هنا، فأنا لا أُطيقُ شوقًا لأستكشف خباياكِ، و أغامر في بقية أرجائكِ، فأنتِ روحٌ نابضةٌ تراقبني من كل الجهات، و كيانٌ يخفي الكثير..

أضف تعليق