أسئلة الكتابة المنسية  

لم يعد أمرًا مستغربًا أن يلتحق أحدهم متحمسًا بدورةٍ ما ليتعلم “كيف أكتب رواية؟”، وهذا قبل أن يعرف لماذا يريد كتابتها؟ ولمن؟ وهل لديه أصلًا ما يريد قوله؟!

أو قد يأتي أحدهم فيسأل قبل أو بعد أن ينتهي من مسودة كتابه، “كيف أنشر؟ وكيف أسوق لكتابي؟!” 

وكلها أسئلة مشروعة..

فالكاتب شخص معجون بالأسئلة والتأملات، التي إما يبحث فيها عن إجابة، أو يلقيها في وجه العالم كصفعات وعي تعيدنا إلى هرولة السعي خلف المعرفة..

وحتى ننصف الدور المحوري لأسئلة الكتابة في تطور الكاتب، سأشدد على حقيقة أنها ليست منسية حرفيًا، بل ربما ربطت العنوان متعمدًا بسلسلة (مقبرة الكتب المنسية) لزافون، فكثير من المكتبات والكتب والأسئلة والأحداث قد تاهت في غياهب التاريخ، ومن يجدها ويعيد نشرها فكأنما أحيا العقول من جديد..

والمنسي هنا حقًا ليس الأسئلة على غرار لمن أكتب؟! وكيف أكتب؟! ولكن حقيقة أن هذه الأسئلة مرتبطة ببعضها، ويمكنها أن تتحول إلى (رحلة كاتب)، منذ اللحظة التي يفكر فيها بالكتابة إلى ما بعد صدور الكتاب.. 

ودعونا لا ننكر أن دورات تعليم الكتابة تستخدم هذه الأسئلة للترويج لها، لكنني سأشدد هنا على أن تركيز القائمين على هذه البرامج يكون على (كيف؟!) بينما يتم تجاهل بقية الأسئلة..

وهذا يجعل تدريبهم كفيلًا بابتلاع بقية علامات الاستفهام، ويقود المشاركين لتحييد التساؤلات العظيمة مؤقتًا، ونسيان الهدف من الكتابة، وهنا الفخ الذي يسقط فيه معظم الكُتّاب..

فكاتبٌ لا يصطحب معه أسئلة الكتابة إلى معارك الوعي لهو موعود بالهزيمة من سؤال لم يتوقعه، وهذا المقال سيذكرك بالأسئلة التي ترافق حياة الكاتب، ولا يهم إن كنت نسيتها، فالأسئلة قررت الحضور والتمرد على عنوان المقال..

لنبدأ رحلتنا مع هذه الأسئلة.. 

ماذا وكيف أكتب؟!!

كيفية الكتابة تأتي من عاملين مهمين: القراءة والتجارب، كلما قرأت أكثر قام عقلك اللاواعي بتصنيف أنماط الكتابة وأساليبها بداخلك وصنعَ تفضيلاتك التي ستنعكس على كتاباتك شئت أم أبيت إلى أن تجد صوتك الخاص الذي يتجاهل كل الأصوات عداه ويكتب حقيقتك وجنونك، وبالتجارب المستمرة في الكتابة ستصل لهذا الصوت فلا تقلق إن تأخر حضوره، وإن شئت الاستعانة بتجارب الآخرين في دورات أو كتب الكتابة فلا بأس، هناك العديد من الأدوات التي يحتاجها الكاتب في صنعة الكتابة مثل التنظيم والتطوير والتماسك والألفاظ والإيقاع والأسلوب والحبكة، وليس هناك أفضل ممن عصروا عقولهم في بناء هذه الأدوات لنا وجربوا ونشروا وانتشروا في أصقاع العالم..

أما عن ماذا تكتب؟! 

هل أنت فعلًا ستسأل أحدًا غيرك هذا السؤال؟! 

متى وأين أكتب؟!!

الكتابة لا تُلقي بالًا لظروفك ولا تهتم، تهطل عليك الأفكار وأنت نائم، وأنت تقود السيارة، وأنت في اجتماع مهم، وأنت تمسك بملعقة الأرز وتنسى أن تضعها في فمك..

أينما كنت، وحيثما توجهت، ستجد الأفكار طريقها إلى عقلك وتضغط عليك لتكتبها، فطوّع ظروفك واكتب حالما تأتيك الفكرة، ثم عدّلها وحرّرها لاحقًا، لدي مقالات وقصص كتبتها بعد أعوام من حضور فكرتها، ولولا أنني دونتها في ساعتها لنسيتها، سجلها واتركها تنضج على مهل ولن تحترق إلا إن استعجلتها..

ولكن لا تنس أن الالتزام في العمل مهم، قد تعمل التقنية أعلاه مع الأفكار العابرة للنصوص والمقالات والقصص، أما الروايات فذلك شأن آخر، كل مشهد ستكتبه على الصفحة ستراه في خيالك أولًا، لذلك لا بد من تفريغ جزءٍ من وقتك للكتابة لئلا ينقطع حبل الحوار والسرد بين الشخصيات..

أما إن أردت انتظار المزاج الرائق والجو الهادئ والتفرغ للكتابة، فلدي تذكرة ذهاب إلى عالم الروايات التي لم تنشر ونسيها أصحابها، فوداعًا يا صديقي، لا توجد عودة من ذلك العالم.. 

لماذا أكتب؟!!

الكاتب قد يعرف كيف يكتب، لكنه لا يسأل نفسه لماذا يفعل ذلك؟! هل لتلبية نداء داخلي؟! أو لإيصال رسائل معينة؟! أم لرغبة في إبراز موهبتك؟!

هذا يعود لك يا صديقي، اكتب مقالًا فلسفيًا عن أهمية الكتابة لديك وستجد الإجابة حتى لو لم تنشر المقال..

وعلى سبيل المثال في إيجاد هدف للكتابة، أذكر قبل فترة مخرجًا مصريًا يقول إن لدينا (أزمة ورق)، ويقصد هنا عدم وجود سيناريوهات وأفكار جديدة أو معالجات مختلفة لتحويلها لأفلام ومسلسلات ومسرحيات، فلو أنّ كل كاتب فكّر في الأسئلة الوجودية ونسي المتعة والإبهار، لن يكتب أحد، ولن نستمتع بالفن.. 

جرب تقديم رسالتك ونداءك وأفكارك في رواية أو قصة قابلة للتحول إلى فيلم أو مسرحية أو مسلسل، لربما هذا الشيء يعطيك إجابة على السؤال أعلاه..

لماذا أكتب في الفن؟! لأدخلهم في عالم بصري ممتع وأمرّر رسائلي النبيلة على لسان الشخصيات لتعلق بذهن المشاهد.. 

لمن أكتب؟!!

“حدد جمهورك”، ربما هي أشهر نصيحة نوجهها للكُتّاب الجدد، لكن حتى الكُتّاب المخضرمين ينبغي أن يحددوا جمهورهم فليس كل كتاب تكتبه ينفع لذات الجمهور، وهنا نأتي للإسفين الذي تم دقّه بين جيلين أو اتجاهين..

الاتجاه القديم مشبع بالكلاسيكيات والشعر ويريد كتابة لا تتجاوز الإطار النظري المعتاد الذي تعود عليه، من نقطة (أ) إلى نقطة (ي)، الخير ينتصر والشر يُهزم، الابتعاد عن التابوهات أو على الأقل تصنيفها قبل قراءتها، استخدام لغة شعرية شاعرية مشاعرية فاخرة جدًا وعدم التمرد على شكل الكتابة إلا لو كانت مبنية على تجربة سبقنا بها الأوروبيين والأميركان وبقية العالم، ليقال حينها إن كتابتنا لا تقل عالمية عنهم..

الاتجاه الجديد يبحث عن الفكرة لا الشكل، تبهره النهايات الملتوية والشخصيات متعددة الوجوه والطبقات، المقالات الذكية في جذب الانتباه، النصوص البصرية الصارخة التي تحلق بك وتتركك معلقًا بين الوعي واليقظة، اللغة السلسة الأنيقة التي لا تحتاج معها في كل دقيقة لأن تعود للمعجم..

وهذان الاتجاهان لا علاقة لهما بعمر القارئ وتجربته بل هما تفضيلان لا أكثر..

من منهما على حق؟!

من أنا لأحدد ذلك؟!

فقط حدد جمهورك منذ البدء وذلك سيقودك لعمل يناسبهم إن فهمت خصائص كل اتجاه، والتحدي الأكبر أن تكتب لكل الأجيال والاتجاهات والتفضيلات بوصفة متوازنة فهل تستطيع؟!

أظنك ستقدر على ذلك..

كيف أطور كتابتي؟!!

كل كاتب محترف أو على الأقل ممارس قديم للكتابة، سيكتشف الفرق الواضح بين نصوصه الأولية ونصوصه الحالية والتي قد تصل المدة الزمنية بين النصوص إلى ربع قرن على سبيل المثال، ولو سألناه عن كيفية وصوله لهذا المستوى سيفكر مليًا ويقول: القراءة أولًا وعاشرًا، ثم دراسة الكتابة وعناصرها المختلفة كاختيار المواضيع المناسبة وحسن التنظيم لما يكتب كالتخطيط الجيد والاختيار المتقن للفقرات والتوازن بين الإسهاب والتكرار، والرغبة في تطوير النص فمثلاً في السرد يراعي التدرج في تسلسل الأحداث وتقديم الأفكار والحرص على الوحدة والتماسك، وكذلك الجانب اللغوي في اختيار الألفاظ وتنوع الجمل، والأسلوب والإيقاع..

وبعد ذلك التخصص في الجنس الكتابي الذي يفضله، تتعلم الفرق بين المقال الأدبي والحر والأكاديمي والاجتماعي وغيرها، أو بين قوافي الشعر وأوزانه والمدارس التجريبية والحداثية، أو عوالم السرد بشقيه الكلاسيكي والحديث حيث تتنوع مجالات السرد بين أجناس غير شائعة -رغم تحفظي على هذا المصطلح- من خيال علمي وفانتازيا وأساطير وجريمة وأدب متخصص وواقعية سحرية وغيرها، وبين منحنيات سرد وأساليب مهمة كبندقية تشيخوف وأنقذ القطة ورحلة البطل والراوي العليم وغير الموثوق به وغيرها، والاتجاهات الحديثة مثل الميتاسرد وسأحاول تناولها في مقال مستقل.. 

ولكن هل تحتاج لتعلم هذا كله؟!

أبدًا، لكن على الأقل فلتحاول إقناع نفسك بأنك صاحب صنعة، ولكل صنعة تاريخها وأدواتها وتحديثاتها..

فالكاتب الذي وصل لمرحلة الكتابة على حافة المقعد قد تعلم السير، ثم يبدأ في اكتشاف كيف يريد أن يسير وفي أي اتجاه..

كيف أسوّق لكتبي؟!!

سبق أن تناولت الفكرة في مقال مستقل عن النشر والتسويق، لكن سأعيدها باختصار، التسويق لعملك المقبل وحتى أعمالك القديمة قد يصطدم بالعديد من المتغيرات التي لا تستطيع التحكم بها ككاتب، دار نشر مقصرة في التسويق، قارئ يبحث عن الإهداءات المجانية بدلًا من شراء نسخة، مكتبة ضخمة تحتكر سوق الكتب وترفض كتابك لأسباب غير منطقية تحكمها مزاجية المسؤولين عن الاختيار، حساب تواصل غير فعال، مواضيع لم تعد تستهوي قراء (الموضة والترند)، وغيرها الكثير..

ما العمل إذن؟! 

المنطق يقول، أنت كتبت، النشر والتسويق مهمة دار النشر والوكيل الأدبي، ومعارض الكتب فرصة للظهور..

لكن الواقع يصرخ، أنت كتبت، تحمل عبء التسويق والظهور واستخدام حسابات التواصل المتخصصة وتوزيع الإهداءات على كل الأدباء والقراء الذين لن يقرؤوا لك أو دفع مقابل لناقد من إياهم لينشر دراسة نقدية عن إصدارك وكذلك المشاركة في البرامج الأدبية المختلفة مثل الشريك الأدبي وأمسيات سفراء الأدب والمعارض الدولية وقروبات الواتس المتخصصة، حوّل أعمالك إلى مقاطع صوتية أو مرئية أو أفلام، شارك في المسابقات والأعمال الجماعية..

ولكن بعيدًا عن المنطق والواقع يا صديقي..

أنت لديك رسالة، استودعها الله وستصل لمن يحتاجها، هناك العديد من الأعمال الخالدة التي لم نعرفها إلا بعد رحيل أصحابها، لكن ذلك كان قبل عصر الانتشار الرقمي، سيأتي دورك قريبًا، اطمئن واعمل بالأسباب.. 

هل أكتب؟!!

هذا سؤال خادع وغير تقني، إنه سؤال الشك الذي يعتريك بعد الانتهاء من كل نص تكتبه أو مسودة كتاب جاهزة، تخشى النشر، تخشى الرفض، تفكر في إبقاء المسودة بغرفتك على أن تواجه العالم والناشر والوكيل والقارئ والناقد..

لكن يا صديقي ما فائدة النصوص المختبئة غير ملء فراغ ذاكرة جهازك أو تغذية مدفأتك لو كانت مطبوعة على ورق يتمنى لو أنه عاد لشجرته على أن يحترق فداء لأفكارك..

اكتب لأنك تريد ذلك، وانشر بكل ثقة بعد أن تكون تجاوزت كل الأسئلة أعلاه، والناشر بديله ألف ناشر، والقارئ سيجد كتابك إن كان فيه رسالة موجهة إليه، لا تستهن بدور الكتب في اختيار قرائها..

لذلك نعم اكتب، فالعالم ينقصه المزيد من الحالمين.. 

ماذا لو؟!

هذا السؤال مختلفٌ عن جميع ما سبقه، فكل الأسئلة السابقة تبحث عن إجابات، أما هذا السؤال فهو من يصنع الكتابة من الأساس..

فمثلًا ماذا لو حدث كذا؟ ماذا لو قلبنا الفكرة؟ ماذا لو كانت الشخصية مخطئة؟ ماذا لو كان العالم مختلفًا؟ ماذا لو كتبت شيئًا لا أعرف كيف أكتبه؟

هذا السؤال هو رفيق المبدعين عبر التاريخ، والمرآة التي تعكس لنا واقعًا مختلفًا، واللوحة التي ترسمها عين ترى ما خلف الحُجُب والأبعاد، والحقيقة المختلفة التي لا يراها سواك..

شمّر عن ساعديك، أمسِك بقلمك أو هاتفك، انظر إلى أي شيء اعتيادي في هذا العالم، وارتدِ نظارتك السحرية، وتخيل السؤال: ماذا لو؟!

وماذا بعد؟! 

وبعد الكتابة والنشر والتسويق والرفض والنجاح أو الفشل، هذا سؤال حياة الكاتب بعد الكتاب، ماذا ينبغي عليّ أن أفعل بعد هذا كله، سألت وكتبت ونشرت وانتشرت..

هنا تأمل مع ذاتك، هل لديّ إضافة أخرى تعيد تشكيل خريطة وعي العالم؟! هل لديّ جنون مختبئ يتوق لأن يجد مكانًا يحتويه بعيدًا عن سجن عقلي؟! وهل تبقى لديّ أفكار محتجزة تود العبور للحياة؟! 

وبعد أن تسأل، حرّرها، وقبل ذلك حرّر نفسك..

هل قلنا كل شيء؟!!

الكثير والكثير من الأسئلة، لكن ماذا عن الإجابات، هل هي نهائية؟! أم أرض الكتابة صارت أرحب وأوسع..

وأخيرًا:

هل تتقاطع أسئلة الكتابة أعلاه مع تساؤلات الحياة الكبرى؟! وهنا ينبغي على كل كاتب أن يكتشف الصلة الخفية بينها إن أراد، ويقدمها لنا في مقال، أو نص تأملي، أو على لسان شخصية روائية، فالتجارب الكتابية تلهم بعضها..

أنا لم أقل بعد كل شيء، ماذا عنك يا صديقي؟! 

فكّر مليًا بينما أختبئ أنا عن بائع علامات الاستفهام، فقد استخدمتها بإفراط ونسيت أنه على الباب يطلب الثمن.. 

اترك تعليقًا