
بقلم حفصه عبدالله العطاس
كان صوت التنبيه هذه المرة مختلفًا.
ليس لأننا لم نسمعه من قبل، بل لأن الكلمات التي ظهرت على الشاشة جعلت القلب يخفق بطريقة مختلفة:
تحذير
في لحظة واحدة تتجه العين إلى الهاتف، ويصمت كل ما حولك قليلًا، وتقرأ التعليمات باهتمام:
ابقوا في المنازل
ابتعدوا عن النوافذ والأبواب
واتبعوا التعليمات
ثم تمر اللحظات…
وترفع رأسك من شاشة هاتفك، فترى الحياة من حولك ما زالت تمضي.
وهنا تحديدًا شعرت بشيء لم أتوقف أمامه بهذا العمق من قبل:
يا الله… كم نحن في نعمة.
لست ممن اعتادوا الكتابة في الأخبار السياسية، ولكن هذا المشهد جعلني أتوقف.
أنا فقط مواطنة سمعت صوت التحذير مثل غيرها، فخفق قلبها للحظات، ثم نظرت حولها.
المدارس تفتح أبوابها
والجامعات تستقبل طلابها
والناس يذهبون إلى أعمالهم
والمساجد تمتلئ بالمصلين
ومكة المكرمة تستقبل المعتمرين والطائفين حول بيت الله
والمدينة المنورة تستقبل زوار مسجد رسول الله ﷺ
والعائلات تجتمع
والأطفال يلعبون
والحياة تمضي.
قد يبدو هذا كله عاديًا لأننا اعتدناه.
لكن أن يذهب طفلك إلى مدرسته، وأن تخرج إلى عملك، وأن تعود إلى بيتك، وأن تجتمع بعائلتك، وأن تضع رأسك على وسادتك آخر الليل مطمئنًا…
فهذا ليس يومًا عاديًا.
هذه نعمة اسمها الأمن.
وفي يومنا الوطني شعرت بهذا المعنى بصورة أعمق.
ففي اليوم الذي سبق احتفالنا، مررت بمشهد ما زال عالقًا في ذاكرتي. كانت الطرق مزدحمة بالسيارات، وكان رجال الأمن والشرطة والمرور على امتداد الطريق ينظمون الحركة في مشهد لافت.
كان الازدحام حاضرًا فعلًا، لكن من شدة التنظيم والانسيابية لم نشعر بفوضى. كلٌّ في موقعه، وكل طريق يجد من ينظمه، حتى شعرت وأنا أقود سيارتي وكأن الطريق كله محاط بسياج من الأمان.
نظرت حولي يومها وشعرت بفخر يصعب وصفه…
فخرت بشباب هذا الوطن من رجال أمنه، وفخرت أكثر بأنني ابنة المملكة العربية السعودية.
وفي اليوم التالي، ارتفع العلم الأخضر، وردد الصغير قبل الكبير:
«سارعي للمجد والعلياء»
واجتمعت العائلات، وضحك الأطفال، واحتفل الناس بوطنهم.
وعندها أدركت أن خلف هذا الفرح الذي نراه عملًا كثيرًا لا نراه.
نحن نعيش يومنا… لأن هناك من يسهر.
ننام وهناك عين لا تنام.
نجتمع مع عائلاتنا وهناك من يقف في موقعه بعيدًا عن عائلته.
نرفع أعيننا إلى السماء فنراها هادئة، وهناك من يراقب البر والبحر والجو على مدار الساعة.
أناس قد لا نعرف أسماءهم، ولا نرى وجوههم، لكننا نعيش أثر عملهم كل يوم.
ثم تصل الرسالة الأخرى:
زال الخطر
كلمتان فقط.
نقرأهما، فنطمئن، ونغلق الهاتف، ونعود إلى يومنا.
وهنا سألت نفسي:
كم من الأشياء العظيمة في حياتنا لا نشعر بعظمتها لأنها لم تتوقف يومًا؟
نقول: «يوم عادي».
لكن أن يكون لديك يوم عادي آمن، في عالم نرى فيه كيف يستطيع الخوف أن يغيّر حياة الإنسان، فهذه وحدها نعمة تستحق الحمد.
وحين نرى معاناة غيرنا، لا ينبغي أن ننظر إليها من باب المقارنة، بل من باب الرحمة أولًا، ومعرفة النعمة ثانيًا.
فنقول:
اللهم الطف بكل خائف
وآمِن كل خائف
واحفظ بلاد المسلمين
وأنا أكتب عن نعمة استمرار الحياة، لا أنسى أن هناك بيوتًا فقدت عزيزًا، وأن خلف بعض الأبواب حكايات فقد لا تكفي الكلمات لمواساتها.
هناك أم تفتقد ابنها
وزوجة تفتقد زوجها
وأطفال يفتقدون أباهم
وعائلة بقي في قلبها مكان لا يملؤه أحد
لهؤلاء لا تكفي الكلمات.
رحم الله من رحل وهو يؤدي واجبه، وربط على قلوب أهله، وجبر فقدهم جبرًا عظيمًا، وجزاهم عن وطنهم وأهله خير الجزاء.
ولعل من الوفاء لهم أن ندرك قيمة ما نعيشه.
فكل طفل يصل إلى مدرسته مطمئنًا
وكل أم تنام بين أبنائها آمنة
وكل مصلٍّ يمضي إلى مسجده
وكل عائلة تجتمع وتضحك
تخبرنا أن الأمن ليس كلمة نرددها…
الأمن حياة كاملة.
وهنا أفهم بصورة مختلفة قول رسول الله ﷺ:
«مَن أصبح منكم آمنًا في سِربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا»
وقد تكون هذه الدنيا أقرب إلينا مما نظن.
أراها في مشهد يتكرر أمامي كل صباح حين أوصل ابنتي إلى مدرستها.
أرى رجال المرور والأمن أمام مدارس الأطفال ينظمون الطريق، ويقف أحدهم ليوقف المركبات حتى يعبر الصغار بأمان. ثم أكمل طريقي، فأجد آخر عند الطريق المؤدي إلى المدرسة ينظم حركة السير.
مشهد رأيته كثيرًا حتى اعتدته، لكنني اليوم أراه بصورة مختلفة.
أن أوصل ابنتي إلى مدرستها، وأراها تعبر بأمان، ثم أمضي إلى عملي مطمئنة… هذه أيضًا نعمة اسمها الأمن.
وربما هكذا تكون أعظم النعم؛ نعيشها كل يوم حتى تصبح، من شدة اعتيادنا عليها، جزءًا عاديًا من الحياة.
اللهم لك الحمد على نعمة الأمن التي ألفناها حتى كدنا ننسى عظيم قدرها.
اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، وأدم عليها أمنها وأمانها، واحفظ بلاد المسلمين، واحفظ كل من يسهر على أمن هذه البلاد، وارحم من رحل منهم، واحفظ من لا يزال واقفًا في موقعه يؤدي واجبه.
قد لا نعرف أسماءهم.
قد لا نرى وجوههم.
وقد لا نعرف أين يقفون هذه الليلة.
لكننا نعرف أثرهم…
عيونهم تسهر، وحياتنا تمضي.
بقلم بنت المملكة العربية السعودية
حفصه عبدالله العطاس
Hau7966@gmail.com
