
يقال -وركز معي في الموضوع عزيزي القارئ لأنه ثبت علميًا وأنت تعلم ما معنى أن يكون الموضوع ثبت علميًا فهذه الإجابة الملجمة لكل المشككين- نعم، نسيت بداية الموضوع، آه نعم، يقال أن هناك واقعً نعيشه الآن أو ما يسمى reality، وواقعٌ بديلٌ أو ما يسمى Alt-reality وربما نستخدم الجمع في هذه الحالة لكنني لا أعرف جمع كلمة (واقع)، ألم أقل لكم أن قفلة الكتابة تنسيك حتى أساسيات اللغة؟! قلت لكم ذلك من قبل، أليس كذلك؟!
عمومًا – استخدمت كلمة عموما لأنسيكم حقيقة أنني لم أعد أحصل على أفكار للكتابة كما السابق- نعم، آه عمومًا، الآن أكتب المقال هذا وأستحضر المعلومة السابقة، واقع أصلي وواقع بديل، بل تتطرف المعلومة لتقول أن كل ما نتخيله يقع، بمعنى أن شكسبير عندما كتب مسرحياته، نتج عن كل قصة واقع بديل لأبطالها، كأن فرعًا بسيطًا انبثق من شجرة عقله واستقل، هذا الفرع branch يحمل واقعه الخاص، بذات الطريقة تعيش كل أساطير العالم في أفرع نبتت من خيال كّتّابها في عالمها الخاص وأصبحت شيئًا حقيقيًا، هل فهمتم قصدي أم أن قفلة القراءة داهمتكم أيضًا، أقصد قفلة الكتابة، لحظة، أنا الكاتب فلماذا تداهمكم هذه القفلة؟!
لا عليكم، عمومًا، أنا أكتب هذا المقال عن العوالم البديلة -لا أعرف جمع كلمة واقع فلا تزعجوني- أكتب المقال في منزل صديقي (يحيى) الذي كتبت له الإهداء في كتابي السابق (الأبواب التي رأت) وقال لي يومها بعد أن قرأ قصص الكتاب: (نهايتك سودا يا وليد)، ثم أطلق ضحكة شريرة بعدها، لم أفهم الرابط العجيب، لكن تذكر يا (يحيى) أن الكتاب صدر منذ أربعة أعوام ثم داهمتني قفلة الكتابة بعدها، أظن لوجود اسمك سبب فيما يحصل لي، نهايتي سوداء ومنيلة بستين نيلة لأننا أصدقاء..
أظن أنني أضعت معك خيط الواقع الرئيسي هنا عزيزي القارئ، ربما لو أنك قرأت الكتاب لأرحتني من همّ الشرح والتبرير، لماذا لم تعودوا تقرؤون؟! قفلة القراءة؟! لا يوجد شيء بهذا المسمى كما لا يوجد جمع لكلمة واقع، ركزوا معي لأن ما أقوله ثبت علميًا..
كل ما في الأمر أن صديقي (يحيى) قدس الله سرّه، عرض علي أن أمكث في منزله الجديد بضعة أيام لأنه سيسافر ويخشى أن يتنبّه اللصوص بأن أهل المنزل ليسوا هناك، فاستغل صديقي وجودي في أزمة كتابة وجودية ليضمن عدم وجود سرقات في منزله، هل كلامي موجود؟! أقصد واضح؟!
بعد أن تأكدت بنفسي من إقفال جميع الأبواب التي رأت والتي لم تر بعد، جلست لأكتب وخطر في بالي موضوع الأفرع البديلة للواقع التي تنبثق من شجرة خيال الكُتّاب في كل مكان، ماذا لو كانت الشخصيات التي كتبتها من قبل تعيش فعلًا في واقع خاص بها، ماذا لو؟!
أرعبتني الفكرة لوهلة، كاتب قصص الرعب ينبغي ألا يخاف، استجمعت شجاعتي وقمت لأستكشف المنزل، ربما لو علم (يحيى) أنني سأدخل كل غرف منزله بما فيها غرفة نومه لما دعاني للمكوث فيه، لعل اللصوص أرحم بالمنزل من كاتب فضولي مثلي يحب أن يفتح كل الأدراج كالأطفال ويكتشف كل الأسرار..
لا يوجد جاثوم في الباب ينتظرني، ولا عند السرير، ولا أسفله، وليس هناك جني صغير خائف مع والده في السقف يخشيان أن أراهما، لا وجود لسقّوبة أو ليليث عند باب المنزل- وهذا مريح نفسيًا فوجود النساء حولي وأنا أكتب مشتت للذهن، أنتم تعلمون لماذا؟! لأنهم لا يصمتن أبدًا وإن صمتن عن الكلام فأنت في مشكلة ويجب أن تجد حلًا وتضع الكتابة جانبًا إلى أن يعدن للكلام مجددًا، وهذا الكلام يشمل جميع الإناث حتى السقوبة وليليث وعبلة وأم الصبيان، لا استثناءات- أعود للبحث في المنزل، لا وجود لمستنسخين، ولا لعلماء يريدون العودة في الزمن أو القضاء على البشر بفيروس، ليس هناك كيان يحمل رسالة يريدني أن أرسلها لعشرة غيري، ولا حُراسا يريدون التضحية بي في محفل الشياطين، (إيفا) ليست في المنزل ولا وجود لشخص عاشر أو رائحة كتب محترقة أو مصعدًا يهوي بي إلى غيبوبة، الوضع آمن فلماذا أنا خائف إذًا ؟!
رنّ جرس الباب فأفزعني، هل أصبح اللصوص مؤدبين ويدخلون البيوت من أبوابها، نظرت من ثقب الباب، لا وجود لثقب في باب منزل (يحيى)، تبّا لك، كيف سأعرف من بالباب؟!
فتحته بعد أن استجمعت شجاعتي، وتهاوت كل الأفرع في عقلي وأن أرى أمامي (وليد قادري) يحمل قلمًا ذهبيًا ويبتسم ابتسامة باهتة، ولكن أنا (وليد)، من هذا الذي بالباب؟! لم يطل استفساري طويلًا، عاجلني بطعنة نافذة بالقلم في قلبي، سقطت عند مرآة المدخل، أدخل (وليد) الآخر أصبعه في قلبي وبدأ يكتب بدمي في المرآة..
“مرحبًا وليد، أتذكر غرفة فندق سانتوريني، نعم أنا هي مجددًا، في الحقيقة لا أريد تضييع وقتي معك وهناك الأحق منك بالإلهام، الجزء الثاني من الأبواب التي رأت على وشك الانتهاء لكنه يحتاج نسخة أفضل منك، لا حاجة لي بكاتب لا يعرف جمع كلمة واقع ويستخدم (ثبت علميًا) بكثرة، وحتى لا أنسى، هذا ليس منزل (يحيى) وأنت أصبحت تعلم هذا الآن، الشيء الوحيد الحقيقي هو أن (نهايتك سودا) كما قالها لك صديقك، أو ربما أنا التي قلتها على لسانه يومها، هل تتذكر الضحكة الشريرة، لفتة عبقرية مني، أليس كذلك؟!
لو نظرت للخارج ستجد أنني جمعت كل كُتّاب الرعب بالعالم وسأتخلص منهم واحدًا تلو الآخر، ألا تجيدون شيئًا غير إخافة الناس، ذوقوا ما صنعتموه الآن، وداعًا”
آخر ما أذكره قبل رحيلي هو أن النسخة الأخرى مني جلست على المكتب تكتب شيئًا ما، والباب الخارجي مفتوح، وهناك شخص بالشارع يجري وأبواب خلفه تطارده، نهاية سوداء فعلًا..
