النجاة من فخ الكتابة..

ما أن يحط الكاتب رحاله عند حدود الكتابة، تتحول الأفكار إلى غابة موحشة مظلمة تحتاج لرحالة خبير في الملاحة ليجتاز هذه الأفكار والأشواك والأفخاخ، وكذلك لكي يخرج منها سليمًا قادرًا على الصعود للقمم التي ستتضح ملامحها حالما يجد ضالته في غابة الأفكار..

هذه وصايا للحفاظ على ثباتك العقلي وتدريب مهاراتك ومرونتك، لتلتقط الأفكار وتتفادى الأخطار عليك أن تكون مستعدًا كما تعلمنا في الكشافة قبل خوض الرحلات البرية..

أول وصية هي: وجّه بوصلتك..
الشمال هو الخيال والجنوب هو الواقع، وما بينهما 360 درجة من الإبداع، أينما توجهت ستصل، لكن حدد أولًا، ماذا سأكتب؟! لمن سأكتب؟! كيف سأكتب؟! متى سأكتب؟! ولماذا سأكتب؟!
إن حددت الاتجاه ستوصلك البوصلة بسلام، لا تنس الاسترشاد بالنجوم إن استطعت، فهناك كُتّاب اختاروا السماء وجهتهم وكانوا مصابيح لمن بعدهم..
احذر من فخاخ النجوم المزيفة ودور النشر الاستغلالية..

الوصية الثانية: احمل عصاك، قبعتك، وحقيبتك..
لا بد من عصا تهش بها على أفكارك، فالأفكار تتمرد إن لم تهذبها وتجد لها مسارًا في الكتابة، كذلك الشخصيات الروائية، تحتاج لأن تعيش داخل عقلك مؤطرة بين دفّتي الرواية، أعدها برفق إلى مكانها السليم..
أما قبعتك ستكتسب ستة ألوان وستقيك من حرارة الانتقادات وجلد الذات وستصبح حتى قبعة ساحر من أجلك..
وحقيبتك بها زادك ولغتك وتجاربك وقراءاتك السابقة، فكيف تنجو من فخ الكتابة بلا زاد؟!

الوصية الثالثة: خريطتك بيدك..
إن معرفة المنطقة التي ستدخلها أمر ضروري، البدايات والنهايات، من ولادة الفكرة إلى حمل كتابك بين يديم، يجب أن الخطوات اللازمة لاجتياز التحدي، وكذلك المسار الصحيح، فهناك مساران في الكتابة: جمعٌ وإضافة..

المسار الأول سهل لأنك استعددت له من قبل، فقد كتبت نصوصًا عديدة أو قصصًا أو مقالات أو قصائد، قد ابتكرت وأبدعت، والآن تريد أن تُخلّد ما صنعته يدك في كتاب، يبقى أن تجد دار نشر ملائمة وألا تفكر في العائد سريعًا فأنت تريد أن تقطف ثمارك الجاهزة في سلة تحتويها، وأن ينتشر صيتك، وتريد أن تصل لوجهتك بأسرع الطرق، ينهج أغلب الشعراء وكُتّاب المقال والقصص القصيرة وأدب الرحلات هذا النهج ولذلك لديهم إنتاج غزير، لقد استعدوا للنجاح منذ زمن، هم من قادوا خريطتهم لنقطة النهاية..

المسار الآخر يشبه الطرق المختبئة بين القرى، ما يسميه الغرب scenic route، طويل لكنه ممتع، ويحتاج لأن تقضي وقتًا أطول في تأمل غابة أفكارك والخروج بعمل جديد لم يسبقك إليه أحد، هذا طريق الروائيين وكُتُب الذكريات والسير والكتب العلمية المختصة والتجارب الحياتية والروحية، لن تدخل هذا المسار مستعدًا بل ستسلم الزمام إلى الخريطة فهي من سترشدك، وستتوقف كثيرًا لتستجمع أفكارك وتربط بين شخصياتك الروائية، احذر من فخاخ التسويف وحبسة الكتابة هنا، ولا ترض بعمل غير مكتمل..

وصية إضافية: لا تقع في فخ الأنا..
أكثر ما يؤدي بالكاتب للتوهان في غابته، اعتقاده بأنه هو محور كون الكتابة، ستتخلى عنك حوريات الإلهام، ستخفت نجوم السماء وتختبئ خلف سحب رمادية لا تُنبئ بالمطر، ستتمرد بوصلتك وتطير خريطتك وتنكسر عصاك وتسقط قبعتك وينفذ زادك، وستجد نفسك معلقًا بماضيك، تندب أيادٍ كانت تصفق لك، وتهاجم زوارًا جددًا للغابة وقد تضع أفخاخًا في طريقهم، لأنك لا تريد أن ينجو أحد غيرك ويصل..

الغابة أمامك صديقي الكاتب، عُد لنا سالمًا مُنجزًا، ونحن ننتظرك هناك في الجهة الأخرى، وسنمضي معًا لأي قمة ترتجيها..

أضف تعليق