
السبت ليلا..
بقي شخص وحيد يراقب اللاشيء حوله، سكون تام وكأن الأرض قررت النوم بمن فيها عداه، وددت مواساته لكنني من حديد ومساميري تثبتني في المكان كي لا أهرب وأترك الناس بلا مقعد يأوون إليه حين التعب، وكأنه حكم علي أن أعوض أحضان الأحبة والأمهات والقطط. سأنام وليفعل هذا الشخص ما يشاء. إن كان حزينا أكثر من اللازم وقرر إنهاء حياته فستجد الغربان ما تأكله في الصباح، كذلك الأسماك إن رمى نفسه في البحر، المهم ألا أتلطخ بالدماء، ستترك أثرها على جسدي ولن يعيد طلائي مسؤولو الحديقة فهم بخلاء جدًا إلا حين زيارة شخص مهم..
الأحد صباحا..
لا يوجد دم على جسدي، والغربان ما تزال نائمة، والبحر هادئ، ربما قرر ذلك الشخص الرحيل ألى منزله بهدوء، سيجدونه معلقا في مروحة أو فاقد الحياة في مغطس.
أعرف هذه الأشكال جيدًا، سيكون صباحا هادئا بلا مشاكل إلا إن قررت القطط الضالة مطاردة بعضها أسفل مني أو رمتني الغربان والنوارس بدائها وانسلت، تعلمون ما أقصد فأنا لم أتعلم كيفية التعبير عن الأفعال القبيحة بعد.
الاثنين ظهرا..
حمّى، أشعر بالحُمّى، هناك من وشى بي إلى الشمس أنا واثق، وإلا لم تعاقبني هكذا؟! أرى الظلال تحت الأشجار التي أمامي وكانني سجين ينتظر الإعدام بينما الجنود حوله يتناولون وجبته الأخيرة.
هل كان تثبيتي بهذه المسامير خطأ هندسيا من صانعي، أليس لي حرية الحركة وأنا أمتلك أربعة أقدام مثلي مثل القطط والأطفال في حبوهم! لماذا لم يضعوني تحت شجرة بدلا من مطالعة البحر والمشاة؟، ولمن أشتكي هذا العذاب؟! لربما حنّت علي غيمة وأخفت الشمس قليلا لأتعافى وأعود صالحا لاستخدام من يرغب بالجلوس، وما أكثرهم..
الثلاثاء مساء..
فتاتان تهويان التقاط الصور، رجل وامرأة أمضيا وقتهما في تصفح الهواتف النقالة بدلا من الحديث لبعضهما، رجل يحاول إنقاص وزنه وكسر ظهري بذات التوقيت، شاب يكتب في هاتفه “لعل الحياة تجمعنا، وأن يجمعنا كذلك كرسي حديقة، هل توافقين؟!”، ما أرق وألطف هذه المشاعر، أرغب بأن أكون شاهدًا على قصة الحب تلك، هناك أيضًا امرأة عجوز تنظر إلى البحر بحزن غير مفهوم لكنه اعتراني كما اعتراها، لعل منظر الغروب الفاتن يخرجنا منها، والآن فوقي قطة نائمة، هذه إحصائية اليوم، لا بأس بها أليس كذلك؟!
ما يزال ظهري يؤلمني قليلا، أومَا يكفيني غضب شمس النهار؟!
الأربعاء مساء..
قلبي انفطر إن كنت أملك قلبًا، فَلَم أرَ من قبل من يجهش بالبكاء كهذه الفتاة، تردد باستمرار (لم تركتني؟!)، لا أعلم من تركها، أبوها، أخوها، زوجها، حبيبها، هل مات؟! هل رحل؟! هل تخلى عنها؟! أسئلة تحتاح لإجابات وافية كنت سأطلبها منها إن كان لي لسان؟! نعم ليس لدي قلب ولا لسان ولا دماغ ولا أعضاء، ألَمْ ترَ كرسي حديقة من قبل؟!
الخميس ليلا..
سأقدم استقالتي هذا الأسبوع حتماً وليلقوا بي في أي مكب معادن محترم، أليس في الحديقة كرسي غيري يتحمَّل هذه الأرطال الهائلة والمشاعر الغريبة المتنافرة المتناقضة ومئات العابرين! أحتاج لطبيب نفسي يفهم لغة الكراسي، هل تعرفون أحدهم؟!
الجمعة مساء..
قرر المسؤول إعادة طلائي، وأحاطني بشريط أحمر وأبيض، هناك من عبث بي وكتب ذكرياته علي بقلامة ظفره، منها A + N = H، فهمت الحرفين الأولين بأنهما يرمزان لشخصين يجمعهما الحب، لكن حرف H ماذا يعني هنا؟! “حار” باللغة الانجليزية أم “هواية”؟!
هل يقصد أنها تعبير عن الحب باللغة العربية وكتبها hob?!
أظن من اخترع اللغة الانجليزية سينتحر بسببه وسيلحق صديقنا الذي تبحث عنه الغربان لتريحه من عناء الدفن، المهم هنا أنني سأرتدي طلاء جديدا لأول مرة منذ قدومي إلى هنا، لماذا لا يأتي الأشخاص المهمون كل يوم؟!
السبت ليلا..
لقد جفّ طلائي، ونزعت الأشرطة الحمراء من حولي، هناك شخص يرغب بالجلوس يأتي من بعيد، ويبدو بأنه وحيد…
***
