صنبران

“جيب صنبران وأنت مروح”

هكذا أوصته حبيبته وهو في طريقه لأداء شعيرة الحج في رحلة تستغرق أسبوعين بمختلف وسائل النقل آنذاك، سيتقدم لأبيها بطلب الزواج بعيد عودته من الحج ويريد أن يلبي لحبيبته أي طلب تبتغيه ولو طلبت روحه لاستجاب..

ولأن شخصيته حدّية، ولأن إحضار (الصنبران) من رحلة الحج لهو أمر جلل ومصيري عند أهل منطقته وكأنه من أركان الرحلة رغم أنه عبارة عن حفنة من الحَبّ الشبيه بالحمص والسكاكر، انشغل عقله بهذا الوعد فلا استوعب صلاة ولا ذكر ولا يدري في أي يوم هو وكم من النسك قد أكمل وكم من الشعائر قد أنجز، جل ما يفكر فيه هو ردة فعلها حينما تراه يقتحم جموع المهنئين بالحج حاملًا إليها كيس (الصنبران) وكأنه مهر إضافي.. 

في اليوم الثالث بعد العيد، ذهب يبحث عن ضالته في السوق، أغلب المحلات أعلمته أن الكمية نفذت وقد يجد المزيد عند قهوة الجبل، وهي المحطة التي كان سيتوجه إليها ليبحث عن مقعد في سيارة تعود به إلى جازان، وحدها تلك الابتسامة كفيلة بأن تغفر سخطه على حرارة الأجواء حينها، وصل إلى قهوة الجبل يحمل كيسًا وضع فيه إحراما مهترئا استعاره من عمه وكيسا آخر به ملابسا متسخة وبعض كتيبات الحج ومسابح مقلدة وأشرطة كاسيت وزعت عليهم ولا يعلم ما فيها فلم يكن منتبها لخطب الواعظين ولا لدعاء العائدين إلى الله في هذا المحفل.. 

سأل عن باعة ا(لصنبران) فأفاده أحدهم بأنهم باعوا كل ما لديهم ولكن ربما في الصباح الباكر تأتي دفعة إضافية، لم يطق الانتظار، مرّ على السيارات الواقفة يسألهم إن كان بمقدورهم بيع كيس (صنبران) له بمقابل مجزٍ، ابتاع كيسًا من هنا وكيسًا من هناك بضعف ثمنها فأصبح لديه أربعة أكياس، واحدٌ لأمه والبقية لحبيبته زوجة المستقبل، ولم يتبق معه سوى ثمن العودة إلى المنزل ففاوض أحد السائقين على أن يبقى له عشرة ريالات يتناول بها طعاما يكفيه إلى أن يصل..

في الطريق احتضن أكياس (الصنبران) كمن يفدي أطفاله وكأنها سبيله الوحيد إلى الحب الأزلي، استيقظ فجأة على محاولة أحدهم لسحب كيس منها فانتفض وأزبد وأرعد واستطاع السائق أن يفض هذا الخلاف وينصح من حاول سرقة الكيس أن يتوب فهم عائدون من رحلة يفترض أن تولد فيها من جديد..

خبّا ا(لصنبران) في كيس الملابس المتسخة واحتضنها متحملًا رائحتها لكن تخيل منظر ابتسامتها عندما يعود ينتصر على كل الحواس، دخل في نوم عميق لم توقظه سوى يد السائق التي تهزه بقوة وتدعوه لمغادرة السيارة في موقف (صبيا) وعليه البحث عن سيارة أخرى توصله إلى منزله، لم يحسب حسابًا لهذا المشوار فقرر أن يضحي بالمبلغ اليسير الذي معه في العودة للمنزل عوضا عن تناول أي شيء يسد رمقه، وأخذ سيارة أخرى بها حجاج آخرون عائدون يحملون كيلوات من (الصنبران) تكفي لإطعام قبيلة كاملة..

وصل لمنزله وفي استقباله أهله مع أهل الحارة يهنئونه بالعودة من الحج ويطلبون نصيبهم من الهدايا و(الصنبران)، لم يستطع حنى رد التحية والتهنئة من التعب، وكل ما تبقى من جهده يريده لإعطاء الوصية لحبيبته، وطلب من أمه أن توصلها إليها وتبقي كيسًا واحد (تفحقه) ليتذوقه عندما يستيقظ.. 

عملية (فحق) (الصنبران) مع سكاكره تعني طحنها إلى أن تصبح مسحوقًا كثيفا ملونًا وحلوًا يؤكل بالملعقة، ومن شدة إرهاقه لم يسمع صوت (الفحاقة) ولا أطفال العائلة الذي يطالبون بنصيبهم من هدايا الحج والنقود و(الفحيقة)، راضتهم أمه بما تيسر لها لأنها تعلم المشاق التي خاضها حتى يعود، أيقظته ليتناول طعام العشاء فأفاق مرغمًا بسبب معدته التي لم تكف عن الصراخ، سمع صوت زغاريد و(شُحّات) يشبه طلقات لعبة المسدس وأغاني فرح وحبور، سأل أمه عن (الصنبران) وما إذا قد أرسلته لحبيبته فصمتت، عاود السؤال فأجابته بأن الضجيج الذي بالخارج هو مراسم ليلة زواج تلك الفتاة الليلة من ابن عمها وليس من اللائق أن تذهب بهديته إلى عروس بليلة فرحها..

لم يستوعب الخبر، بقيت أصوات (الفحاقة) وباعة (الصنبران) وأدعية الطواف وصراخ المتحمسين في رمي الجمرات والزغاريد تعيد نفسها في رأسها وكأنه سقط في دوامة تريد أن تبتلع العالم، نظر إلى صحن (الفحيقة) وذابت نظراته في ألوانها التي تمزقت، وبقي يتخيل ابتسامة حبيبته عندما ترى أكياس (الصنبران) التي كابد الصعاب ليحضرها إليها.. 

أضف تعليق