
بقلم م. د. رامي حمزي
الثالث من شهر جولاي 2012، وفي لحظةٍ ناعسة من صباحٍ لم يكتمل، مزّق الصمتَ صوتٌ متهدّج يحمل القلق في نبراته:
“Ramy, get up! We need to get going. Donna’s surgery is in two hours and we need to meet the doctor!”
“رامي، انهض، علينا أن نذهب الآن، دونا ستجري عملية خلال ساعتين و نحتاج أن نتحدث مع الطبيب”
نهضتُ بعينين نصف مفتوحتين وروحٍ لم تلتحق بجسدي بعد. لم يكن في الوقت متّسعٌ للتفكير، فقط لبستُ وانطلقنا.
كان مالكوم يقود السيارة بصمتٍ طويل، كأن الطريق أقصر من أن يتّسع لأفكاره.
ثم قال بصوتٍ يخلط بين الرجاء والتعب:
“بعد العمليّة، ستتحسن حالتها، سيبدأ العلاج الطبيعي، وسنأخذها إلى البيت… وأضاف بنبرة منهكة: “لقد ملت من البقاء في دار العجزة… وأنا تعبت، تعبت من زيارتها كلّ يوم.”
كان يتحدث لا ليطمئنني، بل ليطمئن نفسه، كمن يحاول أن يصنع من الكلمات درعًا ضد ما يخشاه.
مالكوم و دونا — لم يكونا مجرّد زوجين مسنين، بل كانا عائلتي أثناء غربتي في مرحلة البكالوريوس.
عاشا معًا سبعةً وخمسين عامًا…
وكنتُ أراهم، حين يجلسان في صمتٍ بالمطبخ، كأنهما جزءٌ من طاولة الخشب القديمة: صلبان على ظاهرها، ولكن دفء عميق في قلبها.
بدأت دونا منذ عام تفقد توازنها، وتسقط كثيرًا، وصار جسدها يخذلها كما يفعل العمر حين يصير عبئًا على نفسه.
أوصت الأخصائية الاجتماعية بنقلها إلى دار رعاية المسنين، فالزوج المسنّ لم يعد يقوى على الاعتناء بها، رغم الحب!
كانت تلك أول مرة أتيقن من أن الحب وحده لا يكفي.
عندما وصلنا إلى المستشفى، لم نكن نعلم أننا ندخل بابًا لن نخرج منه كما دخلناه.
طلب الطبيب لقاءً خاصًا مع مالكوم..
رأيته يخرج بعد دقائق، ملامحه ساكنة بشكلٍ مريب… كأنّه يُخبّئ عاصفة في صدره.
لم يقل شيئًا، بل رمقني بنظرةً بلا عنوان، وقال بهدوء جاف:
“اتصل بالأولاد… كيرت، كارل، وكاي… اجمعهم على الهاتف.”
فعلت ما طُلب مني، ثم هممت بالمغادرة لأترك لهم مساحة من الخصوصية، لكنّه استوقفني بنبرةٍ لم أسمعها منه من قبل:
“اجلس… القرار لنا جميعًا.”
ثم قال، وكأنّه ينطق حكماً لا قرارًا:
“الطبيب أخبرني أن حالة دونا تدهورت أثناء الليل… لم يعد من الحكمة أن نخاطر بإجراء العملية، قد لا تستفيق من التخدير. ”
وصمت لحظة، ثم تابع بصوت منخفض:
“اقترح أن ننقلها إلى مركز الرعاية التلطيفية… حيث يهدّئون الألم، لا يعالجونه، لأن لا جدوى من العلاج بعد الآن.”
“قال إن أمامها… يومان، أو ثلاثة على الأكثر.”
في تلك اللحظة، لم يتحدث أحد…
سكنت الغرفة كما لو أن الزمن نفسه توقف.
صوت الصمت كان أثقل من أي بكاء،
وأنا، رغم أنني لم أنطق، كنت أصرخ داخليًا: “هل هذه نهاية الرحلة؟ بهذه البساطة؟!”
ثم انهمرت الأسئلة من الهاتف كما ينفجر سدّ قديم:
“متى؟ لماذا؟ أين؟”
قال مالكوم: “لن أقرّر وحدي… يجب أن نكون معًا في هذا.”
ردّت ابنته التي تعيش في ولاية بعيدة: “سأتوجه للمطار، سأكون عندكم هذا المساء”
وقال ابنه الثاني: “انقلوها، وسأوافيكم هناك.”
أما الابن الأكبر، فقد ظلّ صامتًا كصخرةٍ في وجه الريح.
وعندما طلب منه والده رأيه، قال بكلماتٍ تائهة:
“ها! .. لا أعلم… لا أدري… لا أدري.”
يومان مرا كمن يسير على زجاج الوداع، نُقلت دونا في نهاية اليوم إلى مركز الرعاية التلطيفية.
مكثت هناك يومين..
وفي اليوم الثالث، وبينما كنت أمارس حياتي ظاهريًا،
رنّ الهاتف…
كان صوت ابنتها على الطرف الآخر،
قالت فقط:
“رامي، يجب أن تحضر الآن.”
ذهبتُ، بخطى تشبه الإعتراف…
ودخلت الغرفة التي لم يكن فيها شيء يتحرّك إلا أنفاسٌ تتقلّب بين الحضور والغياب.
عن يميني كارل، وعن يساري كِي
وأمامنا مالكوم… رجلٌ في الثالثة والثمانين، جامد الملامح،
لكنه غارقٌ في استرجاع سبعاً وخمسين سنة من الضحك، والشتاء، والخلافات، والقهوة الصباحية، وقصص الأطفال…
ذكرياتٌ تتقافز أمام عينيه لا كصور مرتبة، بل ككُسَر زمنٍ يتبعثر، وكأنّ شيئًا من دونا لا يزال قائمًا في الزوايا… لكنه يتبدّد، كالبخار في صباحٍ بارد.
ودونا…
لم تتكلم، لم تبتسم، لم تبكِ… فقط كانت تحدّق.
تتأمل وجوهنا كما لو أنها تنحتها في ذاكرةٍ تعرف أنها ستُطفأ بعد لحظات.
تتأملنا لا لتطلب شيئًا… بل لتودّع كلّ شيء.
كانت محاولة أخيرة للقبض على الحياة من بين أصابع الوقت المنزلق.
أما أنا… كنت هناك، جسدًا بلا روح، شعرت بأنني مجرد ظلّ
مشاعر ضائعة، كنت أحاول أن أفتّش في قلبي عن شيء يُشبه الحزن، شيء أتمسّك به، شيء يقول إنني إنسان في لحظة موت…
لكنّ روحي كانت صامتة كحائطٍ أملس.
كنت كالغريب
غريب عن اللحظة، غريب عن نفسي.
وفجأة، توقفت الأجهزة عن إصدار أصواتها الرتيبة.
تقدّم الطبيب بخطى هادئة، ثم وضع السماعة على صدرها، ثم رفع عينيه إلينا،
وقال بصوتٍ ناعم، لكنه كالسيف:
“She’s gone.”
“لقد رحلت.”
حينها، لم أستطع أن أتمالك نفسي،
أجهشت بالبكاء كما لم أفعل من قبل…
لا لأنني كنت قريبًا منها فقط،
بل لأن شيئًا انهار في داخلي ..
الرهبة من الفناء، الحيرة من النهاية و الغضب من هشاشة الوجود.
كنت أبكي لأُطهّر قلبي من شعور العجز أمام الموت،
هذا الزائر الذي لا يطرق الباب، بل يفتحه ويدخل.
وأعتقد الآن، بعد كل هذه الأعوام أنني كنت أبكي أيضًا
لأغسل روحي من أشياء لم أكن أعرف أنها موجودة.
أشياء خزنتها النفس في صمتها الطويل،
كل ما لم يُقال، ولم يُفهم، ولم يُمنح حقه في النور.
و استمرّت الحياة …
و بعد مرور سنوات ….
السابع و العشرين من مارس، 2025
تشير الساعة إلى الرابعة تماماً
في غرفة باردة، بيضاء، مشبعة برائحة المطهّرات،
لكنها ليست موحشة…
فيها شيء غامض، يشبه أول النهار قبل أن يكتمل الضوء.
أصوات الأجهزة تملأ الفراغ بإيقاعٍ منتظم،
أمام عينيّ، لحظة تتشكّل
الزمن يتباطأ، والهواء يثقل…
وفجأة، صرخة!
صرخةٌ حادّة، نديّة، كأنها ارتداد الصوت الأول حين نطق الوجود باسمه للمرة الأولى.
صرخةٌ مزّقت الهدوء، لكنها لم تُفزعني، بل احتضنتني كإعلان سماوي:
هنا الحياة!
في ذلك المساء، لم أكن أراقب فقط،
كنتُ أعيش اللحظة كمن يشهد ميلاد شيء أعمق من طفل…
كأنني أقف أمام الستار الذي يُفتح على مشهد الوجود في أنقى تجلياته.
رفعت الطبيبة ابني وقالت بدهشة:
“Oh my God, he looks exactly like you!”
“يا إلهي… إنّه يُشبهك تمامًا!”
بحثت عني فيه…
رأيت وجهًا سيصنع أيامه، ويخطّ فصوله، ويبحث عن معناه بعيدًا عن ظلال الآخرين.
حملته بين يديّ، واهتزّ شيءٌ داخلي.
كأنني أُمسك بالحياة حين تولد، وأراها ترتجف وتبكي، لا لأنها خائفة، بل لأنها جديدة.
لم يكن سوى كائن صغير، هش، مبلّل، لكنه كان معجزة…
يبكي، يتنفس، يمدّ ذراعه كأنه يريد أن يمسك الحياة من أولها؟
كيف لشيء لم يكن أن يصبح فجأة بين يدي؟
كيف لطفلٍ بلا ماضٍ أن يمنحني كل هذا المعنى؟
تدفّق في قلبي شعور عظيم بالمسؤولية، شعرتُ بعجزه.. وبأنّ شيئًا مقدّسًا أُودع في يديّ..
وضعت الطبيبة السماعة على صدره…
وفي اللحظة ذاتها، تراجعت بي الذاكرة، لا إلى الوراء، بل إلى الداخل.
السماعة نفسها… لكنها هذه المرة تُصغي إلى الحياة، لا إلى الغياب.
المشهد يتكرّر، لكن المعنى انقلب، كأن الزمن يعيد الدرس بلغةٍ جديدة.
في عام 2012، كانت السماعة تبحث عن نبضٍ يحتضر…
عن بقايا إيقاعٍ يخفت.
الطبيب كان واقفًا بجلال الموقف، لا يجرؤ على النظر إلى أحد،
والطاقم كله يمشي على أطراف الوجود،
كأن الحزن حين يحلّ، يفرض على الجميع طقوس الصمت والانحناء.
كل شيء كان يهبط…
مستوى الأوكسجين، صوت الأجهزة، حرارة الهواء،
حتى الأمل كان يتراجع، يتقوقع في زاويةٍ لا يريد أحد أن يراها.
أما في عام 2025، فالمشهد ذاته…
لكن السماعة الآن تبحث عن بداية، عن نبضٍ يشقّ طريقه في هذا العالم للمرة الأولى.
الطبيب يبتسم، كأنّ ما يسمعه ليس دقّات قلب، بل إعلان مجيء،
والطاقم من حوله يتهامسون، يباركون، يصفقون للدهشة كما يُصفّق للفجر بعد ليلٍ طويل.
كل شيء كان يصعد…
مؤشرات الأجهزة، حرارة المكان، ابتسامات الوجوه، وحتى أنا… كنت أعلو بداخلي.
هناك، كنا نودّع النبض الأخير، وهنا نستقبل النبض الأول.
هناك، كانت الحياة تغلق الستار برفق، وهنا كانت تفتحه بجرأةِ الضوء.
تلك اللحظة لم تكن مشهدًا طبيًا عابرًا،
بل كانت مفترقًا بين فكرتين: أن الحياة لا تُقاس بالزمن، بل بالتجدّد.
وأن السماعة، في يد الطبيب، ليست سوى شاهدٍ أمينٍ على تعاقب الوجود.
لم يكن بين المشهدين تناقض، بل وحدة غامضة،
كأن الحياة لا تُفرّق بين ما يُؤخذ وما يُمنح، بل تسير بهدوءٍ بين طرفين، كما يسير الضوء بين ظلّين.
ثم، في لحظةٍ لم يصرخ فيها شيء، ولا همس فيها أحد،
سكن كل شيء من حولي… وارتفع داخلي صوتٌ بلا كلمات.
لم يكن ندمًا… بل رجع تفكّر.
كأن الزمن أوقف خطاه للحظة، وقال لي: انظر من أين أتيت، وأين تقف الآن.
لم أُحاصرني بأسئلةٍ جارحة، ولم ألوّح في وجهي بعتبٍ قديم،
أدركت آنذاك أنني لم أنسَ، ولم أتجاوز،
بل إن لحظة الميلاد لم تكن بديلة عن الفقد،
بل كانت امتداده الخفي… كأن في أعماق كل بداية، ظلّ نهاية يهمس: أنا لست بعيدًا.
علمت أن الحياة لا تطلب منا أن نختار بين الوفاء للحزن، والفرح بما يأتي، بل تطلب فقط أن نكون بشراً بما يكفي،
لنفتح ذراعًا نستقبل بها الجديد، وذراعًا نُبقيها تحتضن الراحلين في صمت.
عندها فقط، فهمت…
أنني حين وقفت على ضفّتَي الحياة، لم أكن شاهدًا على موتٍ وميلاد، بل كنت شاهداً على الحياة في أكثر لحظاتها نقاءً:
حين تمسك بيدٍ وترخي الأخرى… دون أن تفلت شيئًا.
