
-كنت أنتمي لذلك العصر الجميل الذي تأتي فيه الإعلانات في منتصف البرامج والحلقات التلفازية وبين شوطي المباريات، فاصل إعلاني كما أسموه في تلك الحقبة، هدنة مع المشاهد ليعود لواقعه قبل الانغماس مجددًا في الوهم اللذيذ..
كان ذلك قبل عصر سيطرة الإعلانات كما نراها حاليا، لن تستطيع الرد على مكالمة قبل أن ترى أو تسمع إعلانا ما، ثم يسمح لك باستقبال المكالمة، لن تعمل سيارتك أو بوابة عربة المترو أو تحجز تذكرة سفر أو تذلف باب عملك أو منزلك قبل أن توافق على مشاهدة إعلان على الشاشات المصاحبة يصل إلى دقيقتين على الأقل..
وهذا قبل أن تأتي المنازل المعززة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات الشبيهة بالإنسان والتي تخيرك بين الاشتراك في خدمة العرض المنزلي الخاص بلا إعلانات أو تضطر لمشاهدة إعلان كلما فتحت باب الثلاجة أو أغلقت نور الغرفة أو أردت إطعام قطتك، حتى اللوحات والكتب لم تسلم من غزو الإعلانات، بين كل فصل وفصل إعلان، وبعضها بين الصفحة والأخرى، لم يتبق سوى النوم، تخيل مستقبلا ألا تستطيع النوم إلا بعد مشاهدة إعلان، فلتذهب الحضارة ألى الجحيم إن حرمتنا من النوم..
إن حياتنا أصبحت عبارة عن إعلانات تتخللها حياة وليس العكس، جشع الشركات الذي لا ينتهي، أشعر بأنني أصبحت إعلانًا طويلًا يمشي على قدمين، وددت لو وجدت شيئا يعيدني لزمن ما قبل الإعلانات، هل توافقني يا فريد؟!
هزّ الروبوت فريد رأسه المعدنية وردّ بصوت آلي رتيب وهو يشير للطاولة الزجاجية التي تفصل بينهما:
-نعم أتفق معك سيد وليد، رأيي في هذا الأمر سأخبرك به بعد فاصل إعلاني قصير على شاشة الطاولة، هلى تريد أن أقترح عليك إعلانًا معينًا أم أدع الخوارزميات تختار من أجلك؟!

