المستقبل الذي ودّع خط الزمن..

صدمته الجملة الأخيرة في القصة التي قرأها، يا لخيال الكاتب الخصب الذي صور اللحظات الأخيرة في حياة كوكب يلفظ أنفاسه الأخيرة، كان الوصف مرعبًا لآخر لحظات سكانه قبل نهاية عالمهم، لولا أنها خيال محض من صنع كاتبها لما استطاع تجاوز الموقف..

قام من كرسيّه الذي يطفو في الهواء وهو يتساءل عن تأثير التقنيات المتقدمة على نهايات العوالم، اختراع هذا الكرسي له قصة ودورة حياة منذ أن كان جذع شجرة مرورا بالعروش المذهبة وصولا لكراسي المزينين وأريكة المعالجين وهي تقوم على أربعة أرجل أو عجلات صغيرة يستخدمها أطفال الجيل السابق في سباقاتهم البريئة، الآن هذه الكراسي قد تبرأت من أقدامها وطفت في الهواء متمردة على الجاذبية، والمركبات كذلك تطفو في الطرقات بخفة حتى أنه يتساءل كيف يحتمل هواء الكوكب كل هذه الأثقال التي تتجول بحرية في أثيره..

 لكن السؤال الأصلي عاود ظهوره في ثنايا عقله، هل هذا التطور في التقنية سيقودنا يومًا للفناء كما حدث لسكان الكوكب في قصة الكاتب، ومع أنها قصة قديمة من كلاسيكيات القرون الماضية إلا أن وقعها عليه مختلف، وكأنه يقرأ تاريخًا موثقًا وليس قصة خيالية عن كوكب بعيد في كون يستعصي على سكانه استكشافه، من هذا الذي سيتعرف على البحر قطرة قطرة؟! 

في خضم عاصفة أفكاره عن نهاية العالم، أتته رسالة على هاتف الشفاف تدعو الجميع للانضمام لكلمة سيلقيها الحاكم، وهذه حادثة يندر حدوثها فهو قد ترك شؤون البلاد للوزراء والمستشارين ورجال الدين واكتفى بالتوجيه والحكمة والرأي الرشيد، لكن التقنية لها مضارها كما قال كاتب القصة الأصلي. وينتج عنها عالم جشع مادي سيجلب الدمار ولا يتبقى سوى أثر الرماد ورائحة الدماء..

ولوهلة أصابته فكرة مدوية، هل هو فعلا شخصية حقيقية في مستقبل الأرض يقرأ قصة خيالية عن كوكب مُحي من الوجود بمن فيه، أم هو كذلك شخصية قصصية في عقل كاتب يجيد التلاعب بالقرّاء، ابتسم بسخرية وهو يتخيل هذا المشهد المستحيل، في المستقبل لا يدهشنا شيء، فقد رأى كل شيء يمكن حدوثه وقرأ عن الماضي وأقوامه وامبراطورياته التي سادت ثم بادت ولم يبق لها أثر، المستقبل الذي يعيش فيه الآن سيحمل السلام بعد أن يتخلص للأبد من الفساد القابع في مفاصله.. 

عاد للاستلقاء في كرسيه الطافي ووجهه نحو جدار غرفته الذي يتحول لشاشة ضخمة أو مكتبة تفاعلية كلما اشتاق للقراءة والعيش في أفكار الماضي، فمن لا يهتم بالماضي لن يفهم الحاضر ولن يستشرف المستقبل بكل تأكيد..

يراقب صعود الحاكم إلى منصة الحُكم ليلقي كلمته، ويعلن الخبر الذي زلزل كيانه وبعثر أفكاره:

“يؤسفنا أن نعلن أن خطة السلام لم تنجح وكادت أن تنشب حرب نووية قد تدمر الكوكب بمن فيه، لكن الشعوب اتحدت في مواجهة خطر مشترك، هناك مذنب قادم للأرض أكبر من المذنب الذي أدى لانقراض  تلك الكائنات الضخمة التي حكمت الأرض من قبلهم، لكن جهود الأمم وفي سرية تامة نجحنا في تغيير مسار هذا المذنب، ولكن….” 

سكوت الحاكم وايتلاعه للكلمات تسبب في غصة ناتئة عجز عن ابتلاعها أو حتى القيام من الكرسي الذي بدا وكأنه يطفو على اللحظات الأخيرة للعالم، أصغى لما قاله الحاكم بذهول وهو يتمنى أن يستيقظ من هذا الكابوس أو يتم الإعلان على أنها مزحة أو قصة خيالية، أعاد المقطع إلى كلمة (لكن) وهو يتمنى أن يسمع شيئا مختلفا..

“ولكن…. أظن أن ذنوبنا تسببت في مأساة وكارثة لهذا الأرض، أتانا أمر السماء، سيتم استخلافنا بجنس جديد وخلق آخر، لا سبيل لما سوى الغوص في المحيط والمحافظة على ما تبقى من أتلانتس المضيئة، ودعوا أحبابكم فقد لا تلقونهم بعد اليوم وأكثروا من الابتهالات للرب ليرحمنا من هذا المصير  الذي رغم سفك الدماء والإفساد ونسيان مهمتنا الرئيسية في العبادة وإعمار الأرض، لا أعلم إذا ما كانت تقنياتنا المتقدمة ستساعدنا على البقاء في عمق المحيط أو جوف الأرض، أدعو الرب أن يرحم أرواحكم وأن يغفر لأتلانتس” 

انتهى البث، واشتدت الجلبة في الطرقات، ورأى في الأفق كائنات مجنحة لعلهم ملائكة السماء ينفذون أمر الخالق، سمع صوتًا مألوفا ينادي على السكان بسرعة الخروج وهجران الديار فالأمر نافذ لا محالة، نظر لمنزله الذي يحتوي كنوزًا معرفية لا مثيل لها، وتذكر قصة الكوكب، ما أغربه من شعور أن تقرأ أحداثا خيالية وتعيشها بذات اليوم في الواقع، لو أنه شخصية خيالية في عقل كاتب لشتمه وأدان خياله السادي الذي يتلذذ بتعذيب شخصياته ومأساتهم..

سيفتقد حميمية المكان ولا يعلم ما إذا كان ليتمكن من العودة إليه، فالأرض لم تعد لهم، ودّع أشياءه وخرج من الباب يلبي نداء الهجرة، سمع الصوت المألوف مرة أخرى يستعجل الآخرين بالخروج بلهجة لا يدري هل هي شفقة أم شماتة واستعلاء، التفت لمصدر الصوت وعرفه مباشرة، لقد توقع في خياله أن يحدث كل شيء في المستقبل عدا هذا الأمر: أن يقود جيش الرب صديق طفولته عزازيل من أمة الجنّ، وتعجب متسائلًا: “ترى ما الذي يحمله لك المستقبل يا صديقي؟!”، ولم يكن يعلم أن تلك النظرة كانت آخر ما سيتبقى من ملامح الخلق الأول، وأن المستقبل سيصبح تاريخًا يومًا ما، وقد لا يدونه أحد.. 

*** 

أضف تعليق