ماذا لو استيقظت ؟!

ماذا لو كنا التقينا هناك في عالمنا

روحان بقلبٍ واحد ونجمةٍ ..

ماذا لو كا‫نت أرواحنا مرتبطة بالنجوم ‬

‫ونحن نيامٌ على هذه الأرض ‬

‫وكلما خبا نجمٌ وأفَل ‬

‫استيقظنا ..‬

‫ماذا لو كان الأكسجين الذي نتنفسه ‬

‫هو مخدر يمنعنا من رؤية الحقيقة ‬

‫التي لن نراها إلا حينما ينقطع عنا للأبد ..‬

‫ماذا لو كنت ظلّاً ‬

‫أفِرُّ من عتمتي إلى نورك كي أبقى ..

‫ماذا لو كنت خيالاً ‬

‫أجوب العوالم والقصص بحثاً عن قلبٍ جمعنا‬

‫أحمل نجمة توشك على الأفول في يدي ‬

‫أصعد للسماء ‬

‫ينقطع عني الهواء ‬

‫تخبو نجمتي ‬

‫فأستيقظ ‬

‫وأجدك ..‬

ليتني كنت صخرة

ابحث عن صخرة

اخترها معزولة ومنفردة ووحيدة مثلك تماماً

اربت عليها واطلب صداقتها

احكِ لها عن مشاعرك وعن الخدلان الذي تواجهه

حدثها عن صعوبة تعاملك مع البشر

أسرر لها بأمنياتك

كحلمك بأن تجوب العالم ذات يوم

وأملُك بأن تسافر للنجوم ولا تعود

وبرغبتك بأن تصبح صخرة مثلها

أو أن تستبدلها بقلبك

أصبحت دُمية

تحولت إلى ما يشبه الدمية

فأحدهم يحتضنني قبل نومه بشدة فأختنق

وآخر يضعني في دولاب انتصاراته مع دُمىً أخرى

وثالثٌ يغرس الدبابيس في جسدي كأنه يمارس طقوس سحر الفودو

أصبحت دمية جامدة لا تشعر

دمية تتحمل هراءهم ودموعهم والضربات الموجعة على الحائط حينما يرمونني لأنهم غاضبون

وها أنذا بزيٍ متسخ وخيوط ممزقة على ناصية الشارع بجوار مكب النفايات

قد أكل فأرٌ أحشائي المتدلية وقرر النمل أنني منزلهم الجديد

أريد امتناناً لأنتمي ..

أحتاج لموقفٍ أظهر فيه بمظهر البطل، كقائد جيش مخلصاً شعبه من غازٍ يريد القضاء عليهم، كطبيب لديه ثوانٍ معدودة لينقذ من الموت طفلاً وحيداً استشهد أبوه في ميادين الشجاعة بينما أمه تأكل ألمها في ممر المستشفى..

أحتاج لأن أكون محط نظرات الامتنان لا الشهرة، كعناوين الصحف المحلية، شابٌ ينقذ غريقاً، رجلٌ يقتحم حريقاً لينقذ امرأة وبناتها من الاختناق، جنديٌ يقفز على إرهابي مدجج بحزام ناسف فيزيحه من باب مدرسة، كوالدٍ ينفق ما تبقى من مدخراته في تعليم أبنائه، كقائل حق في مواجهة باطل..

بطولة لا تهتم بمن فعل بل ماذا فعل، فوحدها المواقف البطولية تشعرنا بأننا جسدٌ واحد، وكم أحتاج لأن أنتمي لهذا الجسد، لهذه الأرض..

وفي الصمت تكمن الإجابات

سأصوم كما صامت مريم

بلا عتب ولا اشتكاء ولا دعاء

فلا سواه الصمت يرأف بي

ألوذ به فيحميني وألجؤ إليه فيعتنقني

كقطعة ثلج أضعها على وخزات الأشواك في جسدي لتخدرها

كدمية تعوض الطفل عن حضن أمه المشغولة بزوجها

كوسادة إن نفضتها تساقطت دموعاً وآهات مكتومة

سأكون ناسكاً في معبد بلا هواء

أرهف السمع وأُصغي

للغة السكون

اللغة التي نتحدثها جميعاً

هل تمنيت يوماً لو أنك تتحدث خليطاً من السانسكريتية والأرامية والسريانية والرونية كي تصرخ في الورق ولا يسمعك أحد، وكأنك بحاجة للغة أخرى تغنيك عناء البحث عن الكلمات في عقلك..

من قال أن الأحرف هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن نفسك، فهناك لغة العيون ولغة الجسد ولغة التخاطر ولغة الإشارة والسيمافور والمورس ولغة الموسيقى، والرياضيات لغة الكون وحتى الحاسبات لديها لغة البايناري التي تتكون من 0 و 1، وأنت حينما ترنو إلى السكون أحياناً تكتشف أن للصمت لغة..

اللغة تستمد طاقتها من الأحرف، من الهمهمات، من التموجات، من الآهات، نتحدث وننتظر الإجابة، كطفلين مثلاً يتبادلان لعب الكرة فيبتسم أحدهما ليخلد اللحظة فتسمعه الأرض وترد عليه فتنبت وردة، فكل الورود ردود قد نبتت جرّاء ابتسامة عابرة سمعتها فقادها فضولها إلى السطح..

هل تذكر حينما أشارت لك الأمواج قبيل الغروب لتخبرك بانبهارها بألوان الغسق، وتلك النسمات الرقيقة التي حادثت جسدك وأنت على تبة رملية في منتصف الليل لتمتدح لك القمر، والصباح حينما حياك بأصوات الطبيعة والنجوم وهي تنبض قبل آلاف السنين لتسمعها اليوم والصخرة الصماء في خشوعها تستمع للنمل وهو يتناجى بالفرمونات..

هل تمنيت يوماً لو أنك تتحدث كل لغات الكون فقط كي تقول: أحبك..

أقفال وأسرار

يمسك بيد حبيبته عند الجسر، عشرات من الأشخاص حولهم مع أحبائهم، يكتبون أسماءهم على قفلٍ ويعلقونه على حاجز الجسر، يراقبهم، يفعل مثلهم، يلتقط صورة بلهاء للقفل، يغادر وكلي يقين أنه لن يتعرف على مكان القفل بين مئات الأقفال إن عاد مجدداً..

هذا الحاجز المثقل بالأقفال هو أنا، لكنني هنا مثقل بالأسرار، لم أعرف يوماً السبب الذي يجعل حتى الغرباء يبوحون لي بأسرارهم، أخبرني أحدهم يوماً بأنني وغدٌ أحمل ملامح مريحة للعين، لم يمنعه ذلك من تحميلي بعض أسراره ثم مضى في سبيله..

انهار الحاجز وسقط في الماء، سقطت في القاع أحمي أسرارهم التي كبلت حركتي بالأسفل، بين الفينة والأخرى أرى بصيص ضوء بالأعلى، أجاهد نفسي على الصعود، أجد شخصاً آخر يريد أن يبوح لي بسره، آخذ نفساً عميقاً، استمع إليه، يضع قفله على جسدي، لقد أصبح سره في الحفظ والصون، وأعود لأغرق مع أسرارهم التي لن أستطيع البوح بها رغم نسيان أصحابها..

أصبحت أشبه قاع المحيط، مظلم، غامض، مليء بالأسرار التي لا قِبل ببشري بخوضها..